منال الحاج
منال الحاج
2 k

سلمان بن فهد العودة.. الآن تعاكست الأدوار!

6/9/2018

عن رجال قلوا حتى حسبنا أن ينابيع الشهامة قد نضبت في أرضنا، وانتهت مواسمها دون أن تعاود أبدا؛ لكن قلة قليلة من الأصوات الصادحة بالحق برزت في منتصف الفصول الأشد ظلامية من تاريخ الأمة، وسط مجازر ارتكبها طغاة امتطوا صهوة الأوطان، وعند اقتتال دائر بين فئتين متضادتين تعاونا على إهلاك الحرث والنسل، وأثناء عداوة بين أشقاء بغا أحدهما على الآخر، وبينما أكل سلاطين جياع قوت شعوبهم فجاروا وما اكتفوا.. حينها أقنعت الرؤوس ونكست رايات الكرامة، وحصدت أدنى مستواياتها دون أن ينازعها منازع في ذلك بين أمم الأرض، فيشعرك ذلك أن لا شيء من عدالة الإسلام وعزته تحقق منذ زمن بعيد في هذه الأمة بعينها.

تلك الأصوات التي سبحت ضد تيار التطبيل والنفاق خرجت عندما أُخرست الحناجر، وقُطعت الألسُن، فكسرت حاجز الاستبداد، وأنارت بفكرها ظلمة تغرق فيه عقول الأمة بأكملها.. وقالت للجلادين بكل صرامة: (لن نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، كما قالها سحرة فرعون أول مرة عندما تبين لهم حق موسى من باطل فرعون.

فحريّ بنا أن نكتب أسماءهم بماء العين في صفحات تاريخ حافل بالنكبات والنكسات علَّه يضيء صفحاتها ويحرك ساكن الأمة ويحيي ساكنيها، فالعبرة نبراس المواقف، ومن يتأمل المواقف ويقرأها يجدها ملأى بالمعاني، والمعنى باق حتى وإن فنى الشخوص، ولهذا يدرك أصحاب الحق أن التمسك به دونه المَوت، ومن كانت عينه على تجارة مع الله، لا تغريه أي صفقات مع من هم دونه لأنه لا يؤثر على الله أحد، وهذه عقيدة قل سالكوها وعظم مقامهم ومعناهم.

أدرك جيدا كم كان سهلا أن تنافق وتجامل وتزين مواقفك كمن فعل، وتنعم مقابل ذلك براحة بدنك ما حييت، لكنك اخترت أن تقبض على جمرة رأيك ولم تبال

منذ أيام مضت كنا نستحضر ذكرى إعدام المفكر الإسلامي سيد قطب -رحمه الله- على يد نظام استبدادي قمعي -حاله كحال أنظمة عربية كثيرة- أعدمه بغية كتم صوت الحق الذي صدح به، وسط غفلة الناس من أمرهم، فشاء الله أن يعلو بذلك صوته أكثر ويمتد صداه مدويا إلى يومنا هذا، ليكون وصمة عار على جبين هذه الأمة أن يعدم فيها مفكر إسلامي بقدره ومكانته وأفكاره وعلمه، ولتصبح حياته أطول من حياة جلاديه وخصومه، وشتان بينهما شتان.

في أيام كهذه وكأن ذكرى سيد قطب التي لا زالت تحوم في أفق الذاكرة، إذ بنا نفاجئ ببدء محاكمة الدكتور سلمان بن فهد العودة الذي يقبع في زنزانته منذ أكثر من عام وسط تدهور لحالته الصحية، هذا وقد وجهت له تهم عدة تتعلق بالإرهاب، فيما طالبت النيابة بحكم الإعدام تعزيزا في حقه.

لا أدري كم مرت حياة الشيخ العودة بتعرجات وتضاغطات وتقلبات -على خلاف مواقفه- بمعزل عن ما شهدناه عنه وظهر لنا في العلن عن حياته الخاصة؛ لكن محنته الأخيرة على وجه الخصوص مفترق طرق، واختبار دقيق لا يصبر عليه إلا الأخيار.. فاختار الشيخ من أمره أن يواصل نهجه الذي عرفناه به.. قويا أمينا على الحق، لا يخاف فيه لومة لائم، فهو الذي مكث بالأمس القريب خمس أعوام في الزنازين، وتلقى خبر وفاة زوجته وابنه في حادث سير مروع -قبيل سجنه الأخير- فأحزن قلوب من استوطنت كلمات الشيخ قلوبهم، فكم ربتت عباراته الدافئة على أكتافنا وأزالت ما تكدس فوقها من نصب الأيام بأسلوبه الذي يتدفق صدقا ووعظا، تعاكست الأدوار هذه المرة.

 

وإليك أكتب.. حتى وإن لم تقرأ.. أدرك جيدا كم كان سهلا أن تنافق وتجامل وتزين مواقفك كمن فعل، وتنعم مقابل ذلك براحة بدنك ما حييت، لكنك بالمقابل تدرك جيدا قيمة أن يحمل المسلم على عاتقه أمر تجهيل وتغييب أمة بأكملها بسبب فتوى أو رأي، تدرك جيدا أن قصاص ذلك لا يضاهيه شيء من عذابات الدنيا على اختلاف تلاوينها وأشكالها، تدرك أن المغريات كثيرة لكنك اخترت أن تقبض على جمرة أرائك ولم تبال، في وقت فهنيئًا لك حيث كنت، ثبت الله قلبكَ على الحق، وفك أسرك، وأثابك عن أمة جئت عزيزا من أقصاها تسعى إلى الحق، فجعلت أعزة أهلها أذلة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة