مقداد درويش
مقداد درويش
1.9 k

كيف تفوقت "إسرائيل" في تكنولوجيا السلاح والتجسس؟

9/1/2019

اعتمد الصهاينة طوال فترة نشأتهم وما بعدها على معركة أخرى موازية للمعارك العسكرية، وهي معركة الإشاعات والمقولات (بروباغندا صهيونية) التي توحي لمتلقيها بوجود هالة من التميّز والإعجاز لدى الصهاينة، فبدأوا بمقولة "الجيش الذي لا يُقهر" وواصلوا ترديدها حتى غدت صورة الجندي الصهيوني على أنه أشجع وأقوى جندي في العالم! ولكنّنا رأيناه وهو يخوض معركة حقيقية.

 

فعلى مدار عشرات السنين التي مرت على نشأة هذا الكيان على الأرض المحتلة، لم يخض جيشهم حربًا حقيقية، فأغلب حروبه كان يسبقها تفاهمات على الانسحاب السلس الذي يحفظ صورة المواجهة أمام الناس، مع ضمان النتيجة بأنها ستكون للصهاينة. لهذا، كان تفنيد هذه الإشاعة على أيدي المقاومين الفلسطينيين على حدود قطاع غزة، وفي لبنان ومعركة الكرامة وما شاكلها من المواجهات التي أثبتت جبن الصهاينة.


حرب الإشاعات لدى الاحتلال متأصّلة في تاريخه، فقد كانت إشاعة "تحويل الصحراء لأرض خضراء" لصيقة بالزراعة الصهيونية وخصوصًا في أواسط القرن الماضي، وعزز إعلام الغرب هذه الإشاعات بتكرارها وتداولها على سبيل الإعجاب. لقد كانت الزراعة الصهيونية تخسر من الناحية الاقتصادية، ولم يكن يحافظ على استمرار المزارع الصهيوني في عمله سوى التعويض الحكومي لخسائر التصدير، ولكن مكاسب الإشاعة كانت كبيرة، فتهافتَتْ الدول الصديقة لدفع الهِبات وإقامة العلاقات، وفتحت دولٌ كثيرة أسواقها واقتصادها للمستثمرين الصهاينة وشركاتهم.

دور الجيش في النهضة التقنية هو دور مركزي لا يمكن تجاهله، فالنّهم والحاجة عند جيش الاحتلال لاقتناء أحدث وأقوى التقنيات والأسلحة عالميًا؛ كان له دور كبير على صناعة التقنية العالية

انتقل التركيز في حرب الإشاعات لدى الصهاينة من الزراعة إلى التكنولوجيا والتقنية العالية، فكان الازدهار نتيجةً لتظافر القطاعين العام والخاص في هذا المضمار. وبحسب تصنيف المفكر الألماني "أندريه فرانك" لدول العالم، فإن "إسرائيل" تعتبر الآن من دول المركز نتيجةً لهذا الازدهار التقني. بل يمكننا القول إن علاقة "إسرائيل" بدول المركز في العالم انتقلت من حالة التضامن والاحتضان إلى حالة النّد والمنافسة.


الاهتمام الصهيوني بالقطاع التقني يعود إلى ما قبل تأسيس دولة الاحتلال، وهو بشكلٍ ما يقودنا للحديث عن الجانب التعليمي، فقد كان معهد "التخنيون" والجامعة العبرية نواةً للتعليم منذ عشرينيات القرن الماضي، وكانت مراكز التجارب الزراعية من أجل تطوير الزراعة في مستوطناتهم حينها. وكان لموجة الهجرة الروسية في أواخر القرن الماضي دور بارز في إثراء رأس المال البشري، فقد كانت متوسط نسبة الحاصلين على التعليم الثانوي والجامعي أعلى من متوسط سكان دولة الكيان حينها.


كان للحكومات المتعاقبة دورٌ واضحٌ في الاهتمام بالشركات التقنية عمومًا، فقد كانت تسير وفق أنظمة متباينة وليس كما الآن، ففي مراحل مختلفة في القرن الماضي، كانت حكومات الاحتلال تتبنى أكثر من نهج، فتجد في أنظمتها ممارساتٍ وقوانين من لُب الرأسمالية، وتجد الملامح الاشتراكية في بعض القوانين أيضًا، إلى أن غلب الطابع النيوليبرالي على ملامحها الحالية، وكل ذلك من أجل التوازن بين الأهداف الكولونيالية على الأرض وتشجيع الاستثمار، وبين مستوى المعيشة لجذب المهاجرين.

 

وعند الحديث عن الدور الحكومي فلا يجب أن نغفل مهارة الحكومات "الإسرائيلية" في جلب الدعم للشركات لديهم، فقد كان الدعم الخارجي مجديًا ومُنقذًا للاقتصاد في بعض الأحيان، وخصوصًا الدعم من الولايات المتحدة التي تغدق عليهم الكثير، كما أن للحكومة عدة صناديق تمول المشاريع والأفكار الإبداعية للشركات الناشئة وبشروط ميسرة، وهو ما جعل الشركات الناشئة في الأراضي المحتلة هي الأعلى على مستوى العالم بالنسبة لعدد السكان.


دور الجيش في النهضة التقنية هو دور مركزي لا يمكن تجاهله، فالنّهم والحاجة عند جيش الاحتلال لاقتناء أحدث وأقوى التقنيات والأسلحة عالميًا؛ كان له دور كبير على صناعة التقنية العالية. فأنشأوا المراكز والوحدات المختصة بالتقنية، فكان مركز "مامرام" لأنظمة المعلومات التابع للجيش في الستينيات، وكانت الوحدة 8200 ومثيلاتها.


دور وحدات الجيش لا ينحصر في توظيف وتدريب رأس المال البشري في تحديث أدواته وتقنياته، فانعكاسات ذلك تمتد إلى القطاع الخاص أيضًا، فعند الحديث عن دور الوحدة 8200 على سبيل المثال والتي تعمل في قاعدة عسكرية في صحراء النقب بفلسطين، فإن خرّيجيها – بعد انتهاء خدمتهم العسكرية – يكونون مؤهلين وذوي خبرة، فيتجه الجندي منهم إما إلى افتتاح شركته الخاصة، أو العمل لدى شركات كبرى.


تقوم وحدة 8200 برصد ومتابعة الاتصالات والمراسلات الإلكترونية في الشرق الأوسط، وتقوم بتقديمها على شكل تقارير ومعلومات إلى قيادة الجيش والوحدات الاستخبارية كالموساد، وذلك بعد معالجة هذه البيانات من خلال خوارزميات التعامل مع البيانات الضخمة Big Data. يقول أحد قادة الوحدة السابقين (يائير كوهِن): "من المستحيل أن تجد شركة تقنية عالية في إسرائيل من دون موظفين كانوا جنودًا سابقين في وحدة 8200"، إضافة لذلك فإن العديد من مدراء ومؤسسي الشركات التقنية لديهم هم من الجنود السابقين لهذه الوحدة. حتى وصل الحال ببعض الشركات أن تشترط لتولي بعض المناصب لديها بأن يكون المتقدم من أعضاء هذه الوحدة السابقين.

ما ميّز الشركات "الإسرائيلية" المصنّعة للتقنية العسكرية والتجسسيّة في الأسواق العالمية هو طرحها لمنتجاتها على أساس أنها مجرّبة، وأن هذه الشركات تتمتع بخبرات طويلة، وذلك من خلال حروب الاحتلال المتعاقبة مع "الإرهاب"

الجزيرة
 

يشير الباحثان (د. فضل النقيب و د. مفيد قسوم) في كتابهما "الاقتصاد السياسي لصناعة التقنية العالية في إسرائيل" إلى عوامل حاسمة، كان لها الدور الأبرز في القفزة النوعية التكنولوجية لدى الاحتلال. فيذكران أثر محادثات مدريد واتفاقية أوسلو في تنمية هذا القطاع، فقد اعترفت أكثر من 20 دولة بالاحتلال خلال عام بعد توقيع أوسلو، الأمر الذي فتح لشركاتهم أسواق هذه الدول، وهنا الحديث يجري عن دول مهمة لا هامشية، فالصين والهند مثلًا أصبحت من كبار مستوردي السلاح والتقنية من الاحتلال.


ويتابع الباحثان في تحليل أسباب القفزة التقنية إلى تطور القطاع التقني نفسه، وتنامي العولمة والرأسمالية وخاصةً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما يشير الباحثان إلى تهتّك ظاهرة المقاطعة العربية والرفض للاحتلال، فقد كانت بعض الشركات الأجنبية مقاطعةً للاحتلال خشية أن تخسر الأسواق العربية التي هي أكبر وأهم لدى هذه الشركات، ولكن بعد تراجع الدور العربي في رفض الاحتلال وتوقيع الاتفاقيات معه سرًا وعلنًا، أصبح بإمكاننا القول أن الخشية زالت عند كل من له مصلحة في التعاون الاقتصادي مع الاحتلال، وأصبح السوق العربي مفتوحًا للشركات "الإسرائيلية" ولو بشكلٍ جزئي. ونتيجةً لهذه المهادنة والتنازلات المتواصلة والاتفاقيات، ارتفعت قيمة الاستثمارات الأجنبية من 400 مليون دولار قبل أوسلو إلى 3.7 مليار دولار في عام 1997.


إن ما ميّز الشركات "الإسرائيلية" المصنّعة للتقنية العسكرية والتجسسيّة في الأسواق العالمية هو طرحها لمنتجاتها على أساس أنها مجرّبة، وأن هذه الشركات تتمتع بخبرات طويلة، وذلك من خلال حروب الاحتلال المتعاقبة مع "الإرهاب". وقد استعمل الاحتلال هذه النقطة ببراعة، ففتحت الدول أبوابها للمنتجات "الإسرائيلية" وخاصةً فيما يتعلق بالمجال العسكري والمراقبة، فكان أن تولّت عدة شركات "إسرائيلية" تأمين الجدار الذي يجري بناؤه على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك نظرًا لخبرتها في جدار الفصل العنصري في فلسطين!

 

كما وتولّت العديد من هكذا شركات تأمين الألعاب الأولمبية في بيجين، حتى وصل الحال بأن تكون شركات دولة الاحتلال هي صاحبة المرتبة الثانية في عدد الأسهم بسوق نازداك الأمريكي على مستوى العالم. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى وثائقي قناة الجزيرة والذي بعنوان "جُرّب في ساحة المعركة" والذي يركّز على ازدهار الشركات "الإسرائيلية" في بيع السلاح بدواعي الخبرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة