عبد الماجد العالول
عبد الماجد العالول
261

إنسانية تحت نيران المجزرة.. غزة

22/1/2019

كان السادس من يناير للعام 2009م يوماً مأساوياً من أيام العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بل كان الأشد في هذا العدوان الذي امتد من 27/12/2008 إلى 18/1/2009م، وكعادتها منذ صباح اليوم كانت طواقم جمعية السلامة الخيرية منتشرة في كافة مستشفيات قطاع غزة على مدار الساعة تقدم خدمات الإغاثة الطبية غير المتوفرة في المستشفيات للمصابين وفق خطة طوارئ تم إعدادها والتجهز لها مسبقاً، وكعادتي كمدير عام للجمعية أتنقل بين هذه المستشفيات لأتفقد الأوضاع وأتابع عمل فرق عمل لجان الإغاثة الطبية التابعة للجمعية وعند لحظة وصولي إلى مستشفى كمال عدوان في محافظة شمال غزة شاهدت سيارات الإسعاف وهي تنقل ثلاثة من الشهداء والإصابات لأشخاص أعرفهم ويسكنون بجوار بيتي في منطقة مشروع بيت لاهيا.

 

قام فريق الإغاثة الخاص بالجمعية بتقديم ما يلزم للمصابين وبعد اطمئناني على فريق العمل والتأكد من أن الأمور تسير بالطريقة الصحيحة غادرت المستشفى باتجاه المقر الرئيس للجمعية في محافظة غزة وفي طريقي وقبيل الوصول إلى مدرسة الفاخورة بما يقرب من 200 متر اهتزت الأرض بشكل عنيف إثر استهداف قوات الاحتلال لتجمع من المواطنين النازحين إلى مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وإذ الأرض مفروشة بأشلاء الشهداء والمصابين في مشهد تقشعر منه الأبدان وترتعد فيه الأفئدة ويبرز فيه الإجرام بأبشع صوره، لكنها رباطة الجأش وثبات الإنسانية التي دفعتني بقوة مع فريقنا للمساعدة في عمليات نقل المصابين إلى مستشفى كمال عدوان.

 

لم نعد إلى منزلنا إلا بعد أربع شهور تقريباً متفانين في خدمة هذه الفئة التي زاد عددها في ذلك العدوان عن 5400 جريح، إنها الإنسانية تتجلى في أفضل صورها فلن يشوشها الخوف أو التردد ولن يكسرها العدوان

ونظراً لكثرة عدد المصابين والشهداء بدء مستشفى كمال عدوان بتحويل الحالات إلى مستشفى الشفاء وسط نقص كبير في المستلزمات الطبية والأدوات المساعدة، مما استدعى ذلك الذهاب إلى مخازن الجمعية لتزويد المستشفيات بما يلزم من هذه الاحتياجات وفي طريقي إلى مخازن الجمعية وقبل الوصول إلى مفترق السامر في مدينة غزة بحوال 150 متر تم استهداف سيارة مدنية استشهد فيها اثنين من المواطنين بعد اشتعال النيران فيها، لكن هذا لم يُوقفنا عن الاستمرار في عملنا حيث تزودنا بالمستلزمات الطبية والأدوات المساعدة وذهبنا إلى مستشفى الشفاء لتزويد طواقم الإغاثة بالاحتياجات الطارئة ومتابعة عمليات الإغاثة عن كثب، حيث أسفرت المجزرة عن استشهاد 43 شهيد وإصابة عشرات الأشخاص.


ونظراً لعدم تمكني من رؤية أهلي لأكثر من 9 أيام بسبب العدوان الإسرائيلي طلبت مني والدتي في ذلك اليوم والذي يوافق يوم تاسوعاء أن أشاركهم الإفطار بعد الصيام، وقبيل المغرب حاولت أن أجد سيارة أجرة توصلني إلى بيتي فلم أجد فالجميع في حالة خوف شديد بسبب دموية الاعتداءات ولم أجد طريقة للوصول إلى بيتي وأنا صائم إلا المشي لمسافة تزيد عن 8 كم، وقبيل وصولي إلى المنزل بمسافة 300 متر وبالقرب من مدرسة الفاخورة اهتزت الأرض بعيد صلاة المغرب وغرقت المنطقة في الظلام والدخان وبعد وصول سيارات الإسعاف والدفاع المدني ترجلت معها لأساعد في عمليات الإنقاذ، وإذ بي أتفاجأ بأن الاحتلال استهدف بيت عمي المقابل لبيت أسرتي مباشرة وأن بيت أسرتي قد تضرر ضرراً بليغاً، وعند دخولي إلى منزلنا محاولاً إنقاذ من فيه فلم أجد سوى بقايا سفرة الإفطار التي امتلأت بالغبار.

 

وقد تم إبلاغي بأن والدتي وأخي الطفل ذو الستة شهور قد أصيبا وتم نقلهما بالإسعاف إلى مستشفى كمال عدوان، وعندما وصلت إلى مستشفى كمال عدوان وجدت فرق الإغاثة الطبية التابعة لجمعية السلامة الخيرية تحمل الطفل الرضيع المصاب وتسقيه الحليب بعد إجراءات المستشفى الأولية له، كما وجدت والدتي في غرفة العمليات تتلقى العلاج اللازم، ولم يكن يعرف فريق السلامة في تلك اللحظة أن هذا الطفل هو شقيق مديرهم وأن هذه المرأة هي والدته، وقد تفاجئوا بذلك عندما لمسوا دمعة عيني تسيل وأنا أقول الحمد الله الذي عافنا مما ابتلى به كثيراً من خلقه وفضلنا تفضيلاً، وبعدها تم إخلاء الوالدة وأخي من المستشفى بسبب حالة الطوارئ وقد ذهبت بهم إلى منزل أحد أقربائنا وعدت لأتابع عملي بعد ساعة من الاطمئنان على أهلي، فهذا كان حافزاً لي ولفريق العمل لبذل مزيدٍ من الجهد لإغاثة المصابين، حيث تابعنا عملنا ولم نعد إلى منزلنا إلا بعد أربع شهور تقريباً متفانين في خدمة هذه الفئة التي زاد عددها في ذلك العدوان عن 5400 جريح، إنها الإنسانية تتجلى في أفضل صورها فلن يشوشها الخوف أو التردد ولن يكسرها العدوان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة