ليدبروا آياته.. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

18/1/2019

إن الحق سبحانه وتعالى لم ينزل القرآن الكريم على الناس ليفعلوا به ما نراه اليوم من وضعه على الرفوف، وتقبيله والتبرك به، وإقامة المسابقات الخاصة بحفظه وتجويده، وتلاوته في المناسبات والجنائز، واتخاذه مطية لاحتراف مهنة قصد كسب المال. وإنما أنزله سبحانه ليكون منهاج حياة، وسبيل نجاة، ومصدر علم ومعرفة وهداية وإرشاد، يرجع إليه المسلم متقربا من ربه، ومزكيا لنفسه، ومستبصرا لطريق الحق، ومميزا بين الحلال والحرام، ومدركا لحقوقه وواجباته، وباحثا عن حلول لمشاكل دنياه، وعن وسائل تعينه على التقدم والرقي في شتى المجالات. فالقرآن الكريم كتاب دين ودنيا، يضم من الكنوز والأسرار ما لا عد له، ومن المعارف والعلوم ما لا حد له، ولم يزل يرمي إلينا بجواهره ونفائسه كلما تقدم الزمن وتطورت وسائل البحث، فعجائبه لا تنقضي وخيره لا يفتر.


ولذلك دعا الله تعالى إلى تدبر آيات القرآن الكريم واعتبر هذا التدبر من غايات إنزاله للناس. قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) سورة ص، آية 29. وتدبر الآيات يعني التأمل فيها، والغوص في معانيها، والتعمق في فهمها. وهذا التدبر هو الذي جعل القرآن الكريم كتاب بحث ودراسة وتأمل من قبل علماء وباحثين من تخصصات مختلفة منذ نزوله إلى يوم الناس هذا.

 

فقد غاص في بحره المفسرون فما وصلوا إلى أعماقه، وجمع أوامره ونواهيه الفقهاء والأصوليون فصاغوها قواعد فقهية وأصولية مكتملة، ونظر في أسلوبه النحاة فأصلوا منه قواعد النحو واللغة، وتمعن في آياته الحكماء والشعراء فنظموا روائع الحكم والأشعار، وجال بين صفحاته المؤرخون فكان مصدرا من مصادر التاريخ عندهم، وتعمق في إشاراته علماء الحياة والأرض والفلك فرجعوا مذهولين مما وجدوه، وتناوله دارسوا الأديان وعلماء النفس والاجتماع والتربية وغيرهم فلم يبخل عليهم بعطائه.

كانت لغة القرآن وما تميزت به من بلاغة وفصاحة لم تعهدها العرب من أهم الوسائل التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله، وفي هداية وإرشاد الناس إلى الطريق المستقيم

ويعد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم من بركات هذا التدبر في آيات الله، ومن ثماره اليانعة التي زادت القرآن عظمة وسموا ورفعة، والإسلام عزا وبهاء ومكانة، وأكدت ربانية القرآن ونسفت شبهة نسبته لمحمد صلى الله عليه وسلم. ولكن ما يثير الانتباه في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هو حجم المعارضة والرفض التي يقابل بها تناول هذا الموضوع، ويواجه بها المتناولون له، والتي ما فتئت تزداد وتشتد في الآونة الأخيرة. ويمكن تقسيم المعارضين والرافضين لموضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم إلى صنفين رئيسيين:


الأول معاد للإسلام محارب له، لا يريد أن تظهر محاسنه للناس، ولا أن تبدو عظمته، أو تتأكد ربانيته، ويبدو ذلك واضحا من خلال كم السخرية من موضوع الإعجاز العلمي الذي هو عندهم إزعاج علمي، ومن خلال التعرض للباحثين فيه جرحا واستهزاء. وهؤلاء ترد عليهم مزيد التوافقات التي لا تنتهي بين ما يصل إليه العلم الحديث وبين ما هو مذكور في القرآن الكريم.


والثاني مدافع عن الإسلام، راغب في عدم المس به، أو التشويه بصورته، أو انتهاك حرمة القرآن الكريم. وهذا التيار الثاني غالبا ما يردد عبارة "القرآن الكريم في الأصل كتاب هداية" كلما أثير موضوع الإعجاز العلمي، وكلما توصل الباحثون لحقائق علمية مطابقة لما جاء في القرآن الكريم. يرددونها كرفض لكل ما قد يشكل في نظرهم صرفا للقرآن عن مقصده الأسمى الذي هو هداية الناس. وهؤلاء نقول لهم إن البحث في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا يتعارض مع مقولتكم تلك، بل على العكس من ذلك فإنه يتكامل معها، ويقويها ويدعمها. فالبحث في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هدى وأرشد أفواجا غفيرة من غير المسلمين إلى الإسلام، ودلهم على الله تعالى، حتى صار من أهم أساليب ووسائل الدعوة وجذب الناس إلى الإسلام في الغرب.


ولعل هذا من مظاهر عالمية القرآن الكريم وصلاحيته لكل زمان ومكان، ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان للغة العربية المكانة العظيمة، والقدر السمق عند العرب، وكانت سلاحا من أسلحتهم في مواجهة بعضهم وغيرهم، وكان لها تأثير مباشر وخطير في حياتهم، ولا أدل على ذلك من الخطب والأشعار التي كانت تقلب حياة المرء أو القبيلة العربية رأسا على عقب، ترفع الذليل، وتضع العزيز، وتشعل الحروب. والأمثلة على ذلك كثيرة وظاهرة في العصر الجاهلي والإسلامي.

 

ولهذا كانت لغة القرآن وما تميزت به من بلاغة وفصاحة لم تعهدها العرب من أهم الوسائل التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله، وفي هداية وإرشاد الناس إلى الطريق المستقيم، وقصة إسلام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه - بفضل سماعه لآيات من سورة طه - شاهد على ذلك. فكانت لغة القرآن كأسلوب هداية مناسبة وملائمة لظروف ذلك الزمن ومعطياته. أما في زماننا هذا فإن فصاحة اللغة وبلاغتها قد لا تلائم الأجيال المعاصرة التي فقد أغلبها الملكة اللغوية، فلم تعد مشاعره تتحرك لروعة أسلوب، أو دقة تعبير، وإنما تمجد العلم وتقدسه، وتسلم لنتائجه. فكان الإعجاز العلمي المكتشف في القرآن الكريم أسلوب هداية مناسب لأجيال هذا الزمان.


يدلنا هذا على أن القرآن الكريم يكتنز في آياته أساليب ووسائل هداية وإرشاد تلائم كل فترة زمنية وكل جيل من الأجيال، يستنبطها المبحرون في أسراره، والمتأملون في معانيه، والباحثون عن خباياه، ولا يتم ذلك إلا من خلال تدبر آياته. ومما يؤيد اكتناز القرآن الكريم لهذه الأساليب والوسائل، ومن تم لكثير من الأسرار والحقائق والمعارف، هو عدم تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو الذي نزل عليه - له تفسيرا كاملا وقطعيا يلغي كل محاولة بعده لبيان معانيه واقتناص إشاراته.

 

لا زال عطاء القرآن مستمرا لا ينضب ولا يفتر، لا يؤثر فيه تغير الظروف ولا الأزمنة ولا الأمكنة، ولا يحده تطور العلوم واتساع المعارف، ولا يوقفه عداء الحاقدين وتآمرهم

رويترز
 

ولهذا وجدنا الصحابة قد فسروا القرآن الكريم وتعمقوا في فهمه، والتقطوا منه إشارات خفية لا تدل عليها ظاهر الآيات. ومثال ذلك فهم ابن عباس رضي الله عنه من سورة النصر دنو أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما لا تدل عليه ظاهر الآيات. وجاء بعدهم التابعون ففسروا وأضافوا وتوسعوا في فهم القرآن الكريم. ثم تتابع العلماء من بعدهم فأضافوا وكشفوا واستخرجوا واستنبطوا، ولا زال الباحثون والعلماء في كل عصر يستخرجون معاني وأسرار ومعارف جديدة من القرآن الكريم خفيت عمن سبقهم، أو لم تدركها عقولهم، أو لم تصل إليها إمكانيات زمانهم.


وقد ذكر الشيخ متولي الشعراوي في مقدمة خواطره حول القرآن الكريم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين للناس من القرآن على قدر حاجتهم في البيان كالأحكام التكليفية التي يثاب المرء إن فعلها، ويعاقب إن تركها، أما ما يتعلق بكونيات الوجود وأسراره، فقد اكتفى صلى الله عليه وسلم بما علم هو نفسه، واكتفى بأن علم منها من وجد عنده استشرافا للفهم، ولكنه لم يشع ذلك ولم يعممه لأن العقول قد لا تتقبله.

 

ويضيف الشيخ الشعراوي: "والقرآن لم يأت ليعلمنا كيف نوجد أسرار الوجود، وإنما جاء ليكنز أسرار الوجود حتى تجيء العقول ذوات الاستعداد لأن تفهم السر لأنها حامت حوله بحركة الحياة، حينئذ يكون عطاء القرآن للسر عطاء مجذوبا إليه". ولا زال عطاء القرآن مستمرا لا ينضب ولا يفتر، لا يؤثر فيه تغير الظروف ولا الأزمنة ولا الأمكنة، ولا يحده تطور العلوم واتساع المعارف، ولا يوقفه عداء الحاقدين وتآمرهم. وصدق ابن مسعود حين قال: "من أراد العلم فليقرأ القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة