غسان أبو العدوس
غسان أبو العدوس
492

أكتب لأنني أحب العناق بين السطور

11/1/2019

أكتب لأنني أحب الصباح في وطني أحب الشمس عند شروقها وغروبها على مدن تتزاحم في العناق والقبلات في السر، أكتب لأنني أتحرر من كل قيود العبودية التي تخنقني في عبارات مثيرة ومستفزة كممنوع من النشر أو ممنوع من الكلام أو ممنوع من الأحلام! أكتب لأنني أحب رائحة أمي فهي تمنحني الحياة أكتب لأنني أحب حبيبتي التي خطفها ذلك الثري وجعلها جماد في قصره دون أن يستفز مشاعرها اتجاهه.. أكتب لأنني أحب شوارع مخيمي ومدينتي والركض بين زقاق المخيم هروباً من الفقر الذي يتاخم حياتنا ويتزاحم على وجعنا.

 

أكتب لأنني عشت كثيراً أضحي للجميع بدون مقابل وعشت كثيراً على أطلال تلك الفتاة الهاربة من أبيها الذي قرر بيعها للأثرياء! أكتب لأنني أعشق عمري وحياتي وعناقي لفتاتي التي أقابلها بالسر لأحضنها تحت المطر. أكتب لأنني أحب النهايات والعاثرات والجميلات والقويات، أكتب لأنني أصارع أحلامي يومياً للوصول لأهدافي التي أحب. أكتب لأنني أحب الشغف في وصف تفاصيل يومي مع الغرباء الذين يتركون بصمة كبيرة في حياتي، أكتب لأنني أحب الحياة ما استطعت إليها سبيلا.

 

أكتب لأن الكتابة تجعلني أشعر بكياني المستقل عن القطيع الذي يقول نعم. لقد كان ديستوفسكي يبيع إبداعه بـ"الكيلو" للناشر كي يسدد ديونه ويستمر في الحياة. أما الكولومبي غارسيا ماركيز الذي ذاع صيته بعد روايته "مئة عام من العزلة"، اضطر لجمع العبوات البلاستيكية من القمامة ليستأنف كتابة الروايات. عندما أمعن النظر في هؤلاء العظماء لا يسعني إلا أن أحب ما أكتب وأشعر بتلك النشوة التي تجعلني أستمر في البحث عن ذاتي في هذا الشغف الذي يملأني سعادة لا تنضب. فما قاله يوماً تشيخوف يستحق منا أن نستمر في البحث عما يحقق لنا الإبحار في ذواتنا لنكتب الأجمل والأعمق.

 

عملية الكتابة لدي هي شبيهة بما يكتبه كافكا حيث إن عملية الكتابة لديه هي إصرار على تأكيد وجوده إزاء استحالة تحقيق الحب، وهو بمعاناته اليومية المتواترة، وعذاباته الداخلية وبعزائه ومواساته لنفسه

"إن ما يحتاجه الإنسان هو العمل المستمر ليل نهار، والقراءة الدؤوبة، والدراسة، والسيطرة على الإرادة، فكل ساعة من الحياة ثمينة"... هذا ما يقوله الكاتب الروسى الكبير "أنطون تشيخوف"، هذا ما يؤمن به كل مثقف، ومبدع، اتخذ من الكتابة والقراءة قبلة له في الحياة، لذلك الإلهام من كل هؤلاء المدارس المختلفة في الأدب تجعلنا نجد أنفسنا عند بداية السلم حيث المسافة طويلة جداً للوصول للمجد ولكن لا يوجد هناك مستحيل فكل شيء يمكننا تحقيقه إن آمنا بكل ما نملكه من قوة وارادة حقيقية لنفخر بأنفسنا من خلال ما نكتب.

 

لماذا أكتب؟ أكتب لأنني أحب تشيخوف ونابكوف ودستوفسكي وكافكا وكل الجميلات اللواتي كانوا قصة ورواية لهؤلاء، أكتب لأنني لا أملك الجرأة في الحديث عن حبيبتي التي لا أريد ذكر اسمها أكتب لأنني بيوم من الأيام أريد لاسمها أن يكون مصاحباً لي في كل النصوص كعظماء روسيا في الأدب وكقيس وليلى ونزار وبلقيس. لذلك أنهم في كتاباتي التي أجعل بعضاً من نصوصي لغز وعلى القارئ أن يفكك تلك الرموز وإكمال اللوحة التي أريد إيصالها.

 

فعملية الكتابة لدي هي شبيهة بما يكتبه كافكا حيث إن عملية الكتابة لديه هي إصرار على تأكيد وجوده إزاء استحالة تحقيق الحب، وهو بمعاناته اليومية المتواترة، وعذاباته الداخلية وبعزائه ومواساته لنفسه. فشكراً لكل هؤلاء وللحياة التي أؤمن بأنها ستنصفنا يوماً ما بحالة من الدهشة والفرح والسعادة التي لا تنضب.. فلولا مشقات الحياة وصفعاتها المتتالية لما نهضنا من تحت الرماد لنكتب عن أوجاعنا وحبنا الضائع وحبيبتي البعيدة فسنبقى نكتب لتكون هذه الحياة أجمل ونهارها مبتسم وليلها هو ذلك الحضن الكبير الذي نسكن فيه مع كل خيباتنا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة