عبقري الرياضيات الذي رفض جائزة نوبل!

7/1/2019

تعد جائزة نوبل من أعرق الجوائز التي تمنح في العالم، ولها أهمية كبرى منذ تأسيسها بالدفع وتشجيع على الاكتشافات العلمية في كل ميادين العلم إلا ميدان الرياضيات كما هو معروف، وهي لا تعطى إلا بمعايير علميةٍ ومنهجيةٍ دقيقةٍ إضافة إلى معايير أخرى، لذلك كان من الصعب أن تتاح وتتيسر لغالب الناس إذ هي فقط مقتصرة على النخبة من أهل العلم، فكون الإنسان حصل على هذه الجائزة معناه أنه ليس كباقي الآخرين إذ يصبح مشهورا يعرفه ويعرف ما جاء به العالم، ولكن ماذا إذا وجدنا أنه هناك من رفضها رغم ترشحه وكونه أهلا لها؟ ألا يُعد هذا طعنا في مصداقية هذه الجائزة؟ وما الشيء الذي جعل هذا الشخص يتمسك به ويُقدمه على أعرق الجواز في العالم الآن؟ 

في منتصف القرن العشرين دار حوار مهم بين عالم الفيزياء والكيمياء الغربي البريطاني "جيمس جينز ت 1946م" الذي أطبقت شهرته ساحة الفلك والفيزياء بنظرياته ومكتشافاته التي سمي العديد منها باسمه، وبين عالم الرياضيات المشرقي الهندي "عناية الله المشرقي ت 1963م" الذي حصل على الماجيستير في الرياضيات وعمره 19 عاما. حوار أقل ما يمكن أن يقال فيه هو: حوار انبهار كل منهما بالآخر بما لديهما من الإيمان بالله عزو وجل، الأول انبهر بما وجد من القرآن مع عناية الله المشرقي، والثاني انبهر بما وجد مع جيمس جينز من الإيمان وكيف قادته سنوات من دراسة الفيزياء والفلك إلى هذا اليقين والإيمان بالله، وهذه القصة الطريفة نقلها عن عناية الله المشرقي وحيد الدين خان وموجودة في كتابه "الإسلام يتحدى".

من هذه القصة وهذا الحوار نكون قد أمطنا اللثام عن هذه الشخصية الفذة التي رُشحت لجائزة نوبل فرفضتها. يُذگر في ترجمة وحياة عناية الله المشرقي أنه كان من النابغين في الرياضيات، حصل على الماجستير فيها وعمره ثمانية عشر سنة، بعدها انتقل إلى بريطانيا للإتمام دراسته في الرياضيات بجامعة كامبردج، وأنهى دراسته في عدة تخصصات موازية في اللغات الشرقية والعلوم الطبيعية قبل إن يعود إلى مستقرة في الهند.

من الرياضيات والعلم إلى نوبل:
نستفيد من موقف عناية الله المشرقي أن الجوائز ليست كل شيء، وإنما هناك ما هو أسمى وأعلى من هذا كله، فمكانة الشخص بهويته وثقافته زيادة على ما قدم من إنجازاتٍ هي أهم ما ينبغي التركيز ولفت الأنظار إليه

لما بلغ عناية الله المشرقي إلى الثلاثين من عمره فكر في مشروع تفسير القرآن الكريم على ضوء مكتشفات العلوم الطبيعية، ونفذ هذه الفكرة فعلا، فلفت الأنظار بعمله هذا، ليس في بلده فقط وإنما في العالم ككل، وعلى إثر هذا العمل والشهرة التي اكتسبها رُشِّح لجائزة نوبل العريقة. وبالإضافة إلى كونه اشتهر بالعلم والسبق في هذا المضمار، إشتهر أيضا في الميدان السياسي حيث انخرط في المعترك السياسي وتقلد عدة مناصب حكومة، قبل أن يستقل ويُأسس حزبا سياسيا وصحيفة أسبوعية باسم (الإصلاح)، إلا أنه كما اشتهر في كثير من القضايا العلمية والتصورات أُوخِذ وانتُقدت عليه عدة قضايا وتصوراتٍ خاطئة حول السنة النبوية لم يحسن فهمها، وكذلك نظرية التفسير الإسلامية.

تمسكه بلغته ورفضه لنوبل:

"لا أُريد جائزة لا تعترف بلغتي الأوردية" جملة قالها إثر طلب وشرط لجنة الجائزة منه أن يترجم عمله إلى إحدى اللغات الأوربية إنجليزية، فرنسية.. وهذا ليس عجزا منه أو صعوبة ذلك إذ هو كما قلنا أكمل دراسته في بريطانيا ومن بين تخصصاته كانت اللغات الشرقية فو كان يعرفها جيدا، ولكن تمسك الرجل بلغته والتي تشكل هويته جعله متمسكا بهويته على حساب الجائزة، ما قيمة الجائزة إن لم تعترف بلغة الآخر وهويته، فهي حقا ليست فيها نزاهة إن كان هذا هو المعيار، فليس من الضروري في العمل إن توفرت فيه ما يؤهله لهذه الجائزة أن يُحرم منها بسبب اللغة التي كتب بها.


من النادر أن نجد شخصا له مثل هذه الأنفة تمكنه بأن يضحي بكل شيء - وإن كانت له قيمة- إن كان هذا الشيء يعود على قضاياه وما يشكل هويته بالنقص وعدم الاحترام، فلغته وهويته هي التي تشكل فيها حتى أصبح أهلا لهذه الجائزة، فتفضيل الجائزة عليها ضرب لكل هذه المقتضيات والتي فيها نُكران للجميل. وأهم ما يمكن أن نستخلصه ونستفيده من هذا الموقف لعناية الله المشرقي هو أن الجوائز ليست كل شيء، وإنما هناك ما هو أسمى وأعلى من هذا كله، فمكانة الشخص بهويته وثقافته زيادة على ما قدم من إنجازاتٍ هي أهم ما ينبغي التركيز ولفت الأنظار إليه، وكذلك أيضا أن أهم ما يفتخر به الإنسان هو الاعتزاز بمنظومته وهويته الثقافية، واللغة جزء كبير ومُشَكِّل لهذه الهوية لا ينبغي فصله عن هذه المنظومة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة