عبد الرحمن وهبه
عبد الرحمن وهبه
2.4 k

قلق واكتئاب.. كيف تشوه مواقع التواصل حياتنا؟

6/1/2019

في الماضي البعيد، حيثُ نشأتُ ونشأت أحلامي معي، كان كل شيءٍ يسيرُ على نحوٍ مُنظَّم، أغادرُ سريري صباحًا ولا أعود إليه إلا بحلولِ المساء، أمضي في معارِكٍ وترحال، فأحمل معي ما يلزمُني، سيفِي وحِصانِي، ورِفقةٌ من إخوتي وأبناءِ عُمومَتي، وأرضٌ حياد ينتظرُني في أحدِ أطرافِها بعضُ أبناءِ الجيران. أَقتُلُ وأُقْتَل، وتتَّسخ ملابِسي؛ فتعاقبني الأمُّ أحيانًا، وأخوضُ هذا مرارًا ولم تفتُر عزيمتي يومًا على التكرار. في المساء يجتمع الخصومُ، لا كُرهَ بيننا ولا شماتة، حربٌ ليست بحرب، وكأنَّ غايتَها في ذاتِها: نقاتلُ لنَبتهج.

في الحاضرِ القريب، الآن حيثُ شبتُ وشابَت أحلامي معي، أفتقدُ معارِكي الأولى وأفتقدُ خُصومي معها، فلا حصانًا أمتطي ولا سيفًا أسِنّ، ولا أُمًّا توبِّخني، ولم نعُد نجتمع كما اعتَدنا وألفنا. الآن، حيثُ تفصِلُنا بعضُ الأَمتار واقعيًا وآلاف الأميال داخلنا، كلٌّ يخوضُ معاركَه الخاصَّة، يصولُ وحدَهُ ويَجول، حربٌ طويلةٌ بلا نصرٍ نرى ولا هزيمة، ويشاركنا فيها الملايينُ من البشرِ الآخرين.


في الحاضرِ والمستقبل، أصبحَ كل شيءٍ روتينيًّا وغريبًا، أحيانًا لا أغادرُ سريري؛ فأصحو لأنام، واستبدلتُ سيفي بيَأسي؛ فدفعَ بي إلى آلافِ المعارك التي لا طائِلَ منها، معارك أشدّ مَكرًا ودهاءً من ذي قبل، وحياةً ماديةً سريعةً لا تتوقف، تستعمِلنا لا نستَعملُها، وتتحكَّم بنا لا نتحكَّمُ بها، ثمَّ أصبحنا عبيدًا لها بملءِ إرادتِنا؛ فلا نقوى على الحَراكِ قيدَ أنمُلةٍ قبلَ أن نوفِيَ حقَّها كامِلًا بلا نُقصان.

نحن نهب منَّا الكثير ولا نأخذ، مع كل علاقةٍ هلاميةٍ عابِرة، مع كل شخصٍ يقتحم عالمنا الصغير فيصير قصرًا عاجيًا مليئًا بالأغرابِ من كل حدبٍ وصوب

أتساءلُ كم مرّةً جلستُ بمفردي لأقرأ كتابًا كما فعلتُ في السّابق؟ أو لأخطَّ خاطرةً بحبرٍ ملموسٍ على ورقٍ ذي رائحة؟ أو لأرسُمَ لوحةً لا عُنوان لها؟ أو حتى لأستمتِع بما بقيَ من ساعاتِ النّهار أمام أشعةِ الشمس؟ كم مرةً أفرغتُ عقلي بما يفيضُ به من فكرٍ وعمل؟ وقلبي وما يتشبّثُ به من همٍّ وغمّ؟ ونَفسي وما يشغلها في حيواتِ الآخرين ومعاركِهِم؟ حسنًا! أنا أحبُّ الزهور كثيرًا! هل تحبُّها مثلي؟ كم زهرةً أرسلت إلى أناسٍ لا تعرف عنهم شيئًا؟! كم دقيقةً أفنيتَها في الحديثِ إلى أشخاصٍ لا رابطَ بينكم سوى الاسم، وبعض التشابهات والأيديولوجيات الفكريَّة، وربما التخصُّص الدراسِي؟ 

دعْني أخْبِرك سِرًّا؛ أنتَ جاهلٌ ومغرور، مثلي تمامًا، ومثلهم، تفقدُ بعضكَ كل يوم، جزءًا بعد جزء، روحك وروحي، فأصبَحتْ أرواحنا شَاردةً غَريبةً مع كثرةِ العلاقاتِ الاجتماعِية وتشعُّبِها، فتضيع رويدًا مع كل ومضةِ شاشة، مع كل إشعارٍ قادم، وكل ضغطةِ زرّ! هل تساءلنا لماذا نُلزمُ أنفسنا أن نتفاعلَ مع كل هذا الضجِيج؟ لماذا نهبُ ذواتنا لكل عابر سبيل؟ عابر سبيلٍ مآله الرحيل حتمًا في النهاية!

"وحشتني!"، "وأنت كمان يا صاحبي!"، "افتقدناكم يا شباب!"، وما شابهها من عِبارات. أنا لا أعرفك، ولا تعرفُني، ولا أعرفُهم، وكذلك أنتم لا تعرفونَنِي! فأين ذلك الفقد اللَّعين في علاقةٍ غير موجودةٍ من الأساس؟ إنهَاك الروح هنا وهناك لا يزيدُها سوى مزيدَ بؤسٍ وشَقاء، وتفريطٍ في حقُوقِها المستحقَّة من أصحابِها، نحن أنفسنا، أهلُنَا، أصحابُنا الحقيقيون، حتَّى علاقتنا مع اللَّه جلَّ في علاه. فلا وقتَ لنعِيدَ شحن الطاقة التي أنهكَها الغرباء، أو لتفرِيغِ سلَّةِ المهملات بما علق بها من شوائب وذنوب، أو لترمِيمِ ما هشَّ داخلنا وأخذ عزلةٍ لتزكية النفس وتحسين أدائها.

نحن نهب منَّا الكثير ولا نأخذ، مع كل علاقةٍ هلاميةٍ عابِرة، مع كل شخصٍ يقتحم عالمنا الصغير فيصير قصرًا عاجيًا مليئًا بالأغرابِ من كل حدبٍ وصوب، ونعزل بدورنا -خارجًا- من هم أحقُّ بالسكن والمعاملة دون غيرهم. إعجابٌ هنا، وإعجابٌ هناك، وقلبٌ أحمر صغير، وسيلٌ من المنشنات والتريندات، وآلاف التعليقات والمنشورات والأخبار، والكثير من النزِيفِ الذي لا يُرى ولا ينتهي.

 

وتبدأ حينها رحلةٌ طويلةٌ من الاكتئاب، والقلق، والفتور، والشتات النفسي، وإهدار الوقت، والمقارنات الباطلة التي لا تنتهي بيننا -نحن كأناسٍ عاديَّين- وبين الكثير من أصحابِ الأبراج العاجيَّة التي تصدَّروا أضواء المشهد، وألبسناهم تاج النجاح. ثم يتبع ذلك نقصٌ حادٌ في الثقة، وتخبُّط في الدربِ الذي رسمناه لأنفسنا بحثًا عن الكمال والمثالية في دروب الآخرين. وبالنهاية يصبح كل شيءٍ مهانًا ومبتذلًا وسطحي، وتجتاحه موجات من النفاق والكذب والحسد، وأصناف شتَّى من الشرور.


هلا انتقلنا إلى الجزء الأسوأ! الأحكام الإلكترونية الهزليَّة، الغير موضوعية بالمرَّة، الأحكام -الفيسبوكية- المُسبقة على الأفراد من خلال ما ينشرونه -ظاهرًا- ولا نعرِف عن حقيقتِهم شيئًا! فنبني تصورًا مُحكمًا لا يخالِطه قصورٌ أو خلل، ونحكم على الشخصِ بمنطقِ الكامِل الفريد الذي لا يخطئ في صغيرةٍ ولا كبيرة، بصورةٍ مثاليةٍ لا تشوبُها شائِبة، أغفلنا فيها حياته الحقيقية الواسعة، بما تشمل من أفكارٍ وممارساتٍ وتجارب، وقيامٍ وسقوط، وصوابٍ وخطأ.

 

صَدقَت "رضوى فاروق" حين أوجَزت: يصبحُ المرءُ بالنهايةِ فَارغًا من ربِّه ممتلئًا بالناس، ويغرقُ في الصورة ويتناسَى حقيقةَ نفسه، وما لهَا وما عليها، ولا يفيق إلا بعد كارثةٍ نفسيةٍ حقيقية

مواقع التواصل
 

في حين أنَّه بشرٌ مثلنا، يصيبُ أحيانًا ويخطئ، ويُؤخذ منه ويُردّ، وله رأيٌ يوافق آرائنا -كليَّةً أو بعضها- أحيانًا وقد يخالفُها. ورويدًا رويدًا نحكُم عليه بالإعدامِ إذا وجدنا -وحتمًا سنجد- غير الذي كان، نقتُله بدمٍ باردٍ لأنَّه خالفَ توقُّعاتنَا التي نسجْنا خيوطها بأيدينا، ونعزف لحنَ موتِه أمَامَ مسامِعنا ومسامعه بغيرِ حولٍ منه ولا قوة.

يجنِي الجانِي جنَايتَه، ويُدفَع المجنِي عليه إلى الانتحارِ عمدًا دون أن يشعُر. فنحصر روحه في القولبَة والتخصُّص، وندفَه لأن يضعَ رأسه بكلتَا يديهِ بين المِطرقةِ والسَّندان: مِطرقة الانفصام بين ممارسَاته الحياتية الواقعِيَّة، وسندَان ممارسَاتِه الإلكترونِيةِ الزائفة. وهنا يُصدِّق الضحية كذِبَ الصورة المنسوجَة حوله، المحدَّدة له، ويستغرِق في تفاصيلها، وإدراك أبعادها التي أوجدَها الآخرون من اللَّاشيء؛ فكانت بالتأكيدِ لا شيء!

وصَدقَت "رضوى فاروق" حين أوجَزت: يصبحُ المرءُ بالنهايةِ فَارغًا من ربِّه ممتلئًا بالناس، ويغرقُ في الصورة ويتناسَى حقيقةَ نفسه، وما لهَا وما عليها، ولا يفيق إلا بعد كارثةٍ نفسيةٍ حقيقية، أو علاقاتٍ فاشِلة. فيا صديقي، دِينُك ودُنياك، قلبُك وعملك، نفسُك وهوَاها: تلك أربعٌ، صلاحُ الثانية منها من صلاحِ الأولى. وعليك ببرِّ الوالدين، يكفي بهما أن أخرجاكُ إلى الدنيا وإن لم يحرِّكا ساكنًا دون ذلك. والزم القرآن؛ فلا خابَ ولا خسِر من اتَّخذه صاحبًا فاكتفَى به عن سِواه. وما البقيَّة الباقية إلا أشياء نتدَاركها، فلا نأخذُ منها إلا ما قُدِّر لنا. فأرح بالك، واسترح. وكمَا قال الشَّافِعي: اُنظُر لِما فيه صَلَاحُك فَالْزَمْه. فَافْهَمْ!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة