محمد امنون
محمد امنون
7.2 k

هل سيكون مصير أردوغان كمصير السلطان عبد الحميد؟

4/9/2018

كأن التاريخ يعيد نفسه، فمند القديم ومؤسسي الحركة الصهيونية وعملائها يتقربون إلى سلاطين الدولة العثمانية ليس حبا في السلاطين ولكن من أجل استمالتهم ونيل موافقتهم لأخذ فلسطين.. فمند تولي السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة بعد سليمان القانوني، عرفت الحركة الصهيونية مشاكل شتى، خاصة فيما يتعلق بالجانب القانوني أي جانب الفرمانات والترخيصات السلطانية بالهجرة. ذلك أن السلطان عبد الحميد الثاني غير سياسة أسلافه المتساهلة، وشكل عقبة كؤود أمام الأطماع الصهيونية، ففي سنة 1876م طلب منه حاييم غوديلا ترخيصا بالاستيطان بفلسطين لكنه رفض، وهذا راجع بالأساس إلى إحساسه بخطورة التواجد الصهيوني بفلسطين الدي تزايد مع مقتل القيصر الروسي من قبل أحد اليهود.. وهكذا أصدر السلطان سنة 1882 قرار بمنع دخول الصهاينة إلى فلسطين، إلا في حالة الحج والزيارة التي يجب ألا تتعدى 3 أشهر، وفرض عليهم المثول أمام الإدارات العثمانية المكلفة بحراسة الحدود لتسلم جوازات سفر تبين عقيدتهم الدينية، وألزموا بارتداء لباس يخالف لباس الفلسطينيين.


إجراءات لن تنجح بالقدر المطلوب بسبب فساد الإدارة، ذلك أن كثير من الحراس يتحايلون على القرارات لجشعهم إلى المال مستغلين بعد فلسطين عن المركز زيادة على النظام المركزي.. فساد استغله الصهاينة، فتسللوا إلى فلسطين وأسسوا جمعيات متعددة للاستيطان مند سنة 1891م.. ليكون مؤتمر بال السويسرية مؤتمر تأسيس دولة إسرائيل كما قال هرتزل في خطاب القاه في نهاية المؤتمر.


وهكذا بدأ الصهاينة في تأسيس أبناك لشراء الأراضي بفلسطين، ثم الاتصال بالدول الغربية، وقبل ذلك بدأ هرتزل في الاتصال مباشرة بالسلطان عبد الحميد الثاني محاولا إقناعه ومستغلا الضائقة المالية التي حلت بالدولة العثمانية، من جراء عمليات الإصلاح الفاشلة، والفتن الداخلية والحروب ضد روسيا، لكنه (السلطان) رفض، وجاء في رد له على طلب هرتزل: "انصحوا الدكتور هرتزل بأن لا يتخذ خطوات شديدة في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك لي بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه.. فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي فلعلهم يستطيعون أنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن".


ونفس الشيء فعلوه مرة أخرى لما زار ولفسون القسطنطينية محاولا استغلال العجز المالي للإمبراطورية العثمانية (131 مليون جنيه)، لكنه عاد مرة أخرى بدوره خائبا بعد تمسك السلطان بموقفه. وهكذا بعد أن تأكد الصهاينة أن السلطان هو العقبة الوحيدة أمام أطماعهم، خاصة بعد الحصول على موافقة ومساندة القوى الكبرى.. فقد حاولوا الإطاحة به مستعملين العديد من الأساليب، يقول محرم فوزي طوغاي في مقال له في 2 مايو 1948 م نشره في مجلة "بيوك طوغو"بعنوان: "فلسطين والمسألة اليهودية": "إن تصرف عبد الحميد اتجاه الحركة الصهيونية بهذا الشكل المعادي، كان معناه أنه يتسبب في هدم تاجه وهدم عرشه، ليس هذا فقط، بل وبالتالي هدم الدولة العثمانية كلها".


تمكن حزب الاتحاد والترقي من الحكم بدعم من الغرب ليقدم أطراف الإمبراطورية على طبق من دهب للغرب وخاصة ليبيا إلى إيطاليا، العراق واليمن للإنجليز، فلسطين للصهاينة

وهكذا كان مخطط الصهاينة لتحقيق هدفهم يتمحور على ما يلي:
أولا: ربط العلاقة مع "الدونمة" وهم اليهود الدين فروا من إسبانيا إلى الدولة العثمانية واعتنق بعضهم الإسلام ظاهريا، لكنهم احتفظوا بيهوديتهم باطنيا.. والسر وراء استهداف الدونمة هو:
1- أنهم تولوا مناصب سياسية وعسكرية عليا في جهاز الإمبراطورية.
2- امتلاكهم وتحكمهم للأجهزة الإعلامية في الإمبراطورية مما يسهل التأثير في الراي العام.
3- سيطروا على التجارة والصناعة والصيرافة.


ثانيا: الاتصال بالجمعيات الماسونية/ البناؤون الأحرار – جمعية سرية ترمي إلى هدم الأديان وإنشاء حكومة عالمية مستخفية وراء الأهداف الإنسانية وتحقيق أمن العالم -من أجل استغلال محافلها للإساءة إلى السلطان عبد الحميد، وقد تمكنوا من تأسيس أول حزب سياسي في تركيا من أجل إسقاط السلطان وهو حزب الاتحاد والترقي الذي أسسه الماسوني إبراهيم اتيموا سنة 1891، كامتداد لحزب تركيا الفتاة الذي خلق ببريطانيا سنة 1865، وهكذا تمكن حزب الاتحاد والترقي من إسقاط السلطان بعد ثورة 23 يوليو 1908.


وهكذا تمكن حزب الاتحاد والترقي من الحكم بدعم من الغرب ليقدم أطراف الإمبراطورية على طبق من دهب للغرب وخاصة ليبيا إلى إيطاليا، العراق واليمن للإنجليز، فلسطين للصهاينة.. ثم فتح الدردنيل والبوسفور وتأمين الدخول إلى البحر الأسود بعد معاهدة مندرس وسيفر. وعلى منوال حزب الاتحاد والترقي استمر مصطفى كمال أتاتورك بعده في تنفيذ أجندات الغرب نحو الإمبراطورية عبر توقيع صلح لوزان المعروف بشروط كروزون، كتسليم الموصل الغني بالنفط لبريطانيا وقطع علاقة تركيا بالإسلام والخلافة.


من خلال كل ما سبق و علاقة بما يسمى في الوسط الاعلامي "صفقة القرن"، نخرج بمجموعة من الخلاصات والانطباعات، كالتالي:
1- إن الخلافة كمنهج إسلامي التي عمل السلطان عبد الحميد من أجل إعادتها، تعتبر بمثابة سيف حاد حمله في وجه الغرب والصهيونية والحركة الماسونية على حد سواء، لهذا فالجهود الغربية والصهيونية والماسونية توحدت على القضاء على عرشه والقضاء على سلاحه.. وكأن التاريخ يعيد نفسه فالتوجه الإسلامي الذي يتبناه الرئيس أردوغان عبر مساندته لكل القضايا الإسلامية العادلة ووقوفه إلى جانب بعض الدول المستهدفة كقطر وموقفه الثابت ضد الانقلاب العسكري في مصر بزعامة السيسي ضد الشرعية، ثم مهاجمة الرئيس الإسرائيلي علانية في مؤتمر دافوس الاقتصادي.. ثم تحقيقه ثورة اقتصادية تنموية اجتماعية صناعية ببلده ونهجه سياسة انفتاحية على الشعوب الإسلامية ومساندته للربيع الديمقراطي.

 

أهم ما يمكن ملاحظته، هو ذلك التحالف الحاصل بين أمريكا وبعض أمراء الخليج والدولة الصهيونية، مند الربيع الديمقراطي، فكل طرف يخدم الأخر

رويترز
 

كل هذه الخطوات والمنجزات تعتبر بمثابة سيف حاد في وجه الغرب، الصهاينة، أمريكا وعملائها من أمراء البترودولارات، الماسونية على حد سواء، لهذا فالجهود الغربية، الصهيونية، الأمريكية وعملائها من أمراء البترودولارات والماسونية توحدت على القضاء على عرشه والقضاء على أسلحته ومنجزاته.


2- إلى جانب اعتماد سياسة الغرب والصهيونية والماسونية زمن السلطان عبد الحميد الثاني على استراتيجية تعتمد أساسا على استهداف الخلافة كمنهج إسلامي كسلاح، تهجمت هذه الأطراف على حامل هذا السيف، فالسلطان عبد الحميد وصف بالاستبداد عميل الصهيونية والسفك حتى سمي "بالسلطان الأحمر".. ونفس الأمر يقع اليوم في زمننا هذا فاذا كان الهدف الأساسي من كل الحملات المناهضة والمستهدفة لتركيا من طرف الغرب، الصهيونية، أمريكية وعملائها من أمراء البترودولارات والماسونية إنما تستهدف التجربة الإسلامية السياسية الناجحة كسلاح، فإن هذه الأطراف العدائية لتركيا والشعب التركي اعتمدت بدورها على سياسة استهداف حامل السيف، فالرئيس أردوغان لم يسلم من جميع أنواع المؤامرات والإشاعات والانتقادات حيث يوصف من طرف الإعلام والساسة المتربصين بتركيا بالاستبداد وعميل الصهيونية والسفك وتزعم حركة الإخوان المسلمين والديكتاتور.. إلخ من الأوصاف التي تنقلها قنوات خليجية صباح مساء.


3- إن أهم ما يمكن ملاحظته كذلك، هو ذلك التحالف الحاصل بين أمريكا وبعض أمراء الخليج والدولة الصهيونية، مند الربيع الديمقراطي، فكل طرف يخدم الأخر، حيث يمكن القول أن بعض الأمراء العرب بالخليج "تصهينوا" أو أن الصهاينة "تأعربوا"، فإذا كان البعض يعتقد أن إضعاف تركيا وقطر وإيران، يعني نهاية الربيع الديمقراطي ونهاية حركة الإخوان المسلمين، وكل التيارات الإسلامية السياسية، وبالتالي نهاية الخوف على عروشهم التي أقاموها على الاستبداد والبطش واستغلال الدين لتدجين وتهجين واستعباد الشعوب.

 

فإن البعض الأخر يعتبر المناسبة فرصة لممارسة أسلوبه الطبيعي في الابتزاز من أجل تحقيق المزيد من المكاسب المادية والاقتصادية على حساب حقوق الشعوب الخليجية المضطهدة. بينما يرى الصهاينة المناسبة فرصة للإعلان عن ما كان باطنيا من طرف بعض حكام الخليج تجاه القضية الفلسطينية وتمرير ما يعرف إعلاميا بصفقة القرن المتمثلة في إضعاف تركيا وإيران وقطر والأردن عبر استهدافها اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا، ثم توطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء حق اللجوء للاجئين الفلسطينيين في خارج فلسطين، وإقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية. فهل ينجو أردوغان من مؤامرة التحالف الأمريكي /الخليجي /الصهيوني /الغربي /الماسوني؟ أم أن مصيره سيكون مصير السلطان عبد الحميد الثاني من قبله؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة