صوفيا خوجاباشي
صوفيا خوجاباشي
776

الثورة على الذات.. قراءة في فلسفة التحولات الفكرية

29/1/2019

في فلسفة التحولات الفكرية، تبقى الإجابات المفسرّة لسلوك التمرّد على مكتسبات الذات من الحياة، ليست ذات قيمة، عند الذين وجدوا في التحول من الشيء إلى نقيضه المتطرف خلاصاً لهم، أو هروباً انعتاقياً إلى فضاء هو حر بمقدار وعيهم به، وحاجتهم منه، ورغبتهم في البقاء ضمنه.

 

إنه كسر أوجاع موجعٍ، شدته أقوى من الصدمة الروحية، وأخف من الصراعات الوجودية. فيما يصبح الرصد الدقيق لتلك الأحوال من الأهمية في مكان. خاصة وأن التغيرات الفكرية ليست إلا جزءاً من متغيرات ديناميكية، تحرث في العمق العربي حرثاً.

 

فعل التغير ضمن المجتمعات لا يرتبط دائما بالحركة الثورية، وهو ديمومة مستمرة ومتعاقبة، تعود إلى الطبيعة الإنسانية التي تؤثر وتتأثر وتتغير باستمرار

لقد تابعت بتعاطف كبير وثائقي –في سبع سنين- الذي عرض مساء الأحد على قناة الجزيرة، ودون الخوض في تفاصيله الفنية، إلا أن فريقه نجح في رصد جزئية هامة للارتدادات النفسية والاجتماعية التي عصفت بالمجتمع العربي في سنواته الثماني الأخيرة. ليناقش -وإن اتخذ من مصر أنموذجاً-، حالة فكرية واجتماعية عربية، تشترك فيها معظم البلدان العربية حتى تلك التي لم تبصر شعاع الثورة يوماً.

  

فنحن شئنا أم أبينا، نعيش في خضم ثورة من نوع آخر، على الذات والقيم والشعور والمعتقدات والثوابت. وهو ما طرحه الفيلم من خلال اشكاليتين رئيسيتين: الأولى.. في طبيعة الانتقال من الشيء إلى نقيضه، معللا بأسباب نفسية أكثر منها عقلانية، والثانية.. في الثورة كمرتكز لهذا الانتقال من مقاربات الحرية والوعي بالذات والمجتمع والوطن، وما قابل ذلك من انكسار لليقين واحباط تعلو جبينه آثار الخيبة والهزيمة الملحقة بالإحباط والفشل.

 

كل ذلك جعل الشباب المغدور من نخبه، وإعلامه، وشيوخه، كغريق في آخر لحظاته.. يحاول التقاط أنفاسه ومياه البحر تدفعه إلى حتفه. أو مرآة روح تكسرت أمام صورة الحقيقة الموحشة. ليترجم ذلك إلى ردة فعل تتشابه في مؤداها المعنون بالانزلاق الفكري والاعتقادي، وتختلف في السياق الذي عبر عنه كل من هؤلاء رداً على ما أصابته الصدمة في نفوسهم. فيما يمكن اعتبار أن القاسم المشترك بينهم هو عدم اليقين، والتشتت وهو ما كان بادياً في عيونهم ونظراتها التائهة على أقل تقدير.

 

كما يطرح الموضوع أسئلة مقتبسة من صلب دينامية التغير، وضمن هذه الإشكالية، تتمحور حول علاقة الثورة بالتحولات الفكرية الموجودة ما قبل 2011 وإن كانت بنسب ضئيلة أو مستترة، وعلاقة الثورة بنشوء القابلية إلى التطرف الديني، وهو ما يفتح باباً لشيطنة أي حراك ثوري.. وتشويه صورته إذا ما لم تتم المعالجة العلمية والفلسفية للرابط بين الثورة وارتداداتها.

 

وهو ما يحصل فعلاً ضمن استراتيجية خلق فجوة بين المجتمعات والثورة وطموحات التغيير، باعتبارها شراً مطلقاً لا يجلب إلا الخراب للوطن والمجتمع. تلك النظرية التي تتبع لمكافحة هذه البذرة قبل نموها في البلدان العربية التي لم تشهد ثورات بالمعنى الحقيقي، أو تم وأد محاولاتها قبل أن تبدأ. إلا أن ذلك أيضا أفرز تمرّداً شبيهاً بما يحدث في مجتمعات تعرضت لتجربة الثورة وعاشتها.

  

الإجابة على هذه الأسئلة تتضمن عدة نقاط:

أولاً إن فعل التغير ضمن المجتمعات لا يرتبط دائما بالحركة الثورية، وهو ديمومة مستمرة ومتعاقبة، تعود إلى الطبيعة الإنسانية التي تؤثر وتتأثر وتتغير باستمرار إلا أن الثورة بوصفها فعلاً جماعياً مكنت من خلال قوتها الجماعية ( أو قوة الأعداد الكبيرة) من تجاوز الإطار الضيق للفكر "العقلاني" بحسب وصف "آصف بيات" في كتابه "ثورة بلا ثوار" لذا يمكن القول أن الثورة لعبت دور المحفز لدى الطبقات التي كانت مهمشة في مجتمع ما قبل الثورة والمتمثلة إلى حد كبير بالقاعدة الشبابية، ليجدوا في التمرد الثوري سلاحاً لتغيير كل شيء و أي شيء.

 

الثورات وإن بدأت شعبية، إلا أن فرص استمرارها تبقى محصورة بعملية تنظيم المسار الثوري، من حيث الأفكار والأطروحات والاجتماع على قيادة واحدة

النقطة الثانية وهي الأهم، تلقي بنوع من الاتهام على الثورة كأداء، أو على الأداء الثوري العشوائي بشكل عام، الذي لم يمتلك أدوات الاستمرار. فالثورات وإن بدأت شعبية، إلا أن فرص استمرارها تبقى محصورة بعملية تنظيم المسار الثوري، من حيث الأفكار والأطروحات والاجتماع على قيادة واحدة، واستشراف مستقبل جامع لكل الطبقات والاتجاهات الثورية.

 

بينما كان ذلك معدوماً في التجارب العربية جميعها، ومن أسباب ذلك انفصال النخبة عن الشباب، وارتفاع صوت التشويش المضاد، الذي كان سبباً هاماً في خلخلة الحكم الثوري، وسحق الثورة المضادة للأحلام اليافعة التي اكتشف البعض أنها مجرد وهم ومحاولات مقاومة بائسة.

 

النقطة الثالثة هي في قضية التطرف الديني، أو النزعة إلى حمل السلاح، والتي لا تعتبر نتاجاً مباشراً للثورة، بل انعطافاً سببته مظاهر القمع والظلم واستخدام الأنظمة الاستبدادية لآلة العنف ضد المدنيين، أفرزت نزعة إلى العنف المضاد خاصة مع تنامي الدعاية المنظمة للتنظيمات الجهادية المخترقة إلى النخاع من أجهزة الاستخبارات العالمية.

  

النقطة الرابعة تتلمس واقع مجتمعاتنا، من الناحية الدينية والثقافية التي تشكل جملة الموروثات التي يحملها المجتمع العربي، كالنظرة إلى الدين، الإسلام السياسي، الحجاب، الجهاد، وقدرة القاعدة الشبابية على خوض هذه الاختبارات الفكرية، دون أن يكون للثقوب السوداء كتأثير الإعلام المضلل وشيوخ السلطان والعادات البالية والتقاليد المتعصبة تأثير على سبر أغوار الواقع والوصول إلى بر الأمان.

  

أما بالنسبة إلى الحلول، فلربما لا تكون في متناول اليد الآن، أو حتى قابلة للتطبيق، ما لم تنته موجة الزلازل المتلاحقة في العالم العربي، وإلى أن يستقر الحال سنبقى في خضم الاهتزازات الاجتماعية والفكرية التي قد تستمر لسنوات طويلة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة