رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
1 k

كيف فشلت المعارضة السياسية والحكومة معاً في فهم ما يجري في السودان؟

21/1/2019

يشهد السودان هذه الأيام احتجاجات شعبية عارمة شملت كل مدن البلاد تقريباً، وهي الأوسع انتشاراً والأطول زمناً منذ آخر ثورتين شعبيتين أطاحتا بنظامين عسكريين في البلاد. الأولى في أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود والثانية في أبريل 1985 ضد نظام المشير جعفر النميري. الاحتجاجات الشعبية هذه المرة مدفوعة ظاهرياً بما تشهده البلاد من ندرة في الخبز والوقود والسيولة النقدية، حيث امتدت صفوف السيارات لمئات الأمتار أمام محطات الوقود وتزاحم المواطنون أمام الأفران لشراء رغيف الخبز بينما عجزت البنوك عن صرف مرتبات العاملين في الدولة والمودعين بدعوى عدم وجود سيولة نقدية. ربما كانت هذه الأسباب القشة التي قصمت ظهر البعير فحسب، ولكن المسألة أعمق من مجرد انعدام الخبز والوقود والسيولة النقدية، فهناك عوامل جديدة أسهمت في تعقيد المشهد السياسي السوداني. فشل الحكومة والمعارضة معاً في استيعاب الحراك الشعبي من ناحية وأقرب سيناريوهات المخرج من الوضع الراهن هو ما سنتطرق له في هذه المدونة.

 

مع زيادة الحراك الشعبي واكتسابها الزخم من أكثر شرائح المجتمع حيوية وهم الشباب، تزداد المعركة سخونة على هامش هذا الحراك بين اليساريين (المعارضة) والإسلاميين (الحكومة). فاليساريون استخدموا كل الأساليب للإطاحة بحكومة الرئيس البشير – المحسوبة على الإسلاميين - خلال الثلاثين سنة الماضية ولكنهم فشلوا تماماً. الآن وقد حمي الوطيس واكتسب الحراك الشعبي زخماً فقد نزل اليساريون بقوة مستخدمين كل كوادرهم وخبراتهم ومستغلين الغضب الشعبي ضد الحكومة وفشلها في تحقيق الرفاه. غير أنهم كثيراً ما يكشفون أوراقهم كلما نضح ماعونهم بكراهية التيار الإسلامي عموماً وتجلى ذلك في هتافاتهم المعروفة ضد "الكيزان"، فضلاً عن الوعيد الغليظ لكل من انتسب إلى التيار الإسلامي منذ أيام الجبهة الإسلامية!

 

موقف الحكومة يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم، وهي قد سقطت بالفعل أخلاقياً بعد أن تجاهلت مطالب الشعب كما تفعل الأنظمة الدكتاتورية تماماً

الحكومة السودانية من ناحية أخرى عجزت تماماً عن مواجهة الحقيقة والتصرف بشيء من العقل، بل عجزت عن استيعاب ما يجري على الأرض. فهي لا تفتأ تخيف الناس من "الشيوعيين" مستغلة بعض هتافات الشيوعيين لإيهام الناس بأن المظاهرات الشعبية وراءها الشيوعيون! هذا فضلاً عن التصريحات المستفزة من المسؤولين السودانيين واستخدام العنف في مواجهة التظاهرات بدلاً من استخدام الحكمة في إجراء بعض التنازلات لامتصاص الغضب الشعبي. التصريحات المستفزة لا تزيد نار الحراك الشعبي إلا اشتعالاً.

 

لقد فوجئ كل من اليساريين المعارضين والإسلاميين الحاكمين بجيل جديد من الشباب السوداني الذي ولد بعد استيلاء البشير على السلطة، وهو جيل ما بعد الإنترنت أو جيل الذكاء الاصطناعي. بفضل هذا الجيل أصبح الشعب متقدماً في وعيه على كل التيارات السياسية. ولعل من تجليات فشل الحكومة في استيعاب ما يحصل على الأرض أن رجال الأمن يستخدمون قوة مفرطة ضد المظاهرات السلمية وكميرات الهواتف النقالة تصور حتى وجوه الجلادين، مما فوت على الحكومة تلفيق نسختها عما يجري على غرار ما كان وما يزال يجري في جبال النوبة ودارفور حيث أبيدت قرى بأكملها عن وجه الأرض قذفاً بطائرات الانتينوف روسية الصنع دون أن يعرف الشعب السوداني، ناهيك عن المجتمع الدولي، ما يجري على الأرض، وكان دائماً للحكومة نسختها النافية لكل شيء وقد يصدقها الناس لغياب المعلومة!

 

ويبدو أن الحكومة مرتبكة حتى هذه اللحظة، غير قادرة على تقديم خطاب جديد بخلاف مفرداتها المفرغة من المحتوى. فهي تتهم عبد الواحد محمد نور قائد جيش تحرير السودان – وهي حركة دافورية محدودة، وتتهم الشيوعيين بأنهم وراء ما يجري، بينما المعلومات متاحة للشعب لحظة بلحظة عن أي حركة في كل مدينة وفي كل قرية. لذلك فقدت الحكومة هيبتها تماماً وأصبح خطابها بائساً غير مستصاغ حتى لأنصار الحزب الحاكم.

 

يبدو أن التنظيمات اليسارية والليبرالية التي تشكل المعارضة السياسية بشقيها المدني والمسلح، بدورها أيضاً تعيش في الماضي وربما طول مكثها خارج البلاد قد فوت عليها فرصة إدراك الكثير من التحولات الجيوسياسية في البلاد خلال الثلاث عقود الماضية. فهؤلاء بعد أن رأوا أن "الفريسة" على وشك أن تقع علا صوتهم بنبرة العلمانية. أبرزهم عبد العزيز الحلو القائد العسكري للحركة الشعبية شمال وكذلك ياسر عرمان وكلاهما يمثلان رموز التيار اليساري. وبقدر ما أن شعار الإسلام قد استنفذ في السودان تماماً فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن العلمانية ستكون البديل! لقد فات على المعارضة اليسارية والعلمانية عموماً أن الجماهير التي خرجت إلى الشوارع لم تخرج لمعاداة أيديولوجيا أو مناصرة أيديولوجيا. بمعنى أن الأيديولوجيا ليست في جدول أعمال المواطن العادي، وإنما شعار المواطن هو "حرية، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب". هذا فضلاً عن أن الوعي وسط الجماهير بتعاليم الإسلام السمحة بعيداً عن الشعارات الجوفاء التي ترفعها الحكومة ليس من الأمور التي يسهل القفز عليها لتحويل هذا الحراك الشعبي العارم إلى مجرد مناصرة للعلمانية!

 

الطريقة الوحيدة للتأكد من عدم التفاف الحكومة على مطالب الشعب وإعادة تدوير نفسها هي صدور تأكيدات بهذا المعنى من القوات المسلحة بعد إجراء مشاورات موسعة مع القوى السياسية

إذن، موقف الحكومة يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم، وهي قد سقطت بالفعل أخلاقياً بعد أن تجاهلت مطالب الشعب كما تفعل الأنظمة الدكتاتورية تماماً. والمعارضة السياسية بنفس القدر ستعزل نفسها كلما انحازت لأجندتها هي وإلى سجالها العقيم مع الإسلاميين بدلاً من تبني أجندة الشعب. وإزاء هذا الوضع المتأزم ومع تعاظم الحراك الشعبي الذي تزيده القمع اشتعالاً تبقى سيناريوهات الخروج محدودة جداً.

 

المتظاهرون رفعوا شعار #تسقط_بس بمعنى لا شيء غير سقوط الحكومة. ولكن عملياً سقوط الحكومة لن يكون بهذه السهولة وليس من العقل أن يستيقظ الناس صباحاً ليجدوا الحكومة قد ذهبت هكذا على غرار ما تنشده المعارضة! لابد من جهة ما تستلم الحكم لضمان الأمن وعدم إنفلات الأمور بما لا يحمد عقباه، إلى حين ترتيب الوضع لممارسة سياسية رشيدة يساهم الكل في وضع أسسها. والجهة الوحيدة المؤهلة لاستلام السلطة في الوقت الراهن هي القوات المسلحة. ولكن هناك هجوم شديد من المعارضة على القوات المسلحة بأنها أصبحت مسيسة خلال السنوات الماضية، بما يفيد ضمناً أن على الحكومة تسليم مفاتيح الحكم للمعارضة! هذه ليست مسألة مستحيلة فحسب وإنما التفكير في حد ذاته هو منتهى السذاجة.

 

تدخل القوات المسلحة لتأمين الوضع وضمان انتقال السلطة مسألة لا مفر منها، والطريقة الوحيدة للتأكد من عدم التفاف الحكومة على مطالب الشعب وإعادة تدوير نفسها هي صدور تأكيدات بهذا المعنى من القوات المسلحة بعد إجراء مشاورات موسعة مع القوى السياسية لتكوين حكومة تكنوقراط تدير مرحلة انتقالية تمهيداً للدخول في مرحلة ما بعد حكومة الإنقاذ الوطني التي حكمت البلاد لثلاثة عقود.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة