هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




أحمد جلال
أحمد جلال
3.1 k

ذكرى إعلان انتحار المشير.. كيف كانت قصة النهاية؟

14/9/2018

التاريخ هو كتاب الحياة المملوء بالدروس والعبر، به يعرف خبر من غبر، وندرك أحوال أهل المدر وأهل الوبر، فنتعظ من مصير من طغى وتجبر، ونرى تجارباً ليست كتجارب المختبر، يقول – سبحانه – في محكم التنزيل: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ  مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف:111)، هذا في العبرة والعظة، أما في تعلم الثبات على الحق فيقول – سبحان -: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (هود:120).

 

فكثير مما نحن فيه اليوم مر به أسلافنا، فيا ليتنا نعتبر ونصلح العلل ونعالج الخلل، وفي هذا المعني يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - في كتابه «نظرات في القرآن» (95-98): «فالإنسان هو الإنسان - من مائة قرن خَلَتْ إلى مائة قرن يلدها المستقبل المنظور أو أكثر - لن تتغيَّر طبيعته، ولن يتبدَّل جوهره؛ لذلك فقد حفظ القرآن قصص الأوَّلين مع أنبيائهم، وجدَّد على الناس ذكرها بعدما طَوَتِ الليالي أصحابَهَا؛ ليُدَاوِيَ بها عِلَلا متشابهة، وقد كثرت القصص لتحصي جملة كبيرة من الأمراض الاجتماعيَّة، وتستأصل جرثومتها بصنوف العِبَر وشتَّى النُّذُر».

 

في مثل هذا اليوم الرابع عشر من شهر سبتمبر (أيلول) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، خرجت الصحف المصرية على العالم بخبر يقول: (انتحر عبد الحكيم عامر) بهذه الصيغة وكأن كاتبها يريد أن يقرر في ذهن القارئ فعل الانتحار عبر صياغته بصيغة الفعل لا بصيغة المصدر، وفي ذكرى هذا الإعلان أود أن أعرض لقصة نهاية المشير عامر لنأخذ الدرس والعبرة وقبل أن أعرض لقصة النهاية فلابد من أن أعرف به حتى تكتمل الصورة لدى القارئ.

 

ربطت علاقة صداقة بين الضابطين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر، وهي علاقة معقدة وغامضة ومملوءة بعلامات الاستفهام، لتحدث الثورة في العام 1952م، ويلمع نجم عامر كأحد أهم الضباط الأحرار

إنه محمد عبد الحكيم علي عامر، ولد عبد الحكيم عامر، بعد تسعة أشهر من قيام ثورة 1919، تحديداً في الـحادي عشر من ديسمبر، حاملاً لجينات أسرة صعيدية تنتمي إلى قرية أسطال، التابعة لمركز سمالوط، بمحافظة المنيا، وكان أبوه عمدة القرية وأحد أثريائها حيث كان يمتلك أكثر من 500 فدان، التحق الشاب عبد الحكيم عامر بكلية الزراعة ثم تركها والتحق بالكلية الحربية ليتخرج منها في العام 1939م.

 

ومن الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى صلة القرابة بين عبد الحكيم عامر والفريق حيدر باشا، حيث كان عبد الحكيم عامر يمت بقرابة لحيدر باشا من جهة والدته فهو ابن خال لها ولذلك درج الكثيرون على وصف حيدر باشا بأنه خال عامر، ومن المفارقات العجيبة أن حيدر باشا هذا عمل مع الملك وكان قريباً منه ومع ذلك أيضاً عمل مع ثورة يوليو التي أطاحت بالملك، ومن أبرز المواقف التي تدل على قربه من الملك فاروق، أن فاروقاً قد استحدث له منصباً خاصاً حتى يبقيه على رأس الجيش، فعندما جاءت حكومة النحاس باشا بعد استقالة حكومة حسين سري، رفض النحاس وجود حيدر في منصب وزير الحربية مما أغضب الملك فاروق فاستحدث منصب القائد العام للقوات المسلحة بالمرسوم الملكي رقم 13 لسنة 1950م وأسند المنصب إلى حيدر باشا.

 

والعجيب أنه بعد الإطاحة بالملك لم يحاكم حيدر باشا ولم تصادر أي من ممتلكاته ولم تحدد إقامته مثلما حدث مع الكثيرين في ذلك الوقت، بل إنه اعتبر شاهداً أولاً في قضية الأسلحة الفاسدة المرتبطة بحرب فلسطين التي نُظرت أمام محكمة الثورة المنعقدة عام 1953م، وشخصية حيدر باشا هذه تكشف جوانب كثيرة من السطوة التي سيكتسبها عبد الحكيم عامر داخل الجيش.

ربطت علاقة صداقة بين الضابطين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر، وهي علاقة معقدة وغامضة ومملوءة بعلامات الاستفهام، لتحدث الثورة في العام 1952م، ويلمع نجم عامر كأحد أهم الضباط الأحرار، ثم يتسلق السلم العسكري بصورة غير مسبوقة، ففي العام 1953م، تمت ترقيته من رتبة صاغ (رائد) إلى رتبة لواء وهو لا يزال في الرابعة والثلاثين من عمره متخطياً ثلاث رتب عسكرية، وأصبح القائد العام للقوات المسلحة المصرية.

 

وهنا يجدر التذكير بما ذكرته قبل قليل من كون هذا المنصب قد استحدثه الملك خصيصاً لحيدر باشا الذي تربطه صلة قرابة بعامر، ومن العجائب التي ينبغي أن تخضع للفحص والدرس، أن النكبة وتأسيس الكيان الصهيوني وخسارة حرب فلسطين 48 وقعت والفريق حيدر باشا قائداً عاماً للقوات المسلحة المصرية، وحدثت النكسة وتوسع الكيان الصهيوني وخسر العرب حرب 67 والقائد العام للقوات المسلحة المصرية هو المشير عبد الحكيم عامر أحد أقرباء حيدر باشا، ومن الجدير بالتأمل أيضاً أن عامر حصل على نوط الشجاعة في حرب 48 وتم ترقيته استثنائياً.

 

رواية الدولة أنه تناول سُماً بغرض الانتحار أما رواية أسرته أنه في 13 سبتمبر 1967 أثناء وضعه تحت الإقامة الجبرية وحجزه في استراحة تابعة للمخابرات المصرية في المريوطية بالجيزة تم تسميمه وقتله

الجزيرة
 
قصة النهاية:

من وجهة نظري أن كتابة النهاية لعبدالحكيم عامر لم تبدأ بعد خسارة حرب 67 وإنما بدأت مبكراً في حرب 1956م أو ما يسمى بالعدوان الثلاثي، حينما حدثت المواجهة بين عبد الناصر وعبد الحكيم، حيث أراد عبد الناصر إقالة بعض القادة العسكريين بعد الحرب نتيجة الهزيمة العسكرية المخزية إلا أن عبد الحكيم رفض تحميل هؤلاء القادة نتيجة الهزيمة وأبقى عليهم، لم يُطح عبد الناصر بعامر لنفوذه القوي داخل الجيش ولعوامل أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

 

ثم تتوالى الأحداث بعد ذلك ويأتي العام 1962م وبعد حدوث الانفصال بين مصر وسوريا وعودة عبد الحكيم من سوريا بصورة انتقصت من هيبته العسكرية، حيث أنهيت الوحدة بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 أيلول/سبتمبر 1961م وفي العام التالي مباشرة حدثت أول مواجهة كبيرة وحادة بين ناصر وعامر، وقام ناصر باقتراح تشكيل مجلس رئاسي لمواجهة نفوذ عامر، فأعلن عامر استقالته وتضامن معه عدد من كبار قادة الجيش، لتحدث وقتها أزمة حادة دفعت ناصر إلى التراجع عن رغبته في مواجهة عامر. وعند التنقيب في كتب التاريخ والنظر في مناصب داعمي عبد الحكيم ندرك لماذا تأخر عبد الناصر في التخلص منه؟

 

المشير عبد الحكيم عامر: نائب أول رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

شمس بدران: وزير الحربية.

صلاح نصر: رئيس المخابرات العامة المصرية.

اللواء عباس رضوان: وزير الداخلية.

الفريق أول محمد صدقي محمود: قائد القوات الجوية.

الفريق أول سليمان عزت: قائد البحرية.

الفريق أول هلال عبد الله هلال: قائد المدفعية.

الفريق أول عبد المحسن مرتجى: قائد جبهة اليمن ثم قائد جبهة سيناء.

الفريق أول أنور القاضي: رئيس هيئة العمليات بالقوات المسلحة.

اللواء حسن التهامي: مساعد رئيس هيئة العمليات.

اللواء عبد الرحمن فهمى: رئيس شعبة العمليات في سيناء.

اللواء عثمان نصار: قائد الفرقة الثالثة مشاة.

الفريق أول أحمد حليم إمام: مساعد نائب القائد الأعلى (مساعد المشير).

الفريق أول جمال عفيفي: مساعد نائب القائد الأعلى (مساعد المشير).

اللواء على شفيق: مدير مكتب نائب القائد الأعلى (مدير مكتب المشير).

اللواء صلاح محسن: قائد الجيش الميداني.

اللواء حمزة البسيوني: مدير السجون الحربية.

اللواء حسن عليش: رئيس هيئة مجلس الأمن القومي.

 

لذلك عندما حدث الصدام الأشد بعد هزيمة 67 أصدر عبد الناصر قراراً بتنحية عبد الحكيم عامر عن قيادة الجيش وتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية، وهو القرار الذي رفضه عبد الحكيم عامر بشدة، وحزم حقائبه واتجه إلى بلدته أسطال ليقضي بها بعض الوقت، غير أنه سرعان ما عاد إلى القاهرة بعد أيام وتحديداً في الأول من يوليو 1967، ومكث في منزله بالجيزة، ثم وضع قيد الإقامة الجبرية في منزله في أغسطس 1967، بعد ذلك نشر خبر انتحاره في الجرائد في يوم 14/9/1967 لتختلف الروايات حول وفاته.

 

فرواية الدولة أنه تناول سُماً بغرض الانتحار أما رواية أسرته أنه في 13 سبتمبر 1967 أثناء وضعه تحت الإقامة الجبرية وحجزه في استراحة تابعة للمخابرات المصرية في المريوطية بالجيزة تم تسميمه وقتله، أي الروايات أرجح؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من تحقيق نزيه ومحايد لكن دعني أضع بعض الاستفسارات:

 

1- لماذا انتشرت الأخبار أن عبد الحكيم عامر يسعى للانقلاب على الحكم، وإذا كان يسعى لذلك فلماذا لا يحاكم محاكمة علنية؟

2- كيف نفسر نقل الإقامة الجبرية من بيته إلى استراحة تابعة للمخابرات المصرية في المريوطية؟

3- لماذا ينتحر بعد ثلاثة أشهر على انتهاء الحرب، ألم يشعر بالتقصير إلا بعد مرور كل هذا الوقت؟!

4- عندما طالبت عائلته بالتحقيق في ملابسات وفاته، لماذا لم يُنظر لذلك إلا بعد ثورة يناير وتحديداً في سبتمبر 2012م؟ وإلى أين وصلت التحقيقات الآن؟

    

على العموم تبقى هذه الأسئلة بحاجة لمن يجيب عليها، والأيام كفيلة بكشف الحقائق.

ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً .. ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ

ويأتيكَ بالأنباءِ من لم تَبعْ له .. بَتاتاً ولم تَضْربْ له وقتَ مَوْعدِ

لا أمان أبداً بجوار الديكتاتور حتى لو كنت ابنه من صلبه

مواقع التواصل
  

أود هنا أن أشير إلى دروس وعبر تجول في الخاطر:

1- قيمة الحرية لا تقدر بثمن، وأنك قد تبلغ أعلى المناصب لكن عندما تعوزك الحرية فلا قيمة لأي منصب مهما عظم.

2- الصداقة المبنية على المصالح والمنفعة الدنيوية، ستنقطع ستنقطع لأن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.

3- لا أمان أبداً بجوار الديكتاتور حتى لو كنت ابنه من صلبه.

4- التاريخ كثيراً ما يعيد أحداثه، فاعتبروا يا أُولي الأْبصار.

5- الإقالة من المنصب ليست عقاب وإنما هي وسيلة لبعثرة الحقوق، من أخطأ فعليه وزره وينبغي أن يحاسب على قدر خطئه.

6- لكي تنهض الأمة لابد من رد المظالم.

 

وفي الختام لا أجد تعبيرا أدق من كلام الدكتور محمد الجوادي في وصف العلاقة بين عبد الناصر وعبد الحكيم، حينما قال: (إذا قلت «ضللت وضللني عبد الحكيم» فما هو الإعراب الذي تعطيه لعبد الحكيم؟ هل هو فاعل للفعل الأول أم أنه مفعول به للفعل الثاني؟ هذه القضية لها باب كبير في النحو اسمه التنازع، يفسر ما ينبغي من إعراب للكلمة التي تقع تحت تأثير عاملين مختلفين متقدمين عليها من عوامل التأثير، وبلغة النحويين الاصطلاحية فإن التنازع هو أن يتوجه عاملان متقدمان إلى معمول واحد، وأبسط مثل لهذه القضية هو المثل الذي أوردته.. وهو موضوع هذا الفصل مع اختلاف الفعل (ضللت، دللت، خدعت، أحببت، كرهت، نافست، ناقشت.. إلخ).

وفي مذهب أهل الكوفة يستحق عبد الحكيم النصب على أنه مفعول به، أما في مذهب أهل البصرة فإن عبد الحكيم يستحق الرفع لأنه فاعل. أهل الكوفة ينتصرون للعامل السابق، وهو عامل الفاعلية، فلا بد للفعل من فاعل ثم مفعول، وأهل البصرة ينتصرون للعامل الأقرب، فيجعلون عبد الحكيم فاعلا للفعل القريب منه وهو ضللني. أزعم (بما هو معروف عني من غرور) أن هذا التصوير هو أدق تصوير لصراع عبد الناصر وعبد الحكيم عامر مع كل الأفعال التي ذكرناها من أفعال التضليل والتدليل والخداع والحب والكره والمنافسة والمناقشة... إلخ)، انتهى كلام الدكتور الجوادي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة