مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
304

حاملاً الوطن على ساقه الواحدة!

14/1/2019

ألم تمر بالسادة المسؤولين هذه الصورة، ألم يتذكروا كلمات عمر بن الخطاب: "لو عثرت بقرة على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله لماذا لم تُعبِّد لها الطريق يا عمر؟".. هو ليس بقرة يا حكومة وإنما إنسان، هو لم يتعثر في واق الواق سيدي الرئيس وإنما في قلب الخرطوم.. ألا تخافون الله كما خافه عمر.. بالتأكيد لا تخافون!

 

تأمل معي الصورة جيداً عزيزي القارئ ودعك من المسؤولين الذين ماتت ضمائرهم، تأمل هذه الصورة وعذراً إن لم تكن واضحة الملامح فصاحبها لم يكن يبالي بأن تعرفه وسائل الإعلام، تأمل هذا الشاب، متعكزاً على عصاه، يحاول أن يقطع المسافات، يمشى الخطوة ويتعثر في الثانية، يسير كاتماً أوجاعه وآلامه، وحاملاً وطنه بساقه الواحدة. هو بالتأكيد لم تخرجه أمعاءه الخاوية كما يروج الإعلام، لم يخرجه الوقود فهو شأنه شأن الكثيرين لا يملك حتى ثمن الدراجة الهوائية، لم يخرج طالباً قدماً اصطناعية عوضاً عن تلك التي فقدها ذات يوم، فما فقده الوطن عنده أثمن وأغلى، لم يخرج طالباً لوظيفة رغم أن البطالة التهمت شبابه المفترض حتى كاد يفنى، لم يخرجه الفقر رغم أن خط الفقر بات يستعرض بلادنا شرقاً وغرباً كخط الاستواء..   

 

ما أخرجه شاهراً هتافه هي بلاده التي تعاني وتحتضر، الذي أخرجه هو الوطن المذبوح على المنابر، الوطن الذي بات يتسول الخبز باسم أبناءه. ما أخرجه هي هموم شعبه التي تراكمت كما ديون الوطن السيادية وأثقلت الحمل على كاهل أبناءه الغلابة، ما أخرجه هي أحلام الملايين من العاطلين الذين نسوا حتى ما الذي درسوه في جامعاتهم، هي أحلام الذين أرهقت الغربة مضاجعهم وأضاعت أعمارهم، هي أحلام من قطعوا المتوسط بالأيدي والأقدام لأجل لقمة طيبة، هي أحلام طفل في العاشرة انتحر قبل عام في أحد شوارع الخرطوم لأنه فشل في أن يوفر ثمن العلاج لوالدته المريضة، هي أحلام "ستات الشاي" اللائي يمنين النفس بأمسية واحدة يقضينها مع صغارهن ..هي أحلام الصغار في دارفور بليلة واحدة هنيئة تكمل فيها الجدة حكاية ما قبل النوم دون أن تقاطعها أصوات المدافع والرشاشات، هي أحلام يتامى قضى آبائهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، هي أحلام المشردين بملابس تقيهم  نظرات الشفقة  وشر البرد القارص، هي أحلام كثيرة يحملها بساقه الواحدة ويمشي بها نحو المستقبل، نحو تحققها.

 

شاب صغير لم يبلغ الثامنة عشرة، خرج قبل أسبوع من اليوم، خرج شاهراً حنجرته وحاملاً ذات الأحلام بيمناه، سقط بوابل من الرصاص وفارق الحياة

أتساءل ماذا سيفعل عندما تداهمه قوات الأمن بالرصاص وقنابل الغاز، ما الذي سيفعله وهو بالكاد يستطيع الحركة، كيف سيفر من الاعتقال، بل كيف سيتملَّص من رصاصهم، وبأي أقدام سيركض عائداً إلى بيته، أم أنه لم يحمل هم العودة منذ البداية، يا إلهي ألم يعد إلى بيته ذلك المساء كما الأغلبية التي خرجت للتظاهر، أم اعتقلته أجهزة الأمن.. أم سقط شهيداً تحت وابل الرصاص وسيل الغازات المسيلة للدموع..لا أدري لا أدري والله.

 

في مشهد مشابه تماماً للذي في الصورة، شاب صغير لم يبلغ الثامنة عشرة، خرج قبل أسبوع من اليوم، خرج شاهراً حنجرته وحاملاً ذات الأحلام بيمناه، سقط بوابل من الرصاص وفارق الحياة، خرج علينا بعدها أئمة الضلال وأبواق السلاطين متجاهلين كل الظلم وحرمة الدماء ليتحدثوا باسم الله ويقولوا لنا بأن الفتى في النار!

 

حقاً؟! هل هو في النار، دعك من الأحاديث والأسانيد وكل ذلك، هل سيقف الله يوماً مع الظلمة ويترك المظلومين، أنظر إلى تلك الصورة لذاك الشاب واستفت قبلك وقل لي بعدها هل هو في النار حقاً، بينما أصحاب الكروش والوجوه المكتنزة والسيارات الفارهة والأيادي المُلطخة بالدماء في الجنة؟ّ! إن الله مع الذين اتقوا وليس مع الذين حكموا، بيوته هي المساجد وليست قصور كافوري وفلل الرئاسة، وهو أعدل بكثير من أن يضع مفاتيح جنته في أيديكم يا أئمة الضلال. ثم تذكروا أن الأحلام المشروعة لا يمكن أن تغتالها رصاصة، أو أن تمنع تحققها فتاوى مأجورة بحسب الطلب.. وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة