مروى عبد الرزاق
مروى عبد الرزاق
547

رسالة إلى ابني.. وابنك!

28/9/2018

أيْ بُني، لقد كان البحثُ عن سر الحياة كالبحثِ عن السّراب الذي تراه ولا تقدر أن تُمسكَ بهِ. كأنّما تبحثُ عن إجابةٍ شافية وكافية لتنتصر على شغفك حولَ فهم سر وجودنا فيها. إنّها مُعادلة صعبة الحل يكمن في أن يُمعن المرءُ في تفاصيلها المُبعثرة، فالحياة ليست سوى متاهة تُبعثر خطواتك هُنا وهناك، في حين أن الإجابة عن معنى الحياة؟ هو فقط (الخوض والتعلم). لقد جاءت بنَا الدنيا يا بُني غزيرة صاخبة في كمّها، عميقة في فكرها، فريدة في نسقها. تختارُنا ولا تُخيرنا بل تعبثُ بنا ونحن نبقى في بحثٍ دائمٍ عنها ثم ندخُل معها في لعبة الموت والبقاء للأقوى لا للضعيف ولا يتجاوزُها إلا ذاك الإنسان الصامد الذي عاند من أجل بلوغ أهدافه.

سيأتي يوم من أيام الزمان يا بُني تفقد فيه لذة المكان الذي ترعرعت فيه، وتهجر أفكارك الأولى التي خُلقت معك، ومع ذاك الهجران سيزداد انفصامك الذهني. وهذا الانفصام يفصلك عن آدميتك لتتشكل أمامك حياة ذات نهج جديد. نهجاً مغايراً تماماً عما كونته في فكرك ذات لحظة. فلو سألت الحياة عن ماهيتها لدفعتك إلى التجربة لفهمها، ورغم ذلك تتبدل لا تبقى ثابتة. اسأل عجوزاً عنها سيقول لك أن الحياة حكمة وذكاء، في حين لو سألت شاب يافع لقال لك أنها الجنون والمغامرة. اسأل سجيناً سيخبرك أنها الحرية، وفي نظر الفيلسوف الحياة هي التفلسف والتدرب على الموت، ولكن الفقير يراها حياة ظالمة تأكل الضعيف وتعطي للقوي. يتبدل معنى الحياة من شخص لآخر ولكلٍ منا نظرته حولها. أعلم أنك ستدفع ثمن بحثك عنها ولكن تشبث بالحرية فإنها لك ولا تطلبها فهي لا تُطلب أبداً، ثم إن الحياة تنقسم في حد ذاتها بين المعقول واللامعقول، والمفردتين لا تتجاوز الأخرى فهُم في نفس الميزان ولهم نفس القدر فعش بينهم. وسط عناقنا للظلام الذي يتجاوزه النور ليبعث فينا الأمل لنستيقض على أحلامنا التي تُصارع معنا مخاض الليل الحالك، قد تقسوا علينا الحياة لكن نستطيع أن نحاربها بالصبر، صحيح أن الصبر في حد ذاته نسبي، فالإنسان الصبور نادر، ذاك الذي يتمتع بالحلم. رغم ذلك اصبر وصابر ولا تيأس، ستقف الحياة فوق أمالك الواسعة فكن لها نداً ومشبعاً بالأماني والشغف، واحذر الشغف نفسه فقد يسوق المرء إلى أرذل الأشياء ويُنسيك طموحك الصحيح ويأخذك إلى طريق أخر غير الذي رسمته، فعش بقدر.

ستكون الحياة يا بُني حاضرة بقوة في تفاصيلك، وإياك أن تتوسل بقاءك فيها بل تغذى منها قبل أن تتغذى منك. كن مثل الظلام الذي يُرينا أنوار السماء وذاك النهار الذي يغمرنا لننسى طول الليل القاسي، فليس الظلام دوماً رمز الخوف والعدم بل له رمزية أخرى فهو يرينا جمال الكون. كن لنفسك ذاك الجمال الذي يأخذ البصائر نحو هيبة اللانهاية واللامعقول في عالم المقياس والكمية، عالم يعج بالغل والقبح. اجمع بين صمتك وكلامك وبين الضعف والقوة، فستأتي عليك أيام تجتمع بك أُناس الأجنحة المكسورة فضمد جراحهم ولا تبخل. فالضعف يا طفلي يبدأ منك ثم ينتهي لغيرك، والقوة تبدأ من لحظات الضعف وكيفية التعامل معها، سيحين الوقت الذي تأخذ عبارة الحياة كمفردة في صيغة جمع وتكون الجواب لكل سؤال قدمته لنفسك، وربما تلك الأسئلة ستنقلب ضدك. فالحياة كالرضيع تأتي تبكي وتنتهي بنا كذلك، ورغم ذلك وسطها حلوٌ لذيذ إن أكثرت منه انقلب ضدك سم، مهمى تداولت عنك المآسي لا تخرج عن النص واعلم أنه من زغب الذُرى تولد الشمبانيا، وأن الابتسامة إهانة للحياة وإهانة للنص القاسي. نحن من جعلنا الحياة مسرحية دخلنها متفرجين ومشاركين في التمثيل وعشنا المحاكاة فقط.

قد يدفعك الشغف إلى تتبع كينونتك، التي بدورها قد تدفعك أن تنحصر في دائرة مغلقة، لذلك لا تنجر وراءها بل افعل الشغف كأداة تقودك نحو الأفضل وحب فعل الشيء الذي تريده دون قلق أو روتين.

أي بُني، رغبتك في الحياة ستكون كبيرة وخوفك من الموت سيكون نسبي، وقد يحد ذلك من كينونتك ولن تستقر نفسك إلا إذا عملت في الدنيا وأنت مدرك أن النهاية قبر. فكلما أردت الابتعاد عن الحقيقة وفعل الصواب، زاد شرك من الداخل وزاد مع الشر التكبر ولن تكون وقتها إلا طاغية مستبد وما أبشع ذلك. لا تخفض سقف توقعاتك وروض الفلسفة التي ستكون فيك بالعلم والمعرفة والعمل الجاد.  خُذ دوماً النصح من الكبير الذي له تجربة أكثر منك وتعلم من الصغير البراءة، ولا تنسى أن تعش الحياة بحلوها ومرها ولا تتكبر على الدنيا وما فيها. عاندها ولا تبرح حتى تبلغ مقصدك من الدنيا. حارب رموزك التي شكلتها، واحذر أن تشكلك الرموز وفق التبعية بدون إعمال العقل فلن تخرج كبشري إذا شكلتك شيفرة لأنك ستكون آلة. كن صاحب قلب طيب مهمى خذلك الناس. وأسلك طريق المعرفة فهو طريق النور وأعلم أنه طريق شائك، ستخطأ وتصيب، ستنجح وتفشل لكن لا تستسلم بل حاول من جديد. اعلم أن الله في كل مكان ينظر لنا ولكن إياك أن تخاف الله لمجرد الخوف، بل ابحث عنه في الخطأ والصواب لتدركه جيداً وإذا أدركته لن تشك أبداً. عش لله قبل العيش لنفسك وحارب الدنيا والظلم من أجل الضعيف الذي لاحول له ولا قوة. لا تتعصب لرأيك فالرأي غير ثابت ومع الزمن ستدرك هذا وإن كنت مختلفاً بل كن كذلك ثق جيداً أنك ستتعرض للنقد اللاذع، لكن اصبر ولا تتبع القطيع. قل كلمة الحق ولا تقدس أحد مهمى كانت مكانته وعامل الناس جميعاً بعقله لا بمكانته وأعلم أيضاً أن التاريخ مغلوط وليس كله صحيح.

حافظ على استقلاليتك ودينك لا تزعزعه ولا تنجر وراء أي فكر، فلكل فكر نقيضه حتى الصواب فيه جانب غير صائب في حد ذاته وقابل للنقاش. إترك لنفسك بصمة لا تشبه أحد، ثم لا تتبع قاعدة (خَالف تُعرف) فهي سرعان ما تزول ولا تحمل معناها الدقيق. تذكر أنك يجب أن تعيش من أجل الحقيقة والكرامة من أجل تلك الحرية. أيْ بُني، عبر عن ذاتك بلطف ودع نفسك تُعبر عنك وعش بالحب وفي الحب. فالحب منبع السلام وبه تنتهي الحرب وإن الكُره قاتل يشوهنا من الداخل ويتعب أرواحنا ولا تسمح للقبح أن يتمرد عليك بل تمرد عليه. استعمال العقل فهو ميزتنا وهو العنصر البشري الأفضل لبقائك موجود كبشري، يمكن لذاتك أن تسلك طريق الهو وأن تسلك الموضوعية طريق الأنا. ولكي تبتعد عن المفارقة التعبيرية، افصل بينهم وجرد الوحدات الذاتية من التقوقع والخضوع لأيٍ منهم. فالحال أن هذين النوعين (الهو.. الأنا) لا يكونان دائماً في مصاف واحد.

إن الناس يا طفلي إجمالاً ليسوا سواسية وفي اعتراض لا للتقابل، فلا تجد لهم وصفاً مُحكماً ومبنياً على أسس صحيحة ولابأس بذلك. قد يدفعك الشغف إلى تتبع كينونتك، التي بدورها قد تدفعك أن تنحصر في دائرة مغلقة، لذلك لا تنجر وراءها بل افعل الشغف كأداة تقودك نحو الأفضل وحب فعل الشيء الذي تريده دون قلق أو روتين. الوقت كدر، والأمر عكر والحال قذر والقول مكرر والفعل منكر والبناء مهور والوجه وقح والغفلة غالبة والأحداث سالبة.. هكذا هي الدنيا التي عبر عنها (التوحيدي) يوماً. فلا تكن مثل الذي تُنسيه الملذات والشهرة طريقهم أو كالذين يلهفون على الدنيا فتتركهم في الدرك الأسفل. ولا تُسارع إلى ذم أحد حتى تقف على عذرِ من أمامك وتعرف حقيقة أمره.  أيْ بُني، لو جلستُ أتحدث طوال الوقت عن الدنيا لن أنتهي، ولكن ها أنا أكتب لك أسطر قليلة قد تراها حين تأتي مهمة أو قد تراها غير لازمة وأنت الآن لم تخلق بعد ولذلك الوقت البعيد القريب، كن بخير.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة