النور عادل
النور عادل
1.4 k

كيف دمرت دولة الإنقاذ الشخصية السودانية؟

31/1/2019

في الدول الإستبدادية تتحول الحقوق مع مرور الوقت إلى أمنيات ورؤى وتصل مرحلة في الدول الإستبدادبة الملكية أن تتحول إلى هبة ملكية أو مكرمة أميرية. تتدنى الهمم بصورة عامة ومخيفة فيصبح توق الإنسان في هذه الدول أن تعطيه الدولة حقه لا أكثر ولا أقل وينسى إنسان هذه البلاد كلمة (رفاهية).

 

من واقع الأزمة الاقتصادية الأن في السودان بت ألحظ أنماط لسلوكيات هي دخيلة تماما على الشخصية السودانية المعروف عنها الشموخ والأنفة والإباء، أزمة السيولة على سبيل المثال أضطرت حتى أصحاب السمت الحسن إلى كثرة الحلف أنهم جاءوا أولا لصف الصراف الآلي، أضطرت النساء اللائي كن كريمات في بيوتهن أو أماكن عملهن إلى التذلل والتزلف والتنزل في القول أمام صاحب المخبز وبائع الخضر.

 

كان بالأمس القريب يعد معيبا أن تشير إمرأة في الطريق إلى سيارة غريب، ومن المستهجن أن يقف غريب لإمرأة يقلها دون الناس، الأن في ظل أزمة الجازولين الخانقة بات أمرا معتاداً أن نرى أصحاب الفارهات يقفون على مقربة ويرفضون أن يقلوا أحدا سوى النساء وخاصة الجميلات، بل ويضغطون على السرعة لو أصر الرجال على الركوب معهم، هكذا في أبهى صور الإستغلال للأزمة.

 

أصبحنا في صفوف الخبز نسمع المقولة المعتادة (ياخي كتر خيرهم وفروا لنا خبز أصلا) أي شكرا للدولة أن وفرت لنا الخبز، ويكأنه ليس من واجبها أن توفر الخبز لمواطنيها، لكنها اجتهدت ووفرته لذا وجب الشكر علينا

كان السوداني يفضل الموت على الدين (التسليف)، الأن بات كل من أعرف من حولي مدينين لكل أحد تقريبا من صاحب العقار نهاية إلى زملاء الوظيفة والعمل، بل وصل الأمر لدرجة ان يشتري الشخص سلعة بغرض بيعها بالخسارة (التورق) ليحصل على نقد يساعده في سد إحتياجات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وعلاج واجتماعيات، وهذه الأخيرة باتت في تراجع ملحوظ بسبب ضيق الحال، فالسوداني الذي كان ينحر الذبائح إكراما للضيف الغريب وعابر السبيل، بات أمثلهم طريقة الأن من يقدر على دعوتك للغداء أو العشاء وغني جدا الذي يجمع لك بين الوجبتين- ياللحسرة- بات الوضع كما يقال (لسان الحال يغني عن المقال).

 

من آثار الأزمة الأن ظاهرة تتكتم عليها الدولة وتحاول دفن رأسها في الرمال عنها، ألا وهي ظاهرة دعارة الطرقات، هذا غير ما تتداوله مجالس المدينة عن الدعارة الفاخرة في الشقق الفخمة لمن يملك المال الوفير. في أبهى عصور الحكم المايوي الشيوعي لم يصل الحال بهذا البلد إلى هذا السوء والانحطاط.

 

نشرت إحداهن قبل فترة على الفيسبوك منشورا كان صادما لكل الشعب السوداني بانها مستعدة للزنا مقابل المال لتسد حوجتها لعلاج والدتها المريضة، استهجن الناس منشورها وبين مؤيد ومستنكر ومستهجن ضاعت الفكرة الأساسية ألا وهي السؤال المقلق، لماذا؟ بعيدا عن السبب الظاهري أنها بحاجة لعلاج والدتها، فالسبب الأعمق والأدق هو تغير المزاج السوداني المحافظ على العرض والشرف مائة وثمانون درجة لأن يبيع العرض ويفرط في الشرف في سبيل أبجديات الحياة اليومية.

 

أصبحنا حين نقف في صفوف الخبز والصرافات الآلية، نرصد لغة يمكن أن نطلق عليها (وضيعة) في تطلعات الناس وآمالهم وآفاقهم، بات أحدهم حين يصرف راتبه على جزأين أو ثلاثة أجزاء، يكاد يجن من الفرح، ويهنأه الناس على إنجازه بالقول بكل ثقة (مبروك مبروك مبروك يا زول)، نعم راتبه لا مكافأة وليس حافزا ويصرفه على دفعات متفرقة الأيام وليس يوما واحدا. أصبحنا في صفوف الخبز نسمع المقولة المعتادة (ياخي كتر خيرهم وفروا لنا خبز أصلا) أي شكرا للدولة أن وفرت لنا الخبز، ويكأنه ليس من واجبها أن توفر الخبز لمواطنيها، لكنها اجتهدت ووفرته لذا وجب الشكر علينا!

 

الملاحظ أيضا أن الشخصية السودانية التي كانت تكره الإلحاح باتت الأن تلح بصورة مزعجة لتعيش، معروف عن السوداني عدم التكلف في الطلب لكنه الأن يطالب ويلح ويستحلف بالله أن اعطوني ولا تحرموني. ومن المؤسف أيضا شيوع السرقة بصورة وصلت حتى لسرقت مرايات السيارات وسرقة المصاحف من المساجد وسرقة كل ما يمكن بيعه، كثر المتسولون في المساجد عقب كل فريضة بأعداد مهولة خاصة في المساجد الفخمة في أحياء الخرطوم الراقية، لو قلنا أن هؤلاء مدعون، فماذا نرد على التساؤل الممض، لماذا الأن كل هذا الجيش من المتسولين المدعين؟ معروف أنه لا دخان بلا نار ولا نتيجة بلا سبب.

 

أصبحت الأسرة السودانية الأن على حافة الخطر في جميع المناحي، فنسب الطلاق في ارتفاع منذ دخول الألفية الثانية، وبحسب صحيفة التيار ذائعة الصيت: كَشَفت دراسة رسمية صَادرة من الجهاز القضائي السوداني، عن ارتفاعٍ مُخيفٍ لحالات الطلاق وانفصال الأزواج. ونشرت(صحيفة التيار الخميس 25 يناير) الدراسة التي أوضحت أنّه بين كل (3) نساء متزوجات تقع حالة طلاق واحدة- بجانب وقوع (6) حالات طلاق في الساعة الواحدة، وأرجعت الدراسة أسباب الطلاق إلى عدة عوامل من بينها (تدخل الأهل – انعدام الثقافة الزوجية – الزواج من أُخرى – غياب الإنسجام وفقدان الحُب – هُرُوب الرجل والضائقة المعيشية الناتجة من صُعوبة الأوضاع الاقتصادية

 

بات الوضع في السودان قاب قوسين أو أدنى من أن يتنكر السوداني لكل شيء، دينه، وقيمه، ومثله، كل شيء فقط ليبقي على حياته المهينة في ظل سلطة سادرة لاهية تزعم أنها جاءت لإنقاذه

وجاء في الإحصائية أن عدد حالات الزواج والطلاق في الفترة من شهر أكتوبر ،نوفمبر، ديسمبر 2016م أي ثلاثة أشهر فقط كانت عدد الزيجات فيها 38.361 فيما تقابلها حالات الطلاق في نفس الفترة14.007حالة طلاق .وعند إجراء عملية إحصائية عن النسبة والعدد الكلي في العام واليوم والساعة جاءت النتيجة في العام 153.440 زيجة بنسبة 73 بالمائة للزواج، وبالمقابل وفي نفس الفترة كذلك جاءت حالات الطلاق مسجلة 56.028بنسبة 26 بالمائة، بحيث أن هناك 426 إمراة تتزوج في اليوم الواحد و18 امرأة تتزوج في الساعة الواحدة .

 

وفي ذات الجانب جاءت النسبة الصادمة لحالات الطلاق في السودان للعام أن بين كل 3 نساء متزوجات هناك امرأة مطلقة وفي كل ساعة هناك طلب نفقة يقدم وفي اليوم الواحد 155 امرأة تطلق إلى أن جاءت النسبة الكارثية بأن هناك 6 امرأة تطلق في الساعة الواحد

 

أما عن تفشي المخدرات بين كل فئات المجتمع فحدث ولا حرج، حاويات كاملة تضبط في موانئ السودان البحرية وتقيد ضد مجهول، هل تصدقون هذا العبث؟ سموم تستورد إلى داخل البلاد بشكل مزعج ومخيف والذي يقبض يعلم راعي الضان في البادية انه بمثابة الماء بين الأصابع فقط، والكثير في قلب العاصمة الخرطوم. ومن وراء هذا الامر؟ هذا سؤال مخيف أكثر.

 

كشفت ولاية الخرطوم، أن نسبة الادمان في السودان في تصاعد مستمر، بينما تجاوزت نسبة انتشار المخدرات في الخرطوم 70بالمائة من اجمالي جميع الولايات، بالاضافة الى وجود نقص في الأطباء المعالجين لحالات الإدمان، ولفتت الى أن المخدرات اخترقت مدارس الأساس مما اعتبرته مؤشراً على خطر قادم بسبب الزيادة في نسبة المدمنين، في وقت أعلنت عن تدريب نحو 400 إمام وداعية للتوعية بخطر المخدرات بسبب أهمية رجال الدين في نشر الوعي

 

كل هذه الأزمات يا سادة ولا تزال الطغمة الحاكمة تصر على أنها تطبق فينا شرع الله وشرع رسوله، كل هذا وهو فيض من غيض. نحن لم نتطرق حتى لنسبة الردة عن الدين وأسبابها وهو الامر الذي تتعمد دولة المشروع الإسلامي –زعما- على كتمانه وعدم الوضوح بشأنه وحتى الأن لا يملك أي جسم رسمي بالدولة نسبة موثوقة عن عدد الذي ارتدوا ناهيك عن الأسباب التي ولا أشك أن على رأسها الممارسة غير الأخلاقية للسلطة الحاكمة الأن بإسم الله.

 

التفاوت المادي والإجتماعي لا يحتاج لعين خبير لتبصره، فقد بات المسؤولون في هذه البلاد علامة واضحة في الشارع العام وفي محلات سكناهم وملتقياتهم، وقد اتاح لي عملي في الحقل الإعلامي أن أقترب وأرى حجم هذا التفاوت الشنيع جدا لدرجة لم تطق نفسي صبرا ففضلت الابتعاد عن الإعلام الخاص والعام والإكتفاء بالتدوين الحر على منصات التواصل الاجتماعي. والإنسان يتأثر بما يرى ويسمع، يرى المواطن البسيط جاره الذي كان بالامس القريب فقيرا معدما، فجأة قد نبتت شعيرات وجهه وظهرت له بدانة ورونق في الجسم، بعدها يفاجئ المواطن الصامت بأن جاره قد أُستوزر أو صار نائبا في البرلمان عن الحزب الحاكم، ودعكم من قصص الشهادات المزورة لأسماء كثيرة الأن فهذه تحتاج لمقال منفرد.

 

بات الوضع في السودان قاب قوسين أو أدنى من أن يتنكر السوداني لكل شيء، دينه، وقيمه، ومثله، كل شيء فقط ليبقي على حياته المهينة في ظل سلطة سادرة لاهية تزعم أنها جاءت لإنقاذه. تغيرت الشخصية السودانية بعنف في ظل ضغط اليومي المتسارع والنازل عليه كالسيل. هل هذا الفساد يا ترى مقصود أم خطأ في التجربة؟ ترى هل أعيش لأعرف الجواب؟! اللهم قد بلغت فاشهد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة