مجد الاسماعيل
مجد الاسماعيل
152

المظاهرات السورية.. هل تشتعل روح الثورة من جديد؟

18/9/2018

يتشابه على الإنسان ظروفٌ وأحوالٌ وتجارب عديدة حصلت معه في الأمس وأعادت نفسها اليوم، كذلك السوريين قامت مظاهراتهم في الأمس وأعادت نفسها اليوم. لكن لكل يوم ولادة، ولكل ساعة دقائق من النضج، ولكل ظرف تجربة، فبعد أن حصل السوريين على هذه الولادة الجديدة، والنضج الكبير، والتجربة العميقة، لابد لها أن تحدث تغيرًا على أرض الواقع، فانتفض السوريين للشارع من سبات السنيين الماضية، ليوضحوا كلمتهم ومطالبهم للعالم بأسره، مستمرين في قضيتهم، ثابتين على مبدئهم اتجاه ثورتهم.

هذه المظاهرات التي عادت من جديد، أعادتني إلى سنة ٢٠١١ عندما كنا نخرج بالمظاهرات، وكأنها أعادتني إلى ساعة الولادة الأولى. كيف كنا نجهز اللفتات والأعلام منذ الصباح، ونهيَّ الساحات الكبيرة من أجل أن تسع جموع المتظاهرين الذين يوفدون إلى المظاهرة من كل صوب ومكان، فترتفع الأصوات هاتفةً شعاراتٍ ومطالب كثيرة، وأول هذه المطالب وأجلها (إسقاط الأسد) وما أشبه الأمس باليوم. المظاهرات التي عادت من جديد لم تكن كسابقاتها من المظاهرات، لأن مظاهرات اليوم يجتمع فيها كل أطياف السوريين من جميع المدن والمناطق التي هجرت قسرًا من منازلهم وأرضهم. فمظاهرات اليوم يجتمع فيها (الدمشقي، والديري، والحمصي، والحموي، والإدلبي) فيجتمعون جميعًا في قرى وأرياف إدلب، فلا يجدون حلًا للعودة إلى منازلهم، وتحرير أرضهم التي سلبها النظام منهم، إلا بالخروج إلى ساحات الحرية منددين بإجرام النظام وأعوانه وسفكهم للدماء السورية، فتتعالى صيحاتهم بهتافات الحرية والاستقلال، ليعلنوا للعالم أن الشعب السوري جسد واحد كالبنيان المرصوص.

مظاهرات اليوم يختلط فيها الزيتون الإدلبي بالعنب الدمشقي، مظاهرات اليوم تقوم على قوة العزيمة والصبر على الشدائد أكثر من الأمس، ففيها مطالب أقوى وشعارات أوضح من الأمس.

عودة المظاهرات من جديد كان لعدة أسباب، من أهم هذه الأسباب: يقظة الشعب لأهمية المظاهرات ودورها الكبير، ومنها إشاعة النظام أنه سيقوم بالهجوم على إدلب آخر معقل للإرهاب حسب زعمه. وكذلك موقف ديمستورا الذي يؤيد النظام وروسيا بالهجوم على إدلب. والسبب الأهم في انتفاضة الشارع: أن أهالي إدلب طلبوا من النظام وحلفائه الدخول إلى إدلب وتطهيرهم من الإرهاب حسب زعمهم.

وبهذه الأراجيف والحجج الباطلة التي يدعيها النظام، توجيه رسمي لأهالي إدلب وضيوفهم من باقي المناطق السورية على أنهم هم الإرهابيين، فانتفض الشارع رافضًا لهذه الإشاعات الكاذبة. انتفض الناس جميعًا رجال ونساء، كبار وصغار، وما أشبه تلك الانتفاضة بالأمس، ليعلنوا للعالم أن الشعب السوري ليس إرهابي، ليعلنوا لهم أن الشعب في سوريا قد عانى الويلات من النظام وأعوانه، ليعلنوا لهم أنهم لن يتخلوا عن ثورتهم مهما تكالبت عليهم الأمم. انتفضوا موجهين رسائلهم إلى كل من يريد مساعدتهم في هذه الثورة، موجهين رسائلهم إلى المجاهدين على الثغور، أن الشعب معكم ومؤيدكم في كل عمل يضعف النظام وأعوانه، موجهًا رسالة إلى النظام المجرم يقول له فيها: خسئت أن تقترب من أرضنا فنحن ماضون في ثورتنا حتى نحرر أرضنا التي سلبتها منا بغيًا.. والله مولانا ولا مولى لكم.

وبهذه الانتفاضة الجديدة، وبهذه الشعارات والمطالب العظيمة، يعاد للثورة روحها الذي انتزع منها منذ زمن، وبقي جسد خالي بلا روح، فما فائدة الجسد بلا روح؟ يعاد يوم الجمعة من جديد - يوم الشعب - بكل كلمة وحركة وقيمة، كل ما في هذه اليوم ملك للشعب ولا كلمة فيه للتيارات المتنازعة، ولا للدول المتناحرة. لا كلمة فيه للذين يريدون إخماد لهيب الثورة وبريقها المضيء، فالشعب مستمر في انتفاضته لا خوف ولا تردد بكل عزيمة وإيمان، لسانه يردد دائمًا: لا فناء لثائر. ما أشبه اليوم بالأمس، حيث تتشابه مظاهرات ٢٠١٨ ومظاهرات ٢٠١١ من الناحية النظرية للمظاهرات. أما من الناحية العملية مختلفة تمامًا، فمظاهرات اليوم تقوم بقلوب أصدق من الأمس، مظاهرات اليوم تشد من عضد الأخوة أكثر من الأمس، مظاهرات اليوم يختلط فيها الزيتون الإدلبي بالعنب الدمشقي، مظاهرات اليوم تقوم على قوة العزيمة والصبر على الشدائد أكثر من الأمس، ففيها مطالب أقوى وشعارات أوضح من الأمس، يتشابه اليوم بالأمس، لكن في كل يوم للإنسان ولادة جديدة، ويقظة كبيرة، ومظاهراتنا اليوم ولدت من جديد، واستيقظت من غفلة السنيين.


وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ

يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمــراءِ بابٌ

بِكُلِّ يَدٍ مُضَــــرَّجَةٍ يُدَقُّ

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة