الشعوب العربية.. بين استبداد الواقع وحرية المواقع الافتراضية!

3/9/2018

ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في خلق وعي داخل مجتمعاتنا العربية، وبفضل ذلك صارت شعوبنا تعرف محيطها بشكل جيد، محاربةً بذلك التعتيم التي تفرضه الجهات الرسمية بدول المنطقة عن القضايا الأساسية، والتي تهُم بشكل عام حياة المواطنين، وهو ما أدى بشكل أو آخر إلى بروز حركات احتجاجية أواخر عام 2010، رافضة للواقع المرير، الذي يسيطر فيه المفسدين على كل مفاصل الحياة، وهو ما عرف بثورات الربيع العربي.

ومع غياب أو ندرة إعلام مستقل وموضوعي، صار الكثير من الناس يلجأ للأنترنت بحثا عن المعرفة المفتقدة في الوسائل التقليدية، كالتلفزيون والإذاعة والصحف والمواقع الإلكترونية، والتي تكون إما خاضعة لأجهزة الدولة أو تحت رقابتها، وذلك مع وجود استثناءات قليلة في هذا المجال، وهو ما كان له أثر إيجابي على الشباب بعالمنا العربي، عكس ما كانت تطمح له تلك الأجهزة، حيث عمل عديد من الشباب على صنع محتوى عربي تثقيفي توعوي، يُعِرّف أفراد مجتمعاتنا بالحقائق الغائبة عنهم، بعيدًا عن تأثرهم بإعلام محلي يكون هدفه في الغالب السيطرة على العقول في إطار ما يسمى بصناعة الرأي العام أو ما يصطلح عليه بـ (البروباغاندا)، لكن مع هذا التطور التكنولوجي المعلوماتي في ميدان الاتصالات الحديثة، الذي يتيح بدائل أخرى عديدة بعيدًا عن إعلام الأنظمة المسيس والفاقد للمصداقية، تحول المتلقي أو المتابع من أداة لاستقبال المعلومة وتبنيها إلى صانع لها، مشكلاً بذلك قناعاته الشخصية بنفسه.

ويظهر جليا تأثير الشبكة العنكبوتية على أبرز الأحداث التي نعيشها، ففي كثير من الأحيان يكون لوسائل التواصل الاجتماعي دور فاصل، عبر تسليط الضوء عليها، وإجبار المسؤولين أو القائمين على ذلك بحل تلك الأزمات أو التدخل من أجل الحسم فيها، وقد أظهر هذا الأسلوب نجاعته لحدٍ كبير، فالفرد لم يعد ملزمًا في حالة تعرضه لظلم من أحد الأشخاص الذين يحضون بدعم سلطوي مثلاً، لأن يتظاهر أو يقوم بأمر لا يحمد عقباه، كإضرام النار في جسده، بل يكفيه تسجيل فيديو يوثق فيه ما حدث، ويبرز عبره ما تعرض له ويستبيِّن ذلك بالدلائل، لينشره بعدها على الأنترنت، وهو ما سيفرض حتما على السلطة التحرك بسرعة خوفا من تزايد سخط مواطنيها، وظهور الأمر للعلن خارج حدود ذاك الإقليم الجغرافي.

عندما تبحث في شخوص الحكام العرب؛ تجد أغلبهم متأثرا بالفكر الغربي، لكن للأسف ذلك لا ينطبق إلا على نمط حياتهم الفردي، أما سياستهم فلا تتغير بالتقادم

ومالا يفهم في المنطقة أن الأنظمة الحاكمة بها لا تزال تعيش في زمن الماضي، ولا تريد مسايرة العصر بتلبية مطالب الشعوب، التي صارت تدرك ما يحيط بها، وتعرف إمكانيات البلد وحاجياته رغم التعتيم، لكن للحكام أساليب -زمن الجاهلية-، ويظهر ذلك جليًّا في استغلالهم لإعلامهم، وللمرتزقة العاملين به في بناء جيل يشكك في نفسه، وينساق وراء ما يقوله ولي أمره، إذ يتم نشر خرافات، أساسها أن حالنا أفضل من أممٍ وشعوب كثيرة، ولذلك وجب علينا الصبر والامتثال للأوامر كقطيع من الغنم، وعدم التسرع في رفع سقف المطالب؛ حتى لا نسقط في سوء المآلات، كما فعلت حسبهم دول أخرى (سوريا وليبيا مثلاً)، إنه العبث في أرقى تجلياته، المتمثل في توليد الخوف الدائم لدى الناس، واللعب على مشاعرهم وأحاسيسهم، وفق استراتيجية مدروسة تعتمد على الكذب والخداع بهدف تحصين سلطة الحاكم (السيد)، وإخضاع وتركيع الشعب (العبيد)، وهو ما يعرف بـ "الديماغوجية" لدى الباحثين والأكاديميين المرتبطين بمجالي اللغة والسياسة أو ما يرتبط بهما.

ولما تبحث في شخوص الحكام العرب؛ تجد أغلبهم متأثرا بالفكر الغربي، لكن للأسف ذلك لا ينطبق إلا على نمط حياتهم الفردي، أما سياستهم فلا تتغير بالتقادم، فبينما يظَهرون بآخر صيحات لباس الشركات العالمية، ويقضون عطلهم في أروع الأماكن، رغم فاقة وحاجة شعوبهم في أحيان كثيرة، لا يستنسخون ديمقراطية الغرب في بلدانهم، ويؤسسون لها وفق حكم رشيد، يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل الشعب فعلاً صانعاً لقراره بنفسه، ليكون بذلك المصدر الأول للسلطة، وذلك وفق ما نراه ونطلع عليه بالإعلام الأجنبي أو مختلف الوسائط الأخرى المتعددة، وهو ما قد يكون كافيًا للمهتم بالشأن السياسي والمتابع لمستجدات هذا المجال؛ لكي يعرف ويحدد أين يكمن فساد وخراب أقطارنا العربية؟

وهذا في ظل ما نراه من نجاح لأممٍ أخرى، تفتقر لنفس المقومات المتوفرة في جغرافية منطقتنا على أصعدة عدة، بداية بالدين واللغة والأعراق المتصاهرة فيما بينها منذ قرون، والفكر المشترك بين شعوب البلدان العربية المتجاورة، والثروات الطبيعية الهائلة، وللأسف هناك من أهل السلطة ما لا تعجبه هذه الروابط، فيعمل على تدميرها وإشعال الفتن داخل المجتمع الواحد، لإلهاء الناس واشغالهم في صراعاتهم الداخلية، حتى يلجؤوا للسلطة لتكون الآمن والحاكم، وهي في الأصل المخرب والمتآمر وخليفة الفكر الاستعماري على أراضي الأمة، وذلك ما قد يبرر الدعم الغربي المعروف بسيادة الديمقراطية في أركان دُوله؛ والتي تحظى به بعض هذه الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية بالمنطقة مقابل علاقات مشبوهة. وذلك في إطار ازدواجية بغيضة تطرح عديد علامات الاستفهام.

 

وخير مثال المساندة التي يحظى بها النظام العسكري الانقلابي في مصر مع عبد الفتاح السيسي، ويحدث نفس الشيء مع الجنرال خليفة حفتر بليبيا، وكذلك حكام الأمر الواقع، الذين يرثون الاستبداد ويمارسون القمع في حق مواطنيهم، كما يفعل بعض حكام الخليج، وأذكر هنا على وجه خاص السعودية والإمارات، اللتان تسعيان للعب دورٍ ريادي على مستوى العمالة والخيانة، والتي لن يكون آخرها تنفيذ المخطط الصهيو-أمريكي، المتمثل في خلق وطن بديل للفلسطينيين، وقتل فكرة العودة لديهم لأراضيهم المحتلة.. وهو ما بات يعرف بصفقة القرن.

وكلما اشتدت المحن داخل مجتمعاتنا، يلجأ الشباب العربي، الناشط على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتذكيرنا بقصص نجاح دولٍ، نهض بها بعض أفرادها من العدم، وجعلوها ضمن مصاف البلدان المتقدمة، ومن بين القصص التي تتردد كثيرًا على صفحات وقنوات هؤلاء الفاعلين - بالنيو ميديا-، لتذكرنا بالمسؤولين عن التخلف والبؤس والتراجع الذي تعرفه المنطقة، هي قصة نجاح "لي كوان يو"، رئيس وزراء سنغافورة (1959 ـ 1990)، الذي حوَّل هذا البلد من مرتعٍ للفساد ومستنقع للأوبئة والجهل، إلى إحدى أقوى الدول العالمية في مختلف المجالات الاقتصادية والتعليمية والصحية.. تمكن من تحقيق ذلك في ظل شُح الموارد الطبيعية، وغياب الرأس المال المادي والبشري.

يبدو أن الإعلام الجديد سيصير تخصصًا مستقلاً بذاته، وقد يدُرس يوما ما في كليات أو معاهد الإعلام، فتمدده بهذا الشكل، وتفاعل الناس معه بشكل كبير، يسهم في صناعة محتوى أرقى

مواقع التواصل
 

بين النظم العسكرية و"حكام التوريث"، تاهت بوصلة المجتمعات العربية عامة، وشبابها خاصة، لكن الإعلام البديل أعاد النبض لقلوبنا مجددًا، رغم النكسات والأزمات المختلقة والمصطنعة من قيادات بلداننا وأسيادهم، والغريب أن بعض حكامنا لا مثيل لهم في التاريخ، لا حاضره ولا ماضيه، فمصطلح الديكتاتورية تجاوزوه بدرجات، فلا يمكن مثلاً مقارنة كثير منهم بآل كاسترو وحكمهم لكوبا، فرغم نهج فيدل وأخيه راؤول لسياسة الحزب الواحد، ذات الفكر الاشتراكي الماركسي، المبني على امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج، والذي ظهر جليًّا في تأميمهما لكل القطاعات الحيوية، ورغم ذلك فقد شهدت فترة فيدل تطور كبير على مستوى قطاعي التعليم والصحة، رغم التخبطات والفشل الاقتصادي، التي لعبت فيها أمريكا دور كبير بحصارها.


وارتباطًا بذلك قد تجرنا الأحداث لباني سنغافورة الجديدة وصانع ثورتها ومجدها.. "لي كوان يو"، الذي جعله تضييقه على المعارضة يلقب بـ "الديكتاتور الرشيد"، وغير بعيد عن المنطقة يجول بعد الضباب التلفزيوني وجيوش إلكترونية بين شاشات التلفاز ومواقع التواصل، بهدف إقناع العديد منا بأن الحكام الحقيقيون مجرد ديكتاتوريين ومستبدين، وأن ما نراه ونطلع عليه غير صحيح، ومثال على ذلك رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا، الذي يعتبر أفضل من يتخذ كمثال حي لدى شعوبنا، بعد عمله على خلق وطن مزدهر، مستقل بذاته وكامل سيادته.. ولجهل هؤلاء الحشرات الغوغائية، يكشفون لنا فكر وأهداف قادتهم، بدل أن يسيؤوا لغيرهم من الناجحين.

يبدو أن "نيو ميديا"؛ أي الإعلام الجديد سيصير تخصصًا مستقلاً بذاته، وقد يدُرس يوما ما في كليات أو معاهد الإعلام، فتمدده بهذا الشكل، وتفاعل الناس معه بشكل كبير، ومع التجارب التي يخوضها الناشطون في هذا المجال من صناعة محتوى راقي، يعتمد على المضمون والصورة بتفاصيل أدق، وذات مصداقية تبرز فيها المصادر كأحد أبرز العناصر، وهو ما يركز عليه في التكوين الصحفي إلى جانب قواعد أخرى، والتي تجعل المتلقي يحلل بنفسه المادة، ويستنتج الحالة، ويشكل وعيه بذاته دون تأثير أو تأثر، وما يلاحظ في أغلب الشباب الفاعل في هذا الميدان أن لهم ثقافة معرفية أو أكاديمية، تمكنهم من إنجاز مواد لا تقتصر فقط على الرأي الشخصي؛ بل على معطيات وإحصاءات كما تفعل بعض وسائل الإعلام الغربية المستقلة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة