مصطفى الآس
مصطفى الآس
134

العنصرية أشد من القتل

10/10/2019

تعددت الأسباب والموت واحد إن كنت سورياً ليست مشكلة أن تموت قصفاً في منزلك أو تموت بشمِ غازٍ سام أو في المعتقل أو تحت التعذيب أو لربما من حسرةِ قلباً لا تنتهي بصراخِ أو كلام أو ما شابه، لم يبقى في العالم مشكلة إن توفي سورياً سواء كان في التاسعة من عمره أو التسعون سواء كان رجلاً أو امرأة، شاباً أو عجوزاً فأين ما ذهبنا ووضعنا رحالنا المتعب وجدتنا نموت هناك فالطفل إيلان مثلاً هرب من الموت إلى الموت بطريق لا خيار فيه إلا الموت والطفل اليوم في تركيا ذو التسع سنوات هرب من تعرضه للعنصرية التي لم يحتمل ثقلها رغم صغر سنه. ولكنه لم يمت لأنه انتحر ابداً وإنما الانتحار كان طريقةٌ فقط لتخرج روحه فهو مات من الحسرة ومن كبتت القلب.

 

فالآن صرتُ أعرف ماذا تفعل العنصرية فينا وكيف تشوه نفوسنا وتحط من مستوى الإنسانية لدينا لنصل إلى أدنى الدرجات مهما كان ديننا أو عرقنا أو قوميتنا، لربما أصبح من الطبيعي في هذا العالم عندما تُذكر كلمة سوري أن يتعرض للتنمر أو للعنصرية أو للقتل أمام الآخرين أو لنظرة اللاجئ المُهان أو لطردٍ من عمل أو كلامٍ ناميٍ وبذيء، فالتنمر ليست بظاهرةٍ جديدة ولا يتعرض له الأطفال فقط، بل أي سوري موجود في تركيا أو أي بقعة من هذا العالم بالأمس أيضاً حضرتُ موقفاً في الجامعة التي أدرس بها هناك برنامج تدريس في اللغة العربية فيتعرض صف كامل ومحاضر يحمل درجة الدكتوراه للتنمر من قِبل آذن إن صح قولنا فأمر المُدرس وطلابه من الخروج من أحد الصفوف دون أي احترام أو تقدير أو أسلوب لائق، ولم يقف الأمر هنا بل هناك الكثير من السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية وخصوصاً الذين لا يتقنون اللغة يتعرضون يومياً للعنصرية ولربما الكراهية أيضاً وفي أي مكان سواء مدراس أو جامعات وفي الدوائر والطرقات والمحالِ التجارية والمؤسسات الحكومية.

 

ينبغي على الحكومة التركية تغيير خطابها السياسي وتوضيحه للشعب التركي وشرح العمليات التي تقوم بها وتصحيح الأخطاء الشائعة

فالعنصرية أوجدها الإنسان وليست وليدة اليوم إنما منذ مئات السنين ولم يكن ديننا يوماً يقبل هذه الأمور ولا حتى الإنسانية التي يتكلمون عنها والرسول عليه الصلاة والسلام قال: "الناسُ سواسية كأسنان المشط" وقال ايضاً "كلكم بنو آدم وآدم من تراب" فلا يوجد إنسان يكره إنساناً آخر من لون بشرته أو لغته والناس كما قال مانديلا تعلمت الكراهية وبإمكانهم أن يتعلموا الحب ولكن جميع المواقف التي تحصل من شرق العالم إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه من وجهة نظري ما هي إلا بشكلٍ متعمد أو نتيجة سياسات حقيرة أو تلاعب في الرأي العام عمداً أو من غير عمد أو لربما بطرقٍ خبيثة وأساليب وقحة.

 

والطامة الكبرى هي بعد أن تقع الواقعة نبدأ بالنشر والتداول على مواقع التواصل الاجتماعي والتنديد والكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر ولا يعيد الأرواح ولا يعطي لأحدٍ حقه بينما في باقي الأيام نجلس صامتين مشاهدين للمشاهد الأقل قساوة وبين هذا وذلك دراما الشعوب التي لا تنتهي.

 

وبما أن تلك الحادثة ليست الأولى من نوعها في تركيا من وجهة نظري ينبغي على الحكومة التركية تغيير خطابها السياسي وتوضيحه للشعب التركي وشرح العمليات التي تقوم بها وتصحيح الأخطاء الشائعة تجاهنا وإيقاف هذا الحد من الكراهية تجاه السوريين فالشعب التركي وصل إلى مرحلة إنه كلما حدث أمر نظر للسوريين على أنهم مذنبين أو جزء من السبب كالغرب تماماً كلما حدث تفجير أو عملية ما نسبوها للإرهاب الإسلامي لذلك لقد وصل الحد بين السوريين والأتراك من مرحلة العنصرية لمرحلة الكراهية وأكثر.

 

كما يجب علينا نحن أيضاً السعي وراء تخفيف حدة العنف والتنمر من خلال حملات موسعة باللغة التركية، التمعن مرة أخرى بالقوانين والمحافظة على مستوى في التعامل مع الأتراك والعمل قدر المستطاع لمدة ما على عدم مخالفة القانون لعل ذلك يحدث أمراً، بالإضافة إلا أنه على الشعب التركي التخفيف من درجة القومية لديه والمحاولة لفهم الآخر وتقبله، وفي الختام ليعلم العالم بكل لغاته وأعراقه وجنسياته وأديانه أن التعرض للعنصرية بشكلِ مستمر أمر مرهق ومسبب للآلام النفسية ومدمر للإنسان والإنسانية وأن العنصرية أشدُّ من القتل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة