محمد سالم
محمد سالم
344

احتجاجات السودان وعودة روح الثورة للعرب

19/1/2019

منذ بداية احتجاجات السودان، هتف الشعب بصوت عالي واحد "الشعب يريد اسقاط النظام" في وجه عمر حسن البشير ونظامه الذين يحكمون السودان منذ 30 عاماً، إلا أن طُوال تلك الفترة والأوضاع الاقتصادية والمعيشية لم تبرح مكانها بل وتزداد سوءاً يوماً تلو الاخر. في عام 2011 عمت العواصم العربية مُظاهرات عارمة انبثق عنها ثورات في عِدة بلدان ومنها تونس ومصر وليبيا وسوريا، ودول أخرى كانت المظاهرات فيها أقل عنفاً فلم ترقى لمُصطلح ثورة مثل بلدان الأردن والبحرين والمغرب. أمّا السودان فبقيت علامات الاستفهام تحوم حوله، لماذا لم يخرج السودانيون في مظاهرات رغم أنهم يُعانون كذلك من الفقر والجهل والفساد الذي يستبيح كل مقدرات الدولة السودانية؟!

وكأن الإجابة جاءت بما أظهرته الأيام من خبايا القدر من ثورات مضادة، أجهضت الثورات العربية في وجه الظلم والفساد. وربما لو أن الثورة السودانية قامت تزامناً مع إخوتها لكانت وئدت معها ثم من وأين ومتى سوف تحيا ثورات العرب من جديد؟ لقد جاءت ثورة السودان لتُحيّي روح الثورة في أنفس العرب، بعدما خبت نار التغيير في نفوسهم وسلّم بنو عدنان بالأمر الواقع، الذي فرضته قوى الشد العكسي بمساعدة دول الغرب وبقيادة الولايات المتحدة. التي بدورها دعمت كل تلك القوى في اجهاض الثورات، وذلك لسببين.

إرادة الشعوب في الحياة أقوى من إرادة العسكر في البقاء والحكم، وقطرات دماءهم أكثر من رصاصات جنودهم الذين يسبحون بحمد من يُمسك طوقهم.

أولاً مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والامتيازات التي تحصلها جراء حكم هؤلاء الرؤساء، الأمر الذي يضمن ازدهارها الاقتصادي وبالتالي تفوقها العسكري وبسط نفوذها على اقتصادات العرب وضمان تبعيتهم لها. أمّا السبب الثاني فهو أن هؤلاء الرؤساء يُشكّلِون سوراً منيعاً يضمن أمن وسلامة اسرائيل ربيبة أمريكا في المنطقة، فمنذ أربعين عاماً وأكثر، لم تُطلَق رصاصة من تلك الدول تجاه إسرائيل. حتى تلك المعارك التي حصلت في 48 و67 دخلها العرب بضعف وخرجوا منها بنكبة ونكسة سببها تلك القيادات، فكما يقول اسحق رابين في مذكراته بأنهم احتلوا أراض بأكملها دون قتال، وأن العرب سمحوا لإسرائيل بالتسلح بالرغم من قدرتهم على مواصلة القتال.

أمريكا التي ترى بهذه الانظمة سبباً رئيسياً لهيمنتها على المنطقة، لا تأبه لدم يُراق أو إنسان يُعذب أو شعوب تُقصف وتُشرد، إن ما حرك أمريكا هو مصالحها ودون تلك المصالح يسقط كل شيء. الثورة السودانية كغيرها، خرج الشعب السوداني ليُطالبوا بحريتهم وحقوقهم من ثورات بلدانهم. لن أخوض في الأسباب كثيراً ولن أُعيد ما قاله الآخرون، ولكن سَأخُط بقلم حِبرهُ دمعي ويحركه قهري وألمي على وطني العربي. ما آلت إليه بلداننا الغنية بالثروات والثقافة والتاريخ الساطع المجيد، الذي جعله هؤلاء وطناً فقيرا يعتاش على المساعدات ويستورد حاجاته من الإبرة إلى المدفع ومن البذرة إلى القلم والورق.

أصبح وطني فقيراً حتى بثقافته، يشعر بالنقص لمجرد ذكر أنه عربي وأصبح لباسه وهيئته غربيّة حتى لسانه أصبح التكلم بلغة العرب يُثير الخجل، والتكلم بلغة شكسبير من الرُقي والحضارة. على مدار السنوات حكم العرب حُكام مخلدون لا يُزيحهم عن العرش غير الموت، وكأن نساء العرب لا تُنجب إلا عجوز خرف أو كهلاً أطرافه ترتجف، فأين الشباب الذي يُشكلون أكثرية في الوطن العربي! هنا لا أستشهد بدراسات لخبراء ومحللين سياسيين، وإنما أقول وأسال كأيّ عربي، لماذا نحن دون الآخرين؟ ولماذا العالم يختار من يحكمه ونحن علينا أن نقبل بمن يعين علينا؟ هل حقا نحن العالم الثالث ونحتاج تاريخاً جديداً ربما مئة أو ألف عام لنصبح من دول العالم الاول؟ وهل حقاً تسميتنا بالعالم الثالث هو فقط لعدم وجود عالم رابع وخامس!

أنا منذ خمسينَ عاماً
أحاولُ رسمَ بلادٍ
تُسمّى - مجازا - بلادَ العربْ
رسمتُ بلون الشرايينِ حينا
وحينا رسمت بلون الغضبْ.
وحين انتهى الرسمُ، ساءلتُ نفسي:
إذا أعلنوا ذاتَ يومٍ وفاةَ العربْ..
ففي أيِ مقبرةٍ يُدْفَنونْ؟
ومَن سوف يبكي عليهم؟
وليس لديهم بناتٌ..
وليس لديهم بَنونْ..
وليس هنالك حُزْنٌ،
وليس هنالك مَن يحْزُنونْ

  

هذا ما قاله نزار قباني ونُعيد سؤاله، ماذا لو أعلنوا وفاة العرب؟ الحقيقة تقول لن يحدث شيء فَهُم أبداً لا يزرعون ولا يحصدون، وأبداً لا يصنعون، ولم يُسجّل لهم بالمئة سنة الأخيرة أي اختراع أو اكتشاف.

العميد عمر البشير كغيره من رؤساء الأنظمة سيستخدم الرُصاص والهراوات والاعتقالات والاغتيالات لصد السودانيين وردعهم عن مطالبهم. لكن إرادة الشعوب في الحياة أقوى من إرادة العسكر في البقاء والحكم، وقطرات دماءهم أكثر من رصاصات جنودهم الذين يسبحون بحمد من يُمسك طوقهم. ثورة السودان جعلت رؤساء الأنظمة المجاورة تتحسس رؤوسها فهي تعلم أن نجاح ثورة السودان سيُهدد عُروشهم ويُجدد دماء الثورة في عروق أبناء شعوبهم. في مصر مدّد البرلمان حالة الطوارئ خشيةً - كما أرى - من انبعاث روح 25 يناير المجيدة في نفوس الشعب.

أمّا "دول الأرز" كما أسماها السيسي، فلا تلبث يوماً إلا وتتقرب من خادم البيت الأبيض وتستجدي عطفه بملياراتها ونِفطِها، لأنها تعلم أنها دون أمريكا لن تبقى في الحكم أكثر من أسبوعين، وهذا ما قاله ترامب بنفسه. إن استمرار ثورة السودان فُرض على السودانيين، فَهُم لن ينالوا بثورتهم مطالبهم فقط وإنما سينورون طريق العرب ويُزيلون غمامة سوداء أعمت أبصارهم. إذا ما انجلت هذه الغمامة، سيرى العرب من جدد نور الأمل وضوء فجر جديد يُعيد لهم أحلامهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة