هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




رغد شام
رغد شام
440

منطقة الراحة.. هل يتوجب علينا حقاً مغادرتها؟

14/9/2018

منطقة الراحة (comfort zone) هي حالة سلوكية يمارسها المرء من خلال مزاولته لحياته الروتينية بعيداً عن التغييرات التي قد تجلب الخطر النفسي لصاحبها. فهي الحالة التي تعطي المرء شعوراً بالراحة النفسية والأمان من جهة ولكنها تبعده عن الطموح والسعي وراء أحلامه من جهة أخرى. وتكثر في الآونة الأخيرة الدعاوي للخروج من هذه المنطقة والتغيير وإثبات الذات حتى أن الإنسان الروتيني بات مدعاة للنقد والاتهام بمحدودية الفكر وقلة الطموح.


فما إن تقوم عزيزي (الباحث عن التميز) بكتابة هذا المصطلح في محركات البحث حتى تطالعك مقالات بعناوين مثل (كيفية الخروج من منطقة الراحة) (لماذا يجب عليك الخروج من منطقة الراحة) (منطقة الراحة وكيفية التخلص منها بالتدريج) وغيرها من المقالات التي تفترض جدلاً بسلبية البقاء في هذه المنطقة، وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي زادت الدعاوي إلى البحث عن السعادة من خلال صور لأجمل شواطئ العالم أو المنتجعات السياحية مع عبارات مثل (السعادة هي الاستجمام في هذا المكان مع من تحب) أو لأناس يمشون حفاة بثياب بسيطة في طرق ترابية مع عبارات مثل (السعادة الحقيقية تنبع من الذات) لتجد أن الشباب بدأت بشكل تدريجي وبغير وعي منها بالانقياد لتلك الموضة الرثة من الملابس والانعزال تدريجياً عن المجتمع بهدف البحث عن السعادة الداخلية والشعور بالاختلاف والتفرد عن عامة الناس.


ولفهم حساسية انتشار هذه العبارات لنأخذ على سبيل المثال شاباً تخرج مؤخراً من الجامعة ويحاول البحث عن عمل ضمن المجالات المتاحة حوله ويبدأ بالاقتناع بنمط حياته البسيط علّه يستطيع تدريجياً تحسين وضعه المادي حتى يفاجئه الإنترنت بصور وعبارات رنانة حول شناعة الانضواء تحت راية منطقة الراحة وذمها واعتباره فاشلاً برضيه بالخيارات التافهة لمستقبله وحياته وبأنه يوهم نفسه بالرضى وكأن التنعم بالرضى بات رديفاً للفشل والكسل! فتراه يائساً بائساً بعد أن رضي بواقعه.

ليست كل أحلامنا نابعة من الداخل بل لنقل أن أغلب أحلامنا التي نظن أننا أبدعناها ورسمناها ما هي إلا أحلام فرضت علينا بألوان معينة وسيناريوهات مكتوبة سابقاً

عندما نفكر اليوم بضياع الشباب نفسياً وعدم رضاهم بالإمكانيات البسيطة حولهم. فلنفكر قليلاً بالأسباب الغير مباشرة وراء هذا الضياع ولنعد النظر بهذا النوع من غسيل الأدمغة دون الاستخفاف بقدرته العجيبة على صوغ نفسيات محطمة بائسة لجيل كامل. وينطبق هذا الكلام ليس على مجتمعاتنا فحسب بل ينتشر للأسف في أغلب مجتمعات العالم إلا أن تأثيره يكبر في الدول النامية نتيجة لواقع الحياة الصعب مقارنة بدول العالم المتقدم. لم يعد في وقتنا الحاضر للرضى بالواقع أي مكان في قاموس السعادة وقد فرض علينا نوع محدد من السعادة إذا لم نخضع له فنحن تعيسون حتماً حسب مفاهيم السعادة المنتشرة مؤخراً.


إن المشكلة حقيقة لا تكمن في هذه المصطلحات نفسها بل تكمن بكيفية استخدامنا لها. فنحن وللأسف ننتمي لشعوب كسولة بغالبيتها تحتاج لأن يقوم أحد ما بحثها على العمل والتعلم. فإن تقبلك لواقع خاطئ ليس أمراً صحيحاً بل إنه يتوجب عليك السعي وراء استغلال قدراتك وبناء مهاراتك واستخدامها بالشكل الأمثل ولكل إنسان قدرات يتفرد بها عن غيره ويتوجب عليه البحث عنها وتطويرها. ولكننا بتنا نستخدم هذه العبارات الرنانة يميناً وشمالاً وننتقد -ولو ضمناً- من رضي بواقعه البسيط رغم أننا لسنا جميعنا قادرون على السفر إلى أجمل شواطئ العالم أو الزواج بجميلات العالم او أثريائه. ولا يتوجب على جميعنا السعي وراء تغيير حياتهم والنظر إليها بعين النقص والانتقاد فقد تكون حياتهم التي لا يرضون بها هي أكثر ما يطمح إليه غيرهم. فالرضى ليس فشل.


وبعبارة أخرى، لا يمكننا تعميم انتقاد هذا النوع من الدعاوي على الجميع فبعضنا يعيش فعلاً ضمن ظروف استثنائية تفرض حصاراً على مستقبلهم فيكون التغيير في هذه الحالة واجباً عليهم في حال أمكنهم التغيير طبعاً حيث أن منطقة الراحة بالنسبة لهم هي حقيقة منطقة أبعد ما تكون عن الراحة كأن يخلق المرء في أسرة متفككة أو تحت أحوال مادية منعدمة تفرض عليه السعي لتغيير واقعه أو إعادة ترميمه للاستمرار بحياته بشكل سليم وصحي بعيداً عن المشاكل النفسية.

إن المقدرة على تحديد الظرف الواجب تغييره وتمييزه عن الظرف الواجب تقبله والرضى به بات واجباً علينا. فكثير من الأهالي يسعون جاهدين لخلق ظروف معيشية لأولادهم تتناسب بالحدود المعقولة مع إمكاناتهم ويسعون جاهدين لخلق بيئة تتناسب لحد ما مع توجهات أبنائهم وطموحاتهم إلا أنهم يفاجؤون بابن أو ابنة تعساء لا يعجبهم أيّ من الخيارات المتاحة حولهم ويرسمون بالمقابل أحلاماً وردية لحياة قد لا يستطيعون مطلقاً الحصول عليها. فتجد على سبيل المثال شاباً على أبواب التخرج قد أثقل بكم هائل من الأحلام الوردية يحلم بالتجول بباصه الذي سيحوله إلى منزل متجول لينتقل به حول العالم معتبراً أن حلماً بهذا التعقيد هو قمة التعبير عن البساطة والحرية!

 

فتراه يمضي الساعات الطوال في الكافيهات يستمع لأغانٍ حزينة يائسة بدلاً من الانتفاض والبحث عن عمل يعيل به نفسه وأسرته ويعوض أهله جزءاً من طويل تعبهم في تربيته وتنشئته. وتجد الفتاة ترفض الانخراط في المجتمع المحيط بها وأحلامها معلقة بشاب مفتول العضلات يحملها كل ليلة إلى السرير ويقدم لها يومياً الورود والهدايا ظانه أن هذه الأحلام المأخوذة من الأفلام ماهي إلا حقها الطبيعي وأن أياَ من الخيارات المتاحة حولها هم حتماً أناس مملون لا يعرفون شيئاً عن الرومانسية المنتشرة في صفحات الانترنت وفي الأفلام والمسلسلات.


قد يكون العمل البسيط الذي استطعت تحصيله فور تخرجك هو أفضل ما يمكنك حقيقة الحصول عليه في الوقت الراهن. وقد يكون بحثك عن التميز في المكان الخاطئ هو كبحث السمكة عن الماء فوق سطح الأرض. فليست كل أحلامنا نابعة من الداخل بل لنقل أن أغلب أحلامنا التي نظن أننا أبدعناها ورسمناها ما هي إلا أحلام فرضت علينا بألوان معينة وسيناريوهات مكتوبة سابقاً وقدمت لنا بطرق غير مباشرة لتحيط بنا وتمنعنا من رؤية السعادة الحقيقية التي قد تكمن في أبسط تفاصيل حياتنا وأكثرها روتينية!

من الواجب علينا تنمية مواهبنا المودوعة فينا والبحث عنها وتطويرها ولكن يجب ألا نتوقف عن السعي في حال ظننا أننا تفتقر للموهبة

مواقع التواصل
 

فإيقاظ والدتك صباحاً بصوتها المتململ من كسلك الصباحي أجمل بكثير من استيقاظك وحيداً في أرض غريبة مجبور على الانصياع لمن لا يرون فيك إلا وسيلة لربح الأموال وآخر همهم هما صحتك ووقتك. بل إنهم يعتقدون أنهم يستطيعون شراء وقتك وجهدك وحتى راحتك برواتبهم التي يقدمونها لك. وقد تكون حياتك البسيطة وعملك الذي يؤمن قوت يومك ويسمح لك بذات الوقت قضاء بقية نهارك مع أطفالك أو اهلك وأصدقائك أو القيام بأنشطة بسيطة مع أقرانك أجمل بألف مرة من الركض يومياً خلف المدراء لكسب رضاهم على حساب رضاك بينما وقتك يتسرب من بين يديك دون أن تدري.

قد تكون منطقة الراحة هي منطقة قوة وثقة ورضى. وقد تكون كل الأهداف التي تركض طيلة حياتك خلفها ماهي إلا ما تركته وراءك لتبحث عنها! فنحن نلهث وراء الحصول على الرضى والسعادة اللتين قد تكونان موجودتان أصلاً ضمن منطقة راحتنا. النجاح الذي يمليه علينا الناجحون خارجياً قد يكون قمة الفشل. في حين أن الفشل بنظرهم قد يكون عين النجاح. وقد يكون سعيك للتميز هو سبب تعاستك بينما قد يكون عدم سعيك وراء التميز هو في حد ذاته قمة التميز في وقت أصبح فيه التميز هدفاً وليس وسيلة. فإن إبداعك في مكانك أو قدرتك على تقديم علم جديد أو معرفة جديدة سيجعلك مميزاً حتى دون سعيك وراء هذا المسمى.


أثناء تواجدي في خارج البلاد العربية اطلعت على نوع من السعادة لم أسمع به قبلاً في أي من معتقداتنا. ألا وهي سعادة المساهمة في تقديم العمل. فليس من الغريب أن تجد موظفاً بسيطاً ذو مهام روتينية يشعر بالسعادة بإنجازه لمهمته التي قد يستطيع أي أحد غيره إنجازها لمجرد إدراكه أنه يساهم جنباً إلى جنب مع بقية زملائه بتقديم خدمة للغير من خلال العمل المنجز. سعادة أن تكون مسماراً في العجلة الدائرة هي سعادة لن يقولها لك أي شخص يتباهى بسعادته الظاهرية. فهي سعادة بسيطة قد تفتقر للأحلام الكبيرة ولكنها تحمل معان عميقة ورائعة. 

إنه من الواجب علينا تنمية مواهبنا المودوعة فينا والبحث عنها وتطويرها ولكن يجب ألا نتوقف عن السعي في حال ظننا أننا تفتقر للموهبة. ولكن قد يفتح لك رضاك بواقعك وخياراتك المتاحة أبوباً لن تفتح بانتظارك لها أن تفتح. وفي الختام، فلنعلم جميعاً أن الأشخاص السعيدون حقاً لن يضيعوا وقتهم بفرض قوانين السعادة هنا وهناك وانتقاد أساليب حياة الغير. فهم منشغلون بسعادتهم الخاصة ومتمنيين للجميع السعادة والرضى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة