نهضة الجزائر تبدأ من المكتبة!

6/1/2019

يتحدّث إنسان اليوم عن مفهوم «المدن الذكية»، وهي مدن استفادت من التطوّر المذهل والانفجار الكبير للتكنولوجيات الجديدة، وما رافق ذلك من تدفق رهيب للمعطيات، والبيانات، والمعلومات. ولا يزال الإنسان يبحث –باستمرار- عن آليات إنتاج جديدة توجّه مصيره -بما في ذلك آليات الإنتاج الثقافي-. فها هي أستاذة دراسات الوسائط الإعلامية Shannon Mattern بالمدرسة الحديثة بنيويورك/ و.م.أ، تتحدّث في موقعها الإلكتروني: «كلمات في فضاء Words in space»، عن المكتبات «كفضاء استثنائي» للإبداع الثقافي والتطوّر التكنولوجي، فالمكتبات تعتبر أرضا خصبة للعمل الإبداعي-سواء كان ذلك أدبا، أو غيره من صنوف الإبداع.

 

المكتبات والأرشيف يشكّلان دوما معينا عظيما للعاملين والمتعاونين لفائدة الفنانين، المصممين، المتخصصين في التكنولوجيا، وغيرهم. هؤلاء، يوظّفون مهاراتهم في بيئة ملتزمة أكثر بالخدمة العامّة، وإتاحة إمكانية الوصول أكثر من حتميات السّوق-الموجّه. لقد عملت Shannon Mattern مع Jer Thorpe على إطلاق مفهوم مثير «فنّان في كلّ مكتبة An Artist in Every Library»؛ يا لها من فكرة رائعة!

المكتبة بيئة حاضنة للإبداع

في الجزائر، توجد مكتبة وطنية عظيمة تعدّ أكبر مؤسّسة ثقافية في البلاد، حيث يعود تاريخ نشأتها إلى سنة 1835 بموجب مرسوم من وزارة الحرب في العهد الكولونيالي. تقع المكتبة في حي الحامة جنوب العاصمة، مساحتها ضخمة وهندستها عصرية، تتربع على أكثر من 67000 متر، تتوزع على 13 طابقا، وتبلغ سعة مخازنها 10 ملايين مجلّد، بالإضافة إلى مليون كتاب على رفوفها، وملحقات منتشرة عبر ربوع الوطن تسمّى المكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية، لكنّها تفتقد إلى تبنّي مفهوم هامّ في سياستها ينبني عليه تصوّر كلّ عمل جادّ هو جعل المكتبة فضاء (افتراضيا وواقعيا) يمثّل بيئة حاضنة للإبداع، ومساحة للوجود؛ قد تكون شبيهة بما سمّته Shannon Mattern بالمكتبات الإقامات (Libraries residancies). 
  

مكتبة بلا أسوار
دور المكتبة الحديثة لم يعد ذلك الدّور التقليدي الذي ينحصر في الخدمات المكتبية البسيطة، إنّما تعدّى ذلك لتكون المكتبة بمثابة النافذة التي يطل منها الإنسان على عالم متعدّد الثقافات

والحق يقال أنّ المكتبة الوطنية الجزائرية لم تكن مكتبة بلا أسوار، ولم تكن متأهبة لتلبية احتياجات المتأهبين سوى في عهد الأديب أمين الزاوي(2002-2008) الذي أسندت إليه إدارة هذا المرفق، فاستطاع ترك أثر إيجابي على المنتفعين، وطوّع أدوات الإدارة للاستثمار في الفعل الثقافي عن طريق تحليل احتياجات المجتمع المحلي، الرصد والتقييم، وكذا قياس الأداء، فكانت المكتبة في خمس سنوات قبلة للمثقفين ومريدي المعرفة، كما أنّ الفترة التي كان فيها الشّاعر عز الدين ميهوبي-وزير الثقافة الحالي- مديرا للمكتبة(2010-2013) عرفت حيوية نسبية، في إطار المعايير والضوابط التي حدّدتها اليونسكو، فقد كان يرى ميهوبي أنّ: "المكتبة حافظة للذاكرة وليست مكانا لإقامة المعارض أو غيرها، فإذا ضمّت ندوة فيجب أن تخص وظيفتها بالكتاب والمخطوطات لا غير." 

دور جديد لمكتبة حديثة

إنّ دور المكتبة الحديثة لم يعد ذلك الدّور التقليدي الذي ينحصر في الخدمات المكتبية البسيطة المتمثلة في تلبية بعض احتياجات المنتفعين كالمطالعة وإعارة الكتب، إنّما تعدّى ذلك لتكون المكتبة بمثابة النافذة التي يطل منها الإنسان على عالم متعدّد الثقافات، ومنصة لتمكّن النّاس من كلّ المرجعيات الثقافية المختلفة من خلال تخطّي حدودهم الوطنية الجغرافية، وتبني قضايا مشتركة في دعم الوحدة الإنسانية. فالمكتبة الحديثة هي المكان الأمثل للاستفادة من فرص تنمية الخدمات بطرق جديدة ومثيرة تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبذلك إتاحة الوصول للمعرفة عن طريق الموارد والخدمات عبر الوسائط الحديثة والمبتكرة.

 

ومن غير المعقول، في ظلّ هذه المعطيات ألا تمتلك المكتبة الوطنية الجزائرية -في عصر الثورة الرقمية- موقعا إلكترونيا يقدّم مختلف الخدمات للوصول إلى محتوياتها من كتب ومطبوعات ومخطوطات وغيرها من المقتنيات على غرار المكتبة الرقمية العالمية (World Digital Library)، أو مكتبة مجلس النواب الأمريكي-الكونغرس- (The Library of Congress)، التي تضم أشكالا عديدة من صنوف الإبداع كالكتب، والمخطوطات، والخرائط، والتسجيلات الصوتية، والأفلام، والصور، والجرائد...، أو المكتبة الوطنية الفرنسية (La Bibliothèque nationale de France) التي تضم أكثر من 15 مليون كتاب ومطبوعة، وكذا مخطوطات، ومدموغات، وصور فوتوغرافية، وخرائط، ونوتات موسيقية، وقطع نقدية، وميداليات، وملفات صوتية، وفيديوهات، ووسائل سمعية مرئية، وديكورات، وأزياء... ناهيك عن الدّور الذّي تلعبه مكتبتها الرقمية جاليكا (Gallica) التي تسمح بتفحّص أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة.

الجزائر هي بلد الثقافة، ومدينة الكلمة، والكتاب واللّغات والمسرح، والموسيقى، والنّحت والرّسم والتصوير.. ومدنها ليست ككلّ المدن، فليس ساكنها غير فنّان، هو إنسان قبل كلّ شيء

مواقع التواصل
 
المكتبة دوحة الثقافة وإقامة الفنّان

صحيح أنّ الجزائر لم يمرّ على استرجاع سيادتها الوطنية سوى 56 سنة، إلاّ أنّ تاريخها في الوجود طويل جدّا، وثقافتها عريقة، فقد تعاقبت على أرضها الحضارات المختلفة، وولد فيها كثير من الرّجال والنّساء الذّين كان لهم دور في صناعة التاريخ، كالفيلسوف أبوليوس المداوري(Lucius Apeleius Theseus) صاحب أوّل رواية في التاريخ (الحمار الذهبي)، القدّيس سانت أوغسطين (Saint Augustin)، والأب دونا النقريني(Donatus Magnus)، والمحاربين الأشاوس: قايا(Gaïa)، وماسينيسا (Massinissa)، ويوغرطة(Jugurtha)، وتاكفاريناس(Tacfarinas)، والقائد الأمازيغي طارق بن زياد، والأمير عبد القادر الجزائري، والشّيخ محمّد المقراني، والشيّخ عبد الحميد بن باديس، والجزائر هي البلد الذي احتضن عبد الرحمان بن خلدون فكتب بإحدى مغاراتها مقدّمته الشهيرة، كما كانت الجزائر مصدر إلهام لميغال دي سرفانتس(Miguel de Cervantes Saavedra)، فسجل ملاحظاته وكتب رائعته دونكيشوت، ولم يخل عمله الأدبي الخالد من ذكر الجزائر، وتصوير ما شاهده فيها، كما رسم فيها بيكاسو(Pablo Ruiz Picasso) ودينيه(Alphonse-Étienne Dinet)، وباية(Baya Mahieddine) أشهر لوحاتهم.

 

فالجزائر هي بلد الثقافة، ومدينة الكلمة، والكتاب واللّغات والمسرح، والموسيقى، والنّحت والرّسم والتصوير.. ومدنها ليست ككلّ المدن، فليس ساكنها غير فنّان، هو إنسان قبل كلّ شيء، يعيش مع إنسان مثله، ويتعايش معه، يخاطبه ويدعوه إلى قيم الجمال، والحبّ، والحياة، فكيف لا يكون في كلّ مكتبة فنّان؟، أليس في جسد كلّ إنسان قلب ينبض بالحياة؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة