ميخائيل ليرمنتوف.. الأديب الروسي الذي تأثر بالإسلام!

12/1/2019

"فربما، سماء الشرق قد قربتني بلا إرادة مني من تعاليم نبيهم"

ميخائيل ليرمنتوف

 
يعتبر ميخائيل ليرمنتوف من أشهر شعراء روسيا في القرن الماضي، وهو يحتل مكانة تالية لأكبر شعرائها ألكسندر بوشكين أبدع ليرمنتوف في واقع اجتماعي تختلف ظروفه أيما اختلاف عن ظروفنا، وشب على مقاييس أخلاقية وعادات اجتماعية لا تتفق ومقاييسنا في الشرق، ومع ذلك فتأثير الشرق والحضارة العربية الإسلامية واضح في إنتاجه وملموس.
  
يعتبر ليرمنتوف الوريث الشرعي للشاعر الكبير الكسندر بوشكين في نضاله بفنه من أجل الحرية، ونقده للواقع المعاصر المكبل بالقيود، ومثلما كانت الحرية السبب وراء الموت المفاجئ لبوشكين، فقد كانت هي نفس السبب الذي أودى بحياة ليرمنتوف في إحدى المبارزات، ولم يكن قد بلغ السابعة والعشرين وهو في ذروة مجده وشهرته وعطائه. 

   

ورغم أن إنتاج ليرمونتوف لا يتجاوز الثلاثة عشر عاماً، فإنه –مثل بوشكين- أعطى للأدب إنتاجاً غنياً ومتنوعاً، حيث قدم القصيدة الغنائية، والقصة الشعرية الرومانتيكية، والمسرحية والرواية، فقد كان ليرمنتوف الشاعر الأرستقراطي ينتمي إلى قمة مثقفي عصره حيث تعمق منذ صباه –مثل معظم ابناء طبقته- في دراسة الآداب، والفلسفة، والتاريخ والأديان، واللغات الأجنبية التي كان يجيد كثيراً منها، وفي دراسته لهذه العلوم كان الشرق بالذات محط أنظاره، فقد كان ليرمنتوف يتعجب من جيله الذي كان يركض وراء الغرب في الوقت الذي تعلم فيه الكثير من الشرق، ففي الشرق –كما في اعتقاد ليرمنتوف- يوجد "كنز للفتوحات الثمينة".
  

إيحاءات إسلامية وحضارية في أعمال ليرمنتوف

من خلال مسلمي القوقاز الذين عايشهم ليرمنتوف عن كثب، تعرف شاعرنا على الكثير من تعاليم الإسلام ونهجه، ومن خلال مسلمي القوقاز تعرف كذلك على الكثير من العادات الإسلامية والأعياد مثل عيد الأضحى، ولا يتوقف اهتمام ليرمنتوف بالشرق العربي عند الاهتمام بروحانياته، بل يمتد هذا الاهتمام إلى حضارته وواقعه المعاصر للشاعر، وقد عبر ليرمنتوف في قصيدته "ساشكا" عن ذلك الانجذاب الذي يستشعره تجاه حضارة الشرق، حيث نجده يقول:

إنني لا ابحث عن عقيدة: فلست نبياً
رغم أنني أسعى بروحي إلى الشرق
حيث تندر الخنازير والخمر
وحيث، كما يكتبون، كان يعيش اجدادنا!

 

ويبدو أن تعرف ليرمنتوف على العقيدة الإسلامية كان له عميق الأثر في نفسه، ففي قصيدة "فاليريك" يشير ليرمنتوف الى القرابة الروحية التي صارت تربطه بالإسلام في وقت كانت تشعر نفسه بالوحدة والغربة:

فربما، سماء الشرق
قد قربتني بلا إرادة مني
من تعاليم نبيهم..

 
كما يبدي ليرمنتوف تبجيله للقرآن في قصيدته "هبات التركي" فالهدية القيمة التي يقدمها التركي إلى الشيخ عليها : "آية مقدسة من القرآن، مخطوطة بالذهب" ويظهر بوضوح تأثر ليرمنتوف بالقرآن في قصيدته " ثلاث نخلات" التي يربط العديد من النقاد بينها وبين القصيدة التاسعة من أشعار بوشكين " قبسات من القرآن".

  
وبالإضافة إلى ذلك، انعكست معارف ليرمنتوف الواسعة والمتنوعة عن الشرق العربي في بعض أشعاره ففي قصيدة "غصن فلسطين" تبرز صورة زاهية وبراقة لفلسطين تلتقي مع وصف صادق لجغرافيتها، ومواردها الطبيعية، وسماتها المميزة ويضاف إلى ذلك أن فلسطين تبرز في القصيدة كموطن للديانات وأرض للمقدسات. كما وتظهر معرفة ليرمنتوف بالخصائص الطبيعية لمصر في قصيدته "المركب الهوائي". وقد عبر ليرمنتوف عن "القرابة الروحية" وذلك بعزمه على السفر إلى مكة المكرمة موطن الرسول ومنبع الإسلام، وذلك من خلال خطاب بعثه إلى صديقه كرايفسكي.
 
ويمكن القول، إن انجذاب ليرمونتوف تجاه الشرق العربي الإسلامي لم يكن فقط مظهراً من مظاهر الانبهار بالقدم بل كان وراء ذلك أسباب موضوعية عديدة، فمن جهة استشعر ليرمنتوف في القيم الدينية للشرق العربي الإسلامي معيناً روحياً وملاذاً لنفسه التي كانت تعيش تناقضاً بينها وبين الواقع. بيد أن ليرمنتوف اتجه بعقله وبصيرته، وبروح الفنان المتعطش للحرية والجمال، والملهم بالحب العميق للإنسان إلى القرآن الكريم حيث تكمن الكثير من "القيم الأخلاقية" كما أشار سلفه بوشكين فاستلهم ليرمنتوف من القرآن صوراً وموضوعات لإنتاجه.
 
ورغم انبهار خيال ليرمنتوف بالملامح العربية المميزة فقد تبلور اهتمامه بحضارة الشرق العربي في نظرة موضوعية لمشاكله المعاصرة، فأعطى في إنتاجه صورتين متقاطعتين للشرق العربي: الشرق العربي كمركز للإشعاع الحضاري، والشرق العربي الحديث الذي أصابه التأخر وبات مطمعاً للمستعمرين، وانعكس من خلال ذلك قلق الشاعر على مصير الشرق!
  
وفي النهاية، كان لابد من الإشارة إلى أننا اعتمدنا في كتابة هذه الكلمات أو المدونة على كتاب "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" والصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية برقم 155.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة