زياد آدم
زياد آدم
1.5 k

كيف نطور من طرائق تدريس اللغة العربية؟

22/9/2018

تحدثت في جميع مدوناتي السابقة عن وضع اللغة العربية في مجالات مختلفة وسبل دعمها وتطويرها. وسأذكر في هذه المقالة أهمية تدريسها وأفكار جديدة لتحسين الطرق المستخدمة في ذلك، كما سأستكمل حديثي عن إمكانياتها وأهميتها العالمية - حاضراً ومستقبلاً - في المقالة القادمة.

تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها:

قبل أن أبدأ بالتحدث عن كيفية تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، لا بد أن أَذكر أولاً مدى الاقبال المتزايد على تعلمها في شتى أرجاء العالم، وسأبدأ باختصار من فنلندا، بسبب ملاحظتي للارتفاع المطرد في رغبة تعلمها من قبل الفنلنديين. وهذا كان في الحقيقة أحد الأسباب التي دفعت المدارس والثانويات الفنلندية هذا العام إلى إدراجها تحت قائمة اللغات التي يمكن تقديمها في الفحوصات الفنلندية. كما افتُتحت أيضاً بعض الصفوف لتعليمها في بعض المدارس، رغم قلة المعلمين المختصين. أما في السويد فأصبحت لغة الضاد اللغة الأم الأكثر تحدثاً بسبب ارتفاع نسبة اللاجئين العرب بشكل ملحوظ، وتزايد الاقبال على تعلمها من قبل السويديين. وفي العديد من الدول الأوروبية الأخرى، صارت اللغة العربية تدرس على نحو أوسع في المدارس والجامعات، ولكنها للأسف لا تزال محدودة. وغنيٌ عن ذِكر تركيا وماليزيا واندونيسيا، اذ أننا نجد اهتمام خاص وواضح باللغة العربية.

أما المفاجأة الأخرى فهي في كوريا الجنوبية، فحسب الإحصائيات، كل 7 طلاب من أصل 10 يختارون لغة الضاد في امتحانات Suneung الكورية. ولا ننسى أفريقيا أيضاً، فبعض الدول الأفريقية (مثل غامبيا) تحاول ترسيم اللغة العربية بدلاً من الإنجليزية. وفي السنغال والتشاد وإيريتريا، وإثويبيا التي طلبت مؤخراً مساعدة من بعض الدول العربية لدعم تدريس اللغة العربية وإنشاء بعض المراكز المتخصصة في ذلك. ولكن كالعادة وللأسف لا يوجد اهتمام كافٍ من الطرف الآخر لدعم تلك الجهود على الرغم من وجود العديد من الفرص والإمكانيات. فلو قامت البلاد العربية بما قامت ولا تزال تقوم به فرنسا مثلاً، لكانت مراكز تدريس اللغة العربية الآن قد تجاوزت اللغة الفرنسية وغيرها من اللغات القوية. ففرنسا تنفق سنوياً مبالغ طائلة من أجل نشر لغتها لمقاومة هيمنة اللغة الانجليزية - على سبيل المثال لا الحصر - عن طريق افتتاح دورات مجانية لتعلم الفرنسية ومحاولاتها في أفريقيا لنشر خلافات حول اللغة العربية ولإعاقة مبادرات التعريب هو نتيجة فهمها لقوة العربية وما يحمله ذلك من خطر يُقلص من هيمنتها.

والآن دعونا نلقي نظرة على بعض الطرق الناجحة في تعليم اللغات وكيفية تطبيقها على العربية:

أولاً، يجب الاحتذاء ببعض الطرق التي تُدرس بها اللغة الإنجليزية. فلا غنى عن تأليف سلسلة كتب شاملة بالعربية الفصحى شبيهة بكتب التوفل (TOEFL) أو الأيلتس (IELTS). كما يجب العمل أيضاً على إنشاء فحوصات تحديد المستوى، وهذا يحتم على الأقل تعاون بعض المؤسسات والجامعات العربية لإنتاج مصادر وكتب ترقى للمستوى المرجو.

لا شك بأن هناك تفاوت كبير في نسبة إتقان اللغة العربية بين أبناء الشعب العربي، فالأمية، والفقر، والحروب المتتالية تسببت بتدهور قدرة متحدثيها على الكتابة أو التكلم بها.

ثانياً، لا بد من إثراء مصادر تدريس اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية. فمثلاً، إضافة اللغة العربية إلى البرامج المتخصصة في تعليم اللغات (دولنجو وبابل وغيرها..) يعتبر خطوة في منتهى الأهمية، حيث أنه ينال شعبية وشهرة واسعة. ولذلك فمن الواجب أن يكون هناك دور مهم لمدرسي العربية وجميع الناطقين بها في تسهيل امكانية تعلمها عبر الانترنت. كما أنه يترتب على القنوات الناطقة بالعربية إنشاء مواقع لتعليمها شبيهة بالموقع الرائع الذي أطلقته قناة الجزيرة لتعلم العربية، مع الاهتمام أكثر بتدريبات الاستماع والتحدث التي تناسب المستويات المتباينة للمتعلمين. يمكن أيضاً نشر فيديوهات ومقالات ترفيهية لتعليميها بطريقة سلسة وتوضيح الأخطاء الشائعة عن طريق محادثات مفيدة وما إلى ذلك. من المهم أيضاً تحسين القواميس العربية وجعلها أكثر دقة في شرح المعنى عن طريق استخدام الكلمة في عدة أمثلة وإعطاء مرادفات دقيقة لكل منها. بالإضافة إلى النطق الصحيح والتي تفتقره معظم القواميس العربية مثل قاموس المعاني وترجمة غوغل.

ثالثاً، يجب الاستفادة أيضاً من الأفلام الوثائقية أو حتى بعض أفلام الكرتون المدبلجة بالفصحى وغيرها لتحسين المهارات السماعية واللفظية لدى الطلاب.

رابعاً، تأهيل أو توفير مدرسين متمكنين للمساعدة في تدريسها في الخارج وفي المدارس الأجنبية بطريقة راقية (أو عبر الإنترنت مثلاً) وتوسيع المراكز المتخصصة في ذلك.

تدريس اللغة العربية للناطقين بها:
 

لا شك بأن هناك تفاوت كبير في نسبة إتقان اللغة العربية بين أبناء الشعب العربي، فالأمية، والفقر، والحروب المتتالية تسببت بتدهور قدرة متحدثيها على الكتابة أو التكلم بها. فضلاً عن اللهجات المحلية أو اللغات الأجنبية التي هيمنت بشكل ملحوظ في العديد من البلاد العربية. فأصبحت اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أهم من اللغة العربية للحصول على فرص عمل أو حتى لدراسة الفروع العلمية في معظم الجامعات العربية. إضافة إلى ذلك كله، الطريقة التقليدية المعتادة في تدريس مادة اللغة العربية في المدارس أدت إلى انتشار ظاهرة الكره أو الملل من مادة اللغة العربية وربطها بالتعقيد والأدب والدين فقط وفصلها عن كل ما له علاقة بالأمور العلمية والتكنولوجية الحديثة.

يجب الاهتمام أكثر بكتابة المواضيع الانشائية وزيادة النقاش والتحاور بين الطلاب والمدرس حول رواية أو مقالة محددة وما إلى ذلك.

الجزيرة


ولذلك، بعيداً عن الحلول السياسية، يجب على المدرسين والمسؤولين عن النظام التعليمي تحديث مناهج مادة اللغة العربية لكي تتماشى مع تطورات هذا العصر واستبدال الطرق التقليدية بطرق فعالة. فعلى سبيل المثال لا داعي للتركيز على حفظ قواعد النحو والإعراب بشكل معقد ولكن يجب تبسيط الفكرة وتدريسها بطريقة أكثر سلاسة وتسلية للطلاب، عن طريق الاستعانة بوسائل التكنولوجيا. كما يجب الاعتماد أكثر على تطوير المهارات السماعية والكتابية وتشجيع الطلاب على الكتابة. فيمكن مثلاً أن يُطلب من طلاب الإعدادية والثانوية قراءة بعض الروايات بالعربية ومن ثم كتابة ملخص أو تحليل للرواية وشخصياتها الرئيسية. وهذا يعني الاهتمام أكثر بكتابة المواضيع الانشائية وزيادة النقاش والتحاور بين الطلاب والمدرس حول رواية أو مقالة محددة وما إلى ذلك. فتعويد الطلاب على القراءة والكتابة والمناقشة والتحليل بلغتهم يعتبر أحد أكثر الطرق فعاليةً في تعليم اللغة الأم في المدارس العالمية. ولابد من تعزيز قدرة الطلاب على التحدث بالفصحى بشكل واضح وسليم عن طريق التمرينات الشفوية، مثل القيام بتقديم عروض والتحدث أمام المدرس والطلاب وما شابه ذلك.

يجب أيضاً على المدارس تعويد الأطفال على قراءة قصص قصيرة بالفصحى والاهتمام بمهاراتهم السماعية عن طريق توفير جميع أفلام الكرتون وغيرها بلغة فصحى سليمة.  طبعاً العديد من الطرق التي ذكرتها للناطقين بغير العربية يمكن تطبيقها للناطقين بها أيضاً، مثل إثراء المحتوى العربي في جميع المجلات، وأهمها ما يخص الكتابة والتحدث باللغة العربية الفصحى. فمثلاً، يجب نشر دروس مخصصة لتطوير المهارات الكتابية والسماعية للناطقين بالعربية. على سبيل المثال عن طريق شرح كيفية استخدام عبارات أو مفردات قوية في المواضيع الإنشائية.  يتوجب أيضاً دعم مناهج تدريس اللغة العربية للناطقين بها في البلاد الأجنبية. فمثلاً، مادة اللغة العربية لا يمكن تقديمها في فحص SAT subject الأمريكي، في حين أنه من الممكن اختيار 10 لغات من بينها اللغة "العبرية". ولذلك فإن من اللازم أن تتوفر اللغة العربية ومصادر موثوقة لتديسها في الامتحانات العالمية مثل، IB، SAT وغيرها، وفي الامتحانات المحلية (مثل فحوصات اللغة العربية في ألمانيا..) لكي تتاح فرصة للطلاب العرب الذين يقطنون خارج البلاد العربية إمكانية دراستها وإتقانها. هذا ولا بد أن تكون لغة الضاد لغة رسمية قلباً وقالباً في العمل والدراسة الجامعية، اذ أن التمجيد الزائد للإنجليزية والفرنسية ينعكس بالطبع سلباً على رغبة الطلاب في تحسين وممارسة لغتهم حيث أنهم قد يجدونها أقل أهمية من اللغات الأخرى، خاصةً في ظل موجة اللجوء إلى أوروبا التي أجبرت العديد على تعلم لغة البلد وهذا هو عكس ما يُطلب في معظم البلاد العربية.

نهايةً، كل هذا ما هو إلا مجرد غيضٌ من فيض، إذ أن أكبر المشاكل التي تساور اللغة العربية هي سياسية، فكما ذكرت سابقاً عدم جعل اللغة العربية أحد متطلبات العمل وتفضيل اللغات الأجنبية عليها، وتخصيصها فقط لدراسة المواد الأدبية والدينية بعيداً عن العلوم الطبيعية والتكنولوجية الحديثة يمثل كارثة حقيقية أمام مستقبل انتشاره العربية وتطورها. فضلاً عما يعيشه الوطن العربي من حروب وفقر وأمية وكوارث بشرية، ولست هنا بصدد التحدث عن المشاكل السياسية والحكومية التي تعيق تقدم اللغة العربية، ولكن يجب ألا ننسى أيضاً أنها لغة قوية وصامدة حتى في ظل هذه الأوضاع العصيبة ولا تزال تلقى اهتماماً واسعاً في شتى الارجاء. ولذلك يجب ألا نضيع فرصة تدريسها بطريقة راقية تليق بها وبأهميتها العالمية ومكانتها الوطنية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة