هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




التلفزيون التونسي.. بين البذاءة والتكرار!

8/1/2019

يذهب البعض إلى القول إن ما نقرأه يحدد ماهيتنا، في حين يرى آخرون أن المستوى الثقافي للفرد يمكن الآخرين من تصنيفه وإيجاد العبارات الملائمة لوصفه. وفي خضم الأفكار المتداخلة وعجز الكثيرين عن إيجاد معرّف ناجع لشخصهم، يمكنني القول إن المحتوى السمعي والبصري سيكون عامل حسم في هذه القضية الملبدة سمائها بغيوم القيل والقال والتصنيفات العجيبة. ومن هذا المنطلق، قل لي ماذا تشاهد، أقل لك من أنت.


إن الناظر إلى المحتوى الذي يقدمه التلفزيون التونسي لفاتِحٌ فاهُ بسبب التفاهة التي تشعبت وتغلغلت في جذع أكثر البرامج التلفزيونية الهادفة، والتي لطالما امتزجت في مخيلة المشاهد التونسي بمصطلحي "الإفادة" و"الإمتاع". ولا يختلف اثنان حول كون التلفاز قادر على فعل الأمور العِجاب، لاسيما وأن منازل التونسيين لا تخلو من هذا الجهاز العجيب، ومن أطباق الكسكسي الشهية أيضا.


وفي الحديث عن الكسكسي بحر من الغزل وطوفان من المدح، لكن الأمر ذاته لا ينطبق على القنوات التلفزيونية في هذا البلد الذي كان ولا يزال مهد أعتى ثورات البلدان العربية في العصر الحديث. وفي حال تطلب منح "بعض" البرامج التلفزيونية التونسية مسمى يليق بمحتواها، فلا يسعني سوى القول إنها تدور في فلك "البذاءة" و"التكرار". وفي حين تجتمع العائلة التونسية حول الصندوق النحيف ممنية نفسها في قضاء وقت لطيف في جو "عائلي" محترم، تعرض القنوات التونسية عن ذلك وما تنفك برامجها للسهرة تقدم مجموعة من الإيحاءات الواضحة للعيان.

يبدو جليا أن التلفزيون التونسي مصرّ على بذل الغالي والنفيس في سبيل خلق جيل لا يمت لأخلاق محمد صلاح بصلة، حيث لا تزال مسلسلاته تدور في فلك العلاقات بين الجنسين والخيانة والجنس

نظرا لوجوب الحياد في الحديث عن شؤون البلاد، سأقرن هذه الكلمات من منظور مشاهد ليس بتونسي، والذي سيتفطن (على الرغم من عدم ضلوعه بآداب اللغة التونسية ومكامنها) إلى إشارة مقدمي أحد البرامج الكوميدية إلى الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة في كل جملة تنبس بها شفتاه. ولا يقتصر الأمر على الإيحاءَات الممزوجة بالخداع فقط، بل إن سطوة هؤلاء المقدمين تمتد لتشمل فعاليات البرنامج أيضا، حيث يعمل المذيع على تنظيم ألعاب طريفة هي أقرب ما يكون إلى التهريج، حيث يكون تشيئ المرأة وتحليل العلاقات بين الجنسين حاضرين في المحادثات "الهادفة جدا" لهذا الجيل من المفكرين الذين لا يتورعون عن "الإفتاء" في ما يفقهون وما لا يفقهون، فلا حدود لإبداعاتهم في ظل عزوف النخبة التونسية عن النقد وخوفها من جحافل التعليقات المسيئة من جانب مشجعي هؤلاء المقدمين.


يبدو جليا أن التلفزيون التونسي مصرّ على بذل الغالي والنفيس في سبيل خلق جيل لا يمت لأخلاق محمد صلاح بصلة، حيث لا تزال مسلسلاته تدور في فلك العلاقات بين الجنسين والخيانة والجنس وما إلى ذلك من المواضيع التي تعمل على إثارة مواضع لا علاقة لها بالجزء العلوي من جسم المواطن التونسي. وما يزيد الطين بلة أن القادم لا يبشر بأي خير، حيث باتت بعض القنوات تعمل على جلب المسلسلات الأجنبية وتبثها بلهجة محببة إلى الأذن التونسية وتبث في نفس العائلة التونسية وهيكلها قِيماً وأفكار تساهم في مزيد تفكيك النسيج الأسري التونسي خطوة بخطوة.


لعل أبرز ما يثير الريبة في سكوت النخبة عن هذه المهازل هو عدم خلو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من صور وتصريحات مقدمي البرامج المسائية، أو ما يمكن تعريفه ببؤر التفكير غير السوي. ويمكن لأحد لشخص لأحد المغنين التائبين أن يقنعك بتوبته وبأنه أقنع عن الغناء الشعبي لفائدة الأناشيد الدينية، لتجد أنه يتوسد صدر التناقض الرحب ويحيي حفلا غنائيا ماجنا بمناسبة ليلة رأس السنة الميلادية.

يبدو أنه من المنطقي التساؤل حول دور علماء الشريعة في البلاد وخفوت درجة تأنيب الوازع الديني لهم إزاء ما يحدث من هرج ومرج في الشاشة الصغيرة

رويترز
 

خرجت هذه المهازل من مدار الإسفاف لتحوم هائمة بلا وجهة في الفراغ الفكري. وفي حين لا يمكن للأجسام العضوية النجاة في الظروف القاسية للفضاء الخارجي، وجدت هذه البرامج بيئة خصبة لتنمو داخلها وتعزز الانقسامات والاختلافات في بلد تنخر جسده الصراعات الجهوية وتشكل العنصرية المقننة قوامه. ففي أحد البرامج التلفزيونية التي لن تُرفع الأقلام عن نقدها، تعمد المذيع تسريب مقطع مصور يظهر كامل طاقم البرنامج والجماهير بصدد الاحتفال والرقص على وقع أغنية تشتم ثلاثة فرق كرة قدم دفعة واحدة، أي ثلاثة جهات تمثل الشرائح الأكبر من عدد سكان تونس الذي لا يتجاوز 12 مليون.


ولسائل أن يسأل، لماذا يسكت التونسيون عن هذه المهازل ويخيرون الصمت في ظل ازدياد عدد مشجعي فريق هذه البرامج؟ وما الذي يجعل أولي الرأي السديد والكلمة المسموعة في البلاد يغضون الطرف عن معضلة تساهم في تآكل المجتمع التونسي المترهل؟ كما أن ما يثير الدهشة حقا هو عدم وجود رادع لتنامي قدرة هذه البرامج على تحريك أساطيل الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي وتحديد التوجهات السائدة.


وفي حين يثار الجدل حول أحقية المرأة التونسية في الميراث وفق معيار معدل حديثا، ويهاجر البلاد عشرات آلاف الأطباء والمهندسين والطلبة الأكفاء، فضلا عن تنامي معدلات القتل العمد بسبب أو بدون سبب، يبدو أنه من المنطقي التساؤل حول دور علماء الشريعة في البلاد وخفوت درجة تأنيب الوازع الديني لهم إزاء ما يحدث من هرج ومرج في الشاشة الصغيرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة