رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
478

قراءة في طبيعة التحدي الجديد أمام نظام الرئيس البشير

31/1/2019

لا شك أن الحراك الشعبي في السودان الذي يدخل شهره الثاني يشكل أكبر تحدٍ يواجهه نظام الرئيس عمر البشير منذ انقلابه على رئيس الوزراء المنتخب السيد الصادق المهدي في يونيو 1989. والتحدي ليس في اتساع رقعة المظاهرات التي عمت كافة أرجاء البلاد فحسب وإنما في التكتيك الذي انتهجته هذه المظاهرات والارتباك الذي اتسم به رد الحكومة حتى الآن.

 

ولكي نفهم هذا التكتيك الجديد الذي استخدمه الشباب لابد من استعراض كتاب مهم جداً من تأليف كلٍ من برافمان وبيكستورم يتحدث عن طبيعة المنظمات المركزية واللامركزية في مختلف أوجه الحياة. عنوان الكتاب نجمة البحر والعنكبوت (The Starfish and the Spider). نجمة البحر عبارة عن مخلوق مكون من خمسة أرجل بلا رأس. من أهم مزايا هذا المخلوق أنه لو انقطع رجله تنبت رجل أخري مكان الرجل المقطوعة والجزء المقطوع يتطور إلى نجمة بحر أخرى! فلو انقطعت الخمسة أرجل ستظهر 11 نجمة بحر.

 

الحكومة السودانية استنفذت كل ما لديها من الوعود خلال الثلاثين سنة الماضية وما يفعله مسؤولها بما فيهم الرئيس البشير نفسه يدل بلا شك أن الأفق مسدود تماماً في وجه الحكومة المأخوذة على حين غرة

أما بالنسبة للعنكبوت فعبارة عن مخلوق له عدد من الأرجل تتحرك كلها بتوجيه من الرأس. فإذا انقطع الرأس انتهى كل شيء. نشأت تنظيمات سياسية وشركات اقتصادية وجماعات ضغط مستلهمة فكرة نجمة البحر في إنشاء شبكات مستقلة عن بعضها البعض بحيث إذا تضرر فرع من فروع الشبكة تصبح الفروع الأخرى سالمة تمارس عملها بصورة طبيعية. من أمثلة التنظيمات الشبكية تنظيم القاعدة الذي دوخ الأمريكان في كل مكان واستنزفهم مالياً ومعنوياً غيرها من التنظيمات المتشددة وحتى الآن لا يستطيعون تأكيد القضاء عليها منذ إعلان الرئيس بوش الابن الحرب على الإرهاب منذ أحداث سبتمبر.

 

أهم ما يميز المنظمات الشبكية أنها مرتبطة مع بعضها البعض عاطفياً وتشترك في الهدف ولكن لا يجمعها رأس. قد يكون هناك محفز – سواءً شخص أو جسم– يطلق بيانات وتنتشر هذه البيانات في مختلف أجزاء الشبكة ويجري التنفيذ دون أن يكون لجهة البيان سيطرة على أي جزء من أجزاء الشبكة. بن لادن مثلاً كان هو المحفز لشبكة القاعدة وكانت بياناته تشكل تحفيزاً لأعضاء القاعدة في كل مكان. ولكن عندما قُتل بن لادن لم تتأثر القاعدة كثيراً، بل ربما ازدادت ضراوة بعد ما برز محفزون آخرون.

 

يشكل تجمع المهنيين في سياق الحراك الجماهيري في السودان المحفز للحراك وهو الذي يصدر البيانات ويحدد مواقع انطلاق التظاهرات. غير أن المفاجأة التي أربكت الحكومة أن هذا التجمع الذي يلعب هذا الدور الكبير في تحريك الجماهير غير معروف، لا أشخاصه ولا مواقعه!! فهو عندها جسم شبح، لا تعرف كيف تتعامل معه حتى الآن بخلاف ممارستها هوايتها المعتادة في اعتقال النشطاء وقادة الأحزاب وخاصة اليساريين، دون أن يؤثر ذلك على الحراك. بل العكس تماماً يزداد الحراك حجماً ويكتسب زخماً. حال الإعلام الحكومي لا يختلف كثيراً عن حال المسؤولين الحكوميين المرتبكين. فالنغمة المنتشرة في الإعلام الحكومي هي أن تجمع المهنيين جسم شيوعي وبدأ الحديث عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني وكيف هو حزب اقصائي ودموي وما إلى ذلك!

 

الجماهير التي انتظمت في هذا النظام الشبكي يدركون تماماً أن كل التهم التي توجهها الحكومة للحزب الشيوعي هي مارستها في أبشع صورة، وبما أن تجمع المهنيين هو مجرد جسم محفز وليس مسيطراً فلا يضر أن يكون شيوعياً أو غير شيوعي طالما أن الجماهير المنتفضة تمثل كل ألوان الطيف السياسي بما فيه وللغرابة أبناء كبار رجالات الحكومة!

 

الحكومة السودانية استنفذت كل ما لديها من الوعود خلال الثلاثين سنة الماضية وما يفعله مسؤولها بما فيهم الرئيس البشير نفسه يدل بلا شك أن الأفق مسدود تماماً في وجه الحكومة المأخوذة على حين غرة. كم تمنت الحكومة لو تستطيع الوصول إلى تجمع المهنيين لتفاوضه أو تغريه بالمال كما تفعل دائماً مع معارضيها! وقد فات عليها أن التجمع مجرد محفز لجماهير واعية ومدركة لما تتطلع إليه، والحكومة تعرف تماماً ماذا تريد الجماهير. فإما أن تتصرف هي بإرادتها لإحداث التغيير المطلوب حتى تكون هي طرفاً في الوضع القادم أو تتلكأ لتكون هي موضوع التغيير. تكتيك نجمة البحر أرهق الأمريكان مالياً ومعنوياً، فما بالك بنظام مفلس يعتاش برزق اليوم باليوم!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة