بين الحكم المدني والعسكري.. هكذا تقلب السودان في أحضان الثورات

20/1/2019

خلال الأيام القليلة الماضية توجه أنظار الناس وبدأوا بالتساؤل عن دولة تُسمى السودان وعن طبيعة التظاهرات والاحتجاجات التي تجتاح مُدُنها مدينة تلو الأخرى، على الرغم من عدم وجود زخم وتغطية إعلامية كما يحدث في الثورات والاحتجاجات الأخرى.

بالإضافة إلى شغلهم الشاغل ونتاج تحليلهم لماذا تأخرت تلك الدولة العربية في الالتحاق بقطار الربيع العربي الذي مر بكل من مصر وسوريا وليبيا واليمن وتونس؟ تبقى العديد من التساؤلات المصحوبة بالاستفهامات الكبيرة عالقة في أذهان الكثير بما يختص بتلك المنطقة المثيرة للجدل. لذلك علينا أن نُوضح بعض النقاط حتى تكتمل الصورة في الأذهان، ولعل بعض التساؤلات تكون لها إجابات شافية.

تدهور الوضع الاقتصادي وهبوط غير معهود للعملة السودانية - وهي الجنيه مقابل الدولار الامريكي - ومصاحبة ذلك ضيق في المعيشة وانتشار صفوف الخبز والوقود..

ما يجب أن تعرفه عن السودان هو أنه ومنذ نيل الاستقلال من الحكم الانجليزي المصري، منذ الأول من يناير من العام ستة وخمسون وتسعمئة وألف، تداوله السُلطة بين حُكم عسكري وحُكم مدني بدافع ثلاثة فترات لكل حُكم. حيث كانت فترة الحكم المدني ثمانية عشر عاماً، والحكم العسكري خمسة وأربعون عاماً - وهو الحكم المُسيطر حالياً على السُلطة بقيادة الرئيس عمر حسن أحمد البشير. كما نشير بأن تاريخ تلك المنطقة حافل بعديد من الانتفاضات والثورات العظيمة ابتداءً من ثورة أكتوبر/تشرين من العام أربعة وستون وتسعمئة وألف، وحتى ثورة ديسمبر من العام تسعة عشر وألفين.

وبذلك يُعتبر السودان أول دولة عربية تنتفض وتُمهد لمفهوم الثورة ضد النظام العسكري الطاغي، وبذلك أول من تَستقبل الربيع العربي، وليس آخر من يلتحق بالركب الثوري كما يظن الكثيرين ويجهلون. الثورة الأولى التي كُتبت بالذهب في تاريخ السودان، ألا وهي ثورة أكتوبر/تشرين من العام أربع وستون وتسعمئة وألف، والتي أطاحت بحكم الرئيس الفريق إبراهيم عبود والذي كان رئيس لمجلس الوزراء آنذاك في الفترة التي ابتدأت من نوفمبر من العام ثمانية وخمسون وتسعمئة وألف وحتى سقوطه في عام ثورة أكتوبر الأخضر. وقد كان توليه للسُلطة نتيجة انقلاب هو في الحقيقة تسلم الجيش للسلطة من رئيس الوزراء آنذاك عبد الله خليل، عندما تفاقمت الخلافات داخل حزبه وخلافات مع الأحزاب الأخرى.

وكما يذكر التاريخ أن هذا الانقلاب بورك بواسطة الزعيمين، وهما السيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، والسيد علي الميرغني زعيم الختمية. كما وحَوَت فترة حكم الفريق إبراهيم عبود على كثير من الأحداث التي كانت لها أثر في الواقع السياسي السوداني، بحيث قام بتعطيل الدستور وتجميد الأحزاب السياسية وكما تفاقمت في عهده أزمة جنوب السودان، التي تَظهر جلياً في رفض الجنوب لأي توجه لتعريب القطاع وأسلمته. جميع تلك السياسات والتصعيدات السياسية في الساحة كانت كفيلة بأن تؤدي إلى توليد ثورة أكتوبر الأخضر. تلك الثورة التي تُعنوَن دائماً بشهيدها المعروف والذي أصبح أيقونة تلك الثورة آنذاك وحتى الآن، الطالب المُناضل أحمد القرشي طه. كان الشهيد يدرس بجامعة الخرطوم آنذاك، والتي تسمى قديماً بجامعة غردون التذكارية.

وضعت تلك الثورة الحكومة تحت ضغط كبير، مما اضطر مؤخراً الفريق عبود إلى تسليم السُلطة سِلمياً وتكوين حُكومة انتقالية وبذلك تُوجَ السودان بالحكم المدني الثاني حسب إرادة الشعب وتطلعه نحو وطن يُحكم بحكومة تقدمية مستقلة. نحن عندما نتحدث عن ثورة أكتوبر إنما نتحدث عن مدى وعي الشارع السوداني وحنقه تجاه القمع وكبت الحريات التي تُمارسها أنظمة الحكومات العسكرية التي حكمته.

وإذا تحدثنا عن ثورة أكتوبر فلا بد وأن يُسلط الضوء على ثورة أخرى، لا تقل بَريقاً ولمعاناً عن ثورة أكتوبر. تلك الثورة هي من أطاحت بنظام عسكري آخر، ألا وهي ثورة أبريل نيسان للعام خمسة وثمانون وتسعمئة وألف، والتي أطاحت بنظام المشير جعفر أحمد نميري والذي حكم منذ مايو تسعة وستون وتسعمئة وألف بانقلاب عسكري على حكومة سر الختم خليفة، حتى أطاح به ثورة أبريل. كما أن العهد المايوي اتصف أيضاً بعدم استقرار الأوضاع السياسية وكذلك انهارت الأوضاع الاقتصادية وكل تلك الأسباب مجتمعة كانت سبب في تحرك الشارع السوداني وانتفاضته.

غير متناسيين بأن الشرارة بدأت برفض المواطنين آنذاك وتسييرهم لمظاهرات هي الأخرى تَلي التظاهرات التي سيرت بواسطة طلاب جامعة أم دُرمان الإسلامية مناهضةً لذلك الحكم العسكري. والذي هو حليف للبنك الدولي وأمريكا، وبذلك انضم طلاب الجامعات الأخرى وكذلك النقابات المختلفة. تعرضت تلك الثورة أيضاً للقمع الشديد بواسطة أجهزة أمن النميري، وكان آنذاك الرئيس في رحلة علاجية بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان من نتاج ذلك القمع المهول العديد من الاصابات في صفوف المواطنين الأحرار وسقوط خمسة قتلى. 

كحال معظم الحكومات الدكتاتورية، كان لا بد من أن يُقابل المتظاهرين والنشطاء السودانيين شتى وسائل القمع والترهيب مصحوبة بالاعتقالات وسقوط العديد من القتلى.

رويترز


فما كان من ذلك إلا أن أجج نار الثورة وتدافع المتظاهرين بصورة أكبر، نتج عن ذلك تسليم السُلطة بواسطة المشير عبد الرحمن سوار الدهب للشعب، والذي كان آنذاك وزيراً للدفاع، ليقود الفترة الانتقالية والتي عَقبت بالحكم المدني الثالث للسودان بواسطة أحمد الميرغني. وبذلك نشير بأن الانقلابات العسكرية في السودان لم تترك للحكم المدني سوى ثمانية عشر عام، ونشير بأن آخر ديمقراطية حكم مدني وئدت بواسطة حكومة الإنقاذ الوطني نتيجة انقلاب يوينو من العام تسعة وثمانون وتسعمئة وألف. هذا الانقلاب كان بقيادة العقيد عمر حسن أحمد البشير، بتدبير من العراب الأستاذ حسن الترابي وهو الحكم الذي يحكم السودان حتى الآن.

أيضاً لم تشهد هذه الفترة استقراراً سياسياً واقتصادياً وكثرت حركات التمرد المسلحة في كل من دار فور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشمالية. كما تفاقمت مُشكلة جنوب السودان مما أدى ذلك إلى انفصاله عن الشمال في عام إحدى عشر وألفين، لذلك صحبت تلك الفترة من الحكم العديد من الاحتجاجات المناهضة للوضع الاقتصادي والسياسي المترديين، وأبرزها احتجاجات خمسة وتسعون وتسعمئة وألف بعد خمسة عام فقط من حكم الإنقاذ.

بالإضافة إلى احتجاجات عام إحدى عشر وألفين ضد رفع الدعم عن المحروقات، واحتجاجات اثني عشر وألفين وختاماً بانتفاضة التاسع عشر من ديسمبر من العام ثمانية عشر وألفين، والتي تطالب برحيل نظام الإنقاذ بقيادة المشير عمر حسن أحمد البشير، وذلك بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وهبوط غير معهود للعملة السودانية - وهي الجنيه مقابل الدولار الامريكي - ومصاحبة ذلك ضيق في المعيشة وانتشار صفوف الخبز والوقود والصرافات الآلية ومشكلة نقد في البنوك في مختلف ولايات السودان.

وبسبب هذه الأزمة الاقتصادية وتردي الوضع السياسي أيضاً بصددها تحرك الشارع السوداني باحتجاجات سلمية حسب الحق الذي يكفله له الدستور السوداني، مطالباً بحقوقه الاقتصادية والسياسية معاً. وبذلك يرى الشارع الآن أن تلك الضائقة الاقتصادية والتوتر السياسي في المنطقة سيحل بسقوط النظام الحالي وتطبيق رؤية جديدة بواسطة نظام جديد يضمن للشعب السوداني ويحقق له مطلب الحرية والسلام والعدالة، الذي يُنادي بها في الشوارع. وكحال معظم الحكومات الدكتاتورية، كان لا بد من أن يُقابل المتظاهرين والنشطاء السودانيين شتى وسائل القمع والترهيب مصحوبة بالاعتقالات وسقوط العديد من القتلى في ظل نيل ديمقراطية حكم مدني رابع، ليُكتَب للسودان تاريخ جديد يُسطّر بواسطة جيل جديد هو الآخر على درجة عالية من الوعي متطلع نحو سودان أفضل.

تعتبر انتفاضة التاسع عشر من ديسمبر من العام تسعة عشر وألفين نقطة تحول آخر، بحيث أثبتت مدى مقدرة الشباب السوداني على إدارة عمل ثوري سِلمي ودون إدخال البلاد في فتنة مُسلحة وهو بروبغاندت النظام التي يُخوف بها المواطنين، ليردد في مسامعهم عبر المؤتمرات والمنابر المختلفة. وذلك حتى لا يكون الحال مثل سوريا واليمن وليبيا، وحتى لا يكون الحال مثل سوريا واليمن وليبيا، وإنما يُفعل ذلك حِفاظاً على حُكمه الذي هو لا مُحال زائل بإرادة الشعب التي تلي إرادة الله سبحانه وتعالى، وهل سيدوم الحكم وهل دام من قبل؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة