أنس السبطي
أنس السبطي
271

إقحام العامية في التدريس.. هكذا تغتال اللغة العربية بالمغرب!

20/9/2018

لم يكن الكتاب المدرسي الخاص بمادة اللغة العربية لإحدى المستويات الابتدائية المقرر تدريسه في السنة الدراسية المقبلة بالمدارس المغربية اجتهاداً معزولاً من مؤلفه وممن مرره من دواليب الوزارة إلى أيدي المتعلمين، فاللغة المبتذلة التي صيغ بها وركاكة الأساليب المعتمدة فيه والتي زادها إقحام عدد من المفردات العامية رداءة. كل هذا ينسجم مع التصورات المراهقة التي طفت مؤخراً للمطالبة بإحلال العامية بدلاً عن اللغة العربية الفصحى، والتي ظننا أنها ستظل حكراً على التداول الإعلامي، لنكتشف أنها تحظى بنفوذ أقوى مما كنا نتصوره وأن إثارتها فيما مضى لم يكن بغرض الاستهلاك وشغل الرأي العام بقدر ما هي إجراءات حقيقية تهيأ من أجل التنفيذ.

اللافت للانتباه أن هذا التوجه بات توجهاً سيادياً من أعلى هرم السلطة، الذي أقحم عدداً من الشخصيات الدخيلة في المجال التربوي والتي أصبحت لها اليد الأطول في المنظومة التعليمية، ففوق أنها فاقدة لشرعية تمثيل المغاربة هي قاصرة معرفياً وأكاديمياً ولأنها كذلك فهي غير قادرة على مصارحة المغاربة بما تنوي فعله وعاجزة عن تنزيل تصوراتها بشكل صريح على أرض الواقع. لذلك تلجأ للتحايل عبر إقحام سخافاتها من داخل مادة اللغة العربية بغية تشويهها من الداخل بعد التأكد من صعوبة إلغائها وحذفها من المنهاج الدراسي المغربي في الظرف الراهن. الخطورة هنا تكمن في إقحام العامية في التدريس الذي يربك المجتمع المغربي ويؤثر في لحمته، فلكل منطقة لهجتها ومن الطبيعي ألا يقبل أحد بفرض التعلم على أبنائه بلهجة لا تمثل جغرافيته، والأمر سيتعمم تلقائياً ليشمل كل مناطق المغرب حتى الناطقة منها بالأمازيغية. ساعتها ستتحول حصة اللغة العربية إلى حصة للهجات، مما سيفقد المادة الإجماع المجتمعي، وهو ما يعني مباشرة أن نرتمي نحو الفراغ الذي تنتظر ملأه الفرنكوفونية بفارغ الصبر لنلتحق بشكل رسمي بعدد من الشعوب الإفريقية التي عجزت عن الحفاظ على هويتها وخصوصيتها واستسلمت كلياً لثقافة المستعمر المتغلب.

مؤسف أن نظل بعد ما يقارب ستة عقود من (الاستقلال) أسرى لماض استعماري بائس ورهائن لإرادته، لدرجة نسمح له فيها بالعبث بمستقبل أبنائنا الذين يراد لهم أن يتحولوا إلى كائنات لا تستطيع تعريف نفسها.

هذا باختصار الهدف الحقيقي الذي يسعى البعض لجعله يتحقق في النهاية، وليست دعوة العامية وحدها من تصب في هذا الاتجاه، فموازاة مع ذلك هناك إجراءات سارية المفعول وأخرى على رفوف الانتظار تتكامل فيما بينها لخدمة ذات الهدف، وهو إزاحة اللغة العربية من المشهد التعليمي في البلاد. لعل أبرزها الشروع في العودة إلى فرنسة المواد العلمية بمختلف أسلاك التعليم التي أضحى تعميم مسألة وقت لا غير. ما يجري اليوم تصحيح لوضع مختل لكن في الاتجاه المعاكس، فبدل القطع مع الازدواجية اللغوية باتجاه المصالحة مع الذات، اختار النظام ترجيح كفة الميزان الأخرى لصالح اللغة الفرنسية التي بدأت تستعيد المساحة التي تركتها للعربية بعد الاستقلال.

نحن أمام تغيير قسري لا يستند لأية أسس منطقية سوى أنه استجابة لإملاءات الخارج وتعبير صارخ عن تبعية المغرب لمستعمره الفرنسي، فكلما أحست فرنسا بالوهن والعجز عن مسايرة ركب الدول العظمى، كلما ازدادت شراستها وكثرت اشتراطاتها لمستعمراتها السابقة. مشكلة الفرنكوفونية لا تقتصر فقط في ضرب هوية البلد والسعي لإحداث قطيعة مع تاريخه، فهي كذلك تمثل حاجزاً يحول بينه وبين أي انفتاح حقيقي على العالم وعلومه وثقافاته، الذي أصبح يتجاوز نظرة الفرنكوفونية الأحادية له، خصوصاً في ظل تراجع اللغة الفرنسية الكبير لصالح لغات أكثر حيوية وتأثيراً منها. فما من مبرر للإصرار على استخدامها، مع إمكانية التلقي المباشر من تلك اللغات دون خلفية ثقافية كالتي يفرضها وباء الفرنكوفونية.

مؤسف أن نظل بعد ما يقارب ستة عقود من (الاستقلال) أسرى لماض استعماري بائس ورهائن لإرادته، لدرجة نسمح له فيها بالعبث بمستقبل أبنائنا الذين يراد لهم أن يتحولوا إلى كائنات لا تستطيع تعريف نفسها. وذلك من أجل أن تبقى عاجزة عن مقاومة نفوذه في البلاد وكي تترسخ عقدة المستعمر أكثر فأكثر، لتطال عموم المجتمع المغربي وليس فقط تلك النخبة المغربة المعزولة شعبياً التي تسيطر على جل مفاصل الدولة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة