محمد أمزيل
محمد أمزيل
253

كيف نفهم الصراع الفلسطيني الصهيوني بمنظار الفلسفة؟

31/1/2019

تُسيطر القوة على الحاضر، وتسعى للتمدد أكثر كإرادة تهدف للتحقق على أرض الواقع، على حساب ذوات ضعيفة، التي تُصبح مجرد مواد في هذا التحقق. وهذا ما أكده وجود الإنسان على الطبيعة، فبقوته الكامنة في عقله حقق سيطرته على باقي الكائنات التي أصبحت مجرد مواد تدخل ضمن هذا التحقق والتمدد، ولكن، ولأن الحيوانات لا تشعر بوجودها المستقِل فإنها لا تُقاوم إلا كردة فعل ميكانيكية تخفت كلما تجاوزت القوة المسلطة عليها عتبة الصمود لهذا الكائن.


لم تَحصر القوة العقلية في التمدد على حساب الطبيعة، وإنما صارت تُدخل الإنسان ذاته كمادة في هذا التمدد والاستمرار، مما يجعل الكائن الإنساني هنا في طرفين، طرف المُؤَكد للقوة العقلية والطرف الصائر مادة في تمدد القوة. لكن الإنسان في الطرف الثاني ليس كالحيوان الذي لا يشعر بوجوده، وإنما على عكس ذلك يشعر بكينونته مما يُعطيه اعتقادا بتجاوزه للمادة، وهذا الاعتقاد يُولّْد في سيكولوجيته مأساة، تستشعر لامعقولية التحول لمادة. 

الشعب الفلسطيني هو ذات مستضعفَة، لا تملك قوة لتُواجه القوة العقلية أو اللوغوس الذي يملكه الكيان الصهيوني. ولكن في داخلها شعور بالذاتية وحق الاستمرار في الوجود

إن هذا الشعور المُخالف للإحساس الحيواني، يقود الإنسان المستضعَف إلى أن يقاوم بطريقة تتعالى على مقاومة الكائن الحي المحدودة بشكل ميكانيكي. أي أنها تخترق ذلك الإطار المحدود بالانعكاسية الميكانيكية، إلى مقاومة تنفلت نحو المستقبل دائما، وتتحدى القوة وتُحاول إلغاءه، وهذا ما يجعلها تتمحور حول الذات كقيمة لها وجود أسمى من المادة. 


يُجَسِّد الصراع بين فلسطين كشعب والكيان الصهيوني كدولة، ذلك التضاد بين قوة عقلية تُحاول التأكيد وذوات مُستضعفَة تُقاوم لتأكيد وجودها. إنه صراع لا يُعطي صورة عن قتال متباين القوى، وإنما يُؤكد صيغة الاختلاف بين الرؤية العقلية التَّمددية التي تسعى إلى الاستمرار ودمج كل شيء في رؤيتها، وبين الرؤية الشعورية المقاومة التي تهدف إلى تأكيد وجودها وأهميتها كذات لا تقبل الحاضر وتنفلت نحو المستقبل. 


إن الكيان الصهيوني يستحوذ على الحاضر بقوته العقلية التي تتجسد في ترسانته التكنولوجية -سواء في المجال العسكري أو السياسي أو الاقتصادي المندمج في الرأسمالية العالمية- وهذا ما يجعل وجوده واضحا كقوة تسعى للتمدد أكثر مكانيا وزمانيا مُعتمدة كل الاعتماد على اللُّوغوس الذي يستطيع الظهور في الوسائل الاضطهادية والنظامية والتواصلية، التي تبتغي تحويل الذوات المستضعفَة إلى مواد في تمددها هذا. 


إن الإطار المكاني الذي تموضع فيه الكيان الصهيوني كمنطلق للتمدد، لم يكن فارغا، بل كان يتضمن ذوات أخرى كانت من الضعف إلى جعلها سهلة في إدخالها كمواد في التمدد الذي سينهج هذا الكيان في هذا المحور، واستمر على نفس المنوال، إلى أن تولدت مقاومة تنفلت نحو المستقبل وتُحاول إلغاء هاته القوة الدخيلة. إن الضعف هي حقيقة وجودية ولكنها مُهدَّدة بالزوال، إلا أن مقاومتها التي لم تتولد بسبب الخوف من الزوال وإنما تولدت من أجل أمل في وجود أفضل، هي ما يُعطيها تأكيدا كحقيقة ستستمر دائما كتفوق على إرادة القوة. 


إن الشعب الفلسطيني هو ذات مستضعفَة، لا تملك قوة لتُواجه القوة العقلية أو اللوغوس الذي يملكه الكيان الصهيوني. ولكن في داخلها شعور بالذاتية وحق الاستمرار في الوجود، وغضبية التحدي المُفرز كردة فعل اللاميكانيكية ضد التمدد اللوغوسي للكيان الصهيوني الذي يُحاول تحويلها إلى مادة في مشروعها الوجودي. إن هذا الشعور المُتوَلَّد في الذات الفلسطينية هو ذاك الثيموس الذي لا يدع الإنسان يقبل بأن يُجذب إلى الأسفل في سلم الوجود نحو المادة. وهذا ما يُفرز مُقاومة تحاول الصمود وتتحدى القوة اللوغوسية وتسعى إلى إلغائها.


يُخبرنا الحاضر دائما بتفوق القوة، وسيطرة العقل على الوجود، ولكن لا يُخبرنا بمدى استمرارية هذه القوة وسيطرتها، وإنما يجعلنا نتخيل بأن كل شيء ثابت كما هو في هاته اللحظة وأن الأمر سيبقى كما هو مُعطى الآن، ويجعل أية نظرة مغايرة لهذا المُعطى مُجرد خيال وخرافة. وهذا ما يُعطي الكيان الصهيوني تلك الهالة الثابتة التي لا يُمكن زحزحتها من مكانها كقوة، وأي تفكير في تلاشيها يُهدد هذا التفكير بتصنيفها في صف الميتافيزيقا. وبالتالي لا يمكن للعقل أن يُهدِّد الحاضر، فمن سيُهدِّده إذا؟


إن ظهور المقاومة قد ولَّد في سيكولوجية الكيان الصهيوني إشكالية ما كانت لتتولد لولا ظهورها، وهي إشكالية القلق. فالكيان الصهيوني أصبح قلقا على مشروعه، ولأن كثافة المقاومة وصمودها تتزايد فإن هذا قد أخرج إشكالية فرعية أخرى خطيرة في البناء السيكولوجي الصهيوني وأقصد هنا إشكالية الخوف على بقائه. فلم يعد هذا الكيان يقلق على الهدف بل أصبح يخاف من تلاشيه كذات في العدم، وهذا ما حوَّل مسار اللوغوس من مشروع التمدد إلى مشروع الحفاظ على البقاء.

 

الكيان الصهيوني محاصر في الزمان، وإن حاصر المقاومة في المكان. فإن كانت هذه الأخير غير حرة مكانيا فإنها حرة زمانيا، عكس الكيان الصهيوني المسجون في الحاضر ويخشى على ملكيته له

إذاً أصبح مشروع التمدد مُهددا بظهور المقاومة، وأصبحت الذات الساعية لتحقيق المشروع تخشى على وجودها بعد أن أصبح صمود المقاومة يزداد. فمن أين حصلت المقاومة على هذا الصمود؟ إن كان الكيان الصهيوني يتمحور في وجوده حول الحاضر، فإن المقاومة الفلسطينية كما قلت تتكاثف في الانفلات نحو المستقبل، إنها لا ترتبط بالحاضر وإنما تتشبث بالمستقبل، وهذا ما أفرز في بنائها السيكولوجي عقدة الأمل، التي تُولد إيمانا لا عقليا، لا مبرر له ولا سبب، وإنما فقط إيمانا يستلزم المخاطرة والتضحية كما يرى يفهمها كيركجارد. 


إنه الإيمان، إنه الثيموس الفُرُوسِي الذي لا يأبه بالحاضر المحسوس، وإنما ينظر إلى المستقبل اللامحسوس الذي لا أساس له في الوجود، ولكن يُمكن أن يأتي، ولأنه لم يأتي بعد فستستمر المقاومة في المحاولة، وكلما زادت قوة اللوغوس الصهيوني تضاعفت المقاومة الفلسطينية وزاد كرهها للحاضر وتملصت منه وانفلتت نحو المستقبل، وهذا ما يُهدِّد اللوغوس ويؤكد الثيموس. فكلما اشتدت وطأة اللوغوس الصهيوني على الثيموس المُقاوم، كلما تخلت الذات المقاومة عن ملكيتها للحاضر ونظرت نحو الأمل الموجود في المستقبل، وهذا ما يعطيها خطّاً للهروب بلغة جيل دولوز، ويجعلها الأكثر حظا بالانتصار، لأنها سيكولوجياً لا تأبه بما تخسره الآن، وإنما تتمدد للفوز بما سيأتي مستقبلا. وتخليها هذا عن نفسية المِلكية للحاضر هو ما يُعطيها استراتيجية التهديد لنفسية من يتشبث بملكية الحاضر وأقصد الكيان الصهيوني، إذاً يبقى هذا الأخير مُحاصر في الحاضر ويمتلك فقط المكان، بينما المقاومة تنفلت في الزمان وتضرب في كل الأبعاد الزمكانية، مما يُعطيها صمودا كونيا لا يمكن للقوة العقلية أن تخترقها.


حدث هذا في الماضي أيضا، فالقوة العقلية الرومانية حاولت أن تجعل من الذوات المسيحية موادا في تمدد لوغوسِها، لكن تلاشت الإمبراطورية الرومانية وقوتها، وانتصرت المسيحية واستحوذت على المكان والزمان بعد أن كانت تمتلك فقط الأمل في المستقبل. إنها لعنة غير ظاهرة تلاحق أية قوة عقلية تُحاول التمدد على حساب الذوات الإنسانية المستضعفَة، ولكن هذه اللعنة لا تتولد إلا إن استيقظ الوحش الثيموسي في ذوات المستضعفين، وأنتجوا مقاومة تُحاول إلغاء هذه القوة. وبما أن هذه اللعنة غير مرئية فإنها تُعطي ثقة زائفة للقوة العقلية في أنها ستستمر كما هي الآن. إلا أن وجود المقاومة دائما ما يضعها في حيرة من ثقتها هذه.


إن الكيان الصهيوني محاصر في الزمان، وإن حاصر المقاومة في المكان. فإن كانت هذه الأخير غير حرة مكانيا فإنها حرة زمانيا، عكس الكيان الصهيوني المسجون في الحاضر ويخشى على ملكيته له. وهذا ما يُعطي للمقاومة تلك الأفضلية على سحب الراحة من نفسية هذا الكيان، وزرع الخوف الدائم على بقائه، مما يتركه في خلل نفسي لا يقوى على تحدي نفسية الأمل التي تتميز بها المقاومة، إذن الضعف الثيموسي أكثر صمودا من القوة اللوغوسية. وهذا ما يُؤكّْد دائما النقطة المضيئة القادمة إلى المقاومة الفلسطينية، ويُهدِّد النقطة المضيئة التي يتشبث بها الكيان الصهيوني. وبالتالي إن كان الضعف حقيقتنا فإن شرفنا في المقاومة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة