سد النهضة.. كيف فرّط السيسي في النّيل؟

10/10/2019

لا يمكن ذكر مصر دون نيلها، هي علاقة وجوديّة وجدانيّة غير قابلة للفصل، هو النّهر الخالد وشريان الحياة، "أثيرو" أو "نيلوس" أو "فيارو"، اختلفت اللّغات والتّسميات لتتوحّد في التعظيم وفي اعتباره أفضل الهبات، ماذا يمكننا أن نقول فيه أكثر ممّا قيل، "مصر هبة النّيل" كما قال الرحّالة "هيرودوت" أو هو نهر من أنهار الجنّة كما رُوي عن الرّسول؟ هو اختزالا قصّة حياة ورواية حضارات، مسترسلة ممتدّة على مدى طوله ترسمه ما يفيضه من قطرات، من مصدر نبعه إلى دلتا مصبّه وحيث ما مرّ وكان حلوله. هي علاقة كما الجسد والرّوح، غير قابلة للنّقاش عبر مرّ العصور، فما الّذي حدث حتّى تُثار حولها الشّكوك ويعتريها البرود و لفتور؟ وهل هي مؤامرة ومحاولة اغتيال لمصر أم هو سوء تصرّف و تقصير ممّن انشغلوا عن شأن مصيري وخطير بقمع الشّعب وتشييد القصور؟

"ثرثرة فوق النّيل"

يوفّر النّيل معظم احتياجات مصر من المياه العذبة بحدود 95 في المائة، 85 في المائة منها مرتبطة مباشرة بالنّيل الأزرق حيث تشيّد أثيوبيا سدّ النّهضة تحديدا بولاية بنيشنقول قماز بالقرب من الحدود الأثيوبية السّودانية، ومن المنتظر أن يبتدئ قريبا ملء خزّانه لتُذرف دموع التّماسيح وتتعالى الأصوات المندّدة مع أنّهم يعلمون أنّ ما يجري مخطّط له منذ سنين! تبلغ حصّة مصر من مياه النّيل حوالي 55.5 مليار متر مكعّب وقد تمكّنت منذ معاهدة 1902 حتّى وقت قريب من المحافظة عليها وجعل مناقشة الموضوع خطّا أحمرا، ليعلن في 2 أبريل 2011 عن وضع حجر الأساس لسدّ النّهضة حينما كان المجلس العسكري في مصر ورئيس المخابرات الحربيّة عبد الفتّاح السّيسي منشغلين بإجهاض ثورة يناير حينما تطلّع الشّعب للحرّية والكرامة والحياة، متجاهلين خطرا داهما وضع له حجر الأساس وبإمكانه أن يسلب من الجميع الحياة.

حصّة مصر في مياه النّيل لا تكفيها حاليا وسيزداد احتياجها في السّنوات القادمة مع النّمو السكّاني والنّشاط الزّراعي والصّناعي ومن المنتظر أن تكون تلك الزّيادة في حدود 21 مليار متر مكعّب مع حلول سنة 2050

كان موقف الرّئيس الشهيد محمّد مرسي قويّا ومزلزلا حين صرّح بأنّه إذا نقصت مياه النّيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل، ليحصل انقلاب 3 يوليو 2013 الّذي كان كارثيّا ومفصليّا في تعميق المأساة، فاستجداء اعتراف القوى الدّولية والاتّحاد الإفريقي، الّذي قام حينها بطرد مصر، كان ذو كلفة غالية إذ لم تحصل عودتها إليه إلاّ بعد أن غضّ السيسي الطّرف عمّا تنوي أثيوبيا فعله والمخطّط له منذ 1956. ليقع المحظور في 23 آذار 2015 وليطلّ علينا السّيسي وهو يهلهل ويرفع إشارات النّصر وكأنّه أنجز أعظم فتح وهو من منح الطّرف المقابل صكّا على بياض بإمضائه على اتّفاقية مبادئ ضمّنها الضّرر البالغ عوض اليسير ممّا يفتح بابا للتّباين في تقدير الضّرر، إلى جانب استعمال عبارات فضفاضة قابلة للتأويل من قبيل "الاستخدام العادل والمنصف للمياه" الّتي تمنح الطّرف الأثيوبي مساحة للمناورة وهو من خبر المفاوضات ليتمكّن بأسلوب التمويه والخداع والتلاعب من تحقيق ما يرنو إليه دون جهد وبلا مصاعب، إذ لا يمكن التّفاوض بعد إحراق جميع الأوراق وإغراق كلّ المراكب.

وتستمرّ الثرثرة الرّسمية في المسرحية الهزلية ليطلّ رأس من يمثّلها في يونيو 2018 وهو يطلب من رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد بأن يقسم بعدم الإضرار بحقوق مصر في النّيل، في لقطة كوميدية لا تتكرّر كثيرا ليطمئنّ البعض قليلا حتّى منتصف سبتمبر 2019 حينما أعلن الجانب المصري عن فشل المفاوضات قبل أن يعلن ذلك السّيسي من على منبر الأمم المتّحدة طالبا الوساطة الدّولية. لم يكن الجانب المصري جدّيا في مفاوضاته وفي الدّفاع عن حقوقه إذ كان مشغولا بقمع شعبه وسلبه حقوقه، ملاحقة المعارضين وتشييد السّجون وبعض القصور. "ثرثرة فوق النّيل" هي رائعة الأديب الخالد نجيب محفوظ وقد تكون من فيض النّهر الخالد، أمّا ثرثرة من يتصدّر حاليا بلدا كتب صفحات مشرقة في التّاريخ فهي قد تكون للنّهر ولمصر سمّ قاتل.

"موت فوق النّيل"

حصّة مصر في مياه النّيل لا تكفيها حاليا وسيزداد احتياجها في السّنوات القادمة مع النّمو السكّاني والنّشاط الزّراعي والصّناعي ومن المنتظر أن تكون تلك الزّيادة في حدود 21 مليار متر مكعّب مع حلول سنة 2050 لتبلغ احتياجاتها 76.5 مليار متر مكعّب تقريبا، فكيف إذا ما تمّ تفعيل تخفيض حصّتها مع بدء ملء خزّان سدّ النّهضة الّذي قد يكون قريبا إن لم يكن قد ابتدأ بالفعل؟ هل تدرون أنّ السّيسي "يفاوض" على نصف ما تحتاجه مصر مستقبلا وقد لا يحصل سوى على الرّبع؟ تأثيرات سدّ النّهضة على مصر ستكون كارثيّة كيف لا وهو يمسّ شريان حياتها؟ ستفقد مصر قرابة 12 مليار متر مكعّب من المياه مع بوار حوال 2.4 مليون فدّان كما ستخسر ثلاثة أرباع أحواض تربية الأسماك إلى جانب انخفاض قدرتها على توليد الكهرباء بحدود العشرين في المائة ومن المنتظر أن يفقد قرابة الخمس ملايين مصري مصادر رزقهم.

قد تدخل مصر في مرحلة العطش المائي وهو ما لا يمكن تعويضه بجملة التّدابير المتّخذة من إنشاء محطّات لتحلية مياه البحر أو حفر للآبار الارتوازية ذات المردوديّة المنخفضة والتّكلفة الباهضة. تبلغ سعة خزّان سدّ النّهضة 74 مليار متر مكعّب وهو قادر على توليد ثلاث أضعاف ما تنتجه مصر من كهرباء كما أنّه بتمام امتلائه سيرشف نصف ما تحتويه بحيرة ناصر من مياه. والمصيبة أنّ في البرنامج ثلاث سدود أخرى قيد الدّرس والإنشاء بسعة 200 مليار متر مكعّب ليتّضح أنّها محاولة حقيقية لخنق مصر واغتيالها بتواطئ الجميع. هو موت فوق النّيل مبرمج و مخطّط له قد لا يرتقي إلى مستوى حبكة الجريمة المشوّقة المذكورة في رواية "أجاثا كريستي"، فالمخطّطون والمنفّذون واضحون ولا تخطئهم العيون.


فمن موّلوا مشروع سدّ النّهضة وساهموا في إنشائه هم من يدعمون السّيسي منذ انقلابه، السّعودية والإمارات والولايات المتّحدة و"إسرائيل" مع مساهمات من بنوك وشركات مصرية، أمّا المسؤولية الأكبر فتقع على السّيسي الّذي يبدو أنّه باع النّيل بثمن بخس، بعد أن فرّط في جزيرة ثيوس لليونانيين وجزيرتي تيران وصنافير للسّعودية وغاز المتوسّط لإسرائيل واستهان بدماء المصريين. ليس من مهمّات السّيسي الدّفاع عن مصر أو الحفاظ على أمنها القومي كمجابهة مشروع مدمّر لها كسدّ النّهضة، فهو كما صرّح مؤخّرا بأنّه مشغول بمحاربة الإسلام السّياسي إلى جانب مهمّته الأصلية في ضمان أمن إسرائيل!

فهو كما قال الرّئيس الأثيوبي لا يدافع عن حقّ مصر في سدّ النّهضة بقدر حرصه على أن تكون "إسرائيل" هي المتحكّمة في السدّ، وما الأنابيب العملاقة التي أنشئت أسفل قناة السّويس الجديدة إلا دليل على أنّ الهدف الحقيقي من كلّ ما يجري هو إرواء ظمأ الحبيبة "إسرائيل" وتحقيق أطماعها في مياه النّيل. ولذرّ الرّماد على العيون قد تبرز من حين آخر طفرة من الوطنيّة الزّائفة في شكل فلم تعتبره دار الإفتاء ممرّا إلى الجنّة في حين يبرز مهرّجون آخرون كسعد الهلالي ليتقوّل على صحابة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بأنّهم وصفوا النّيل بأحد أنهار جهنّم في انتظار أن يكتمل المشهد وتصدر فتاوى بتحريم الغسل فيه أو الشرب منه وجواز التيمّم! وافق السّيسي على قطع شريان مصر وهو يفاوض على المدّة الزّمنية الّتي سيستغرقها النّزيف لتكون ثمان سنوات كفترة احتضار عوض عن أربع حتّى ينعم ببعض الأريحيّة والرّاحة والاستقرار. هل سبق السّيف العدل؟ وهل من الممكن وتغيير المسار وإنقاذ مصر من موت محقّق هو في الانتظار؟ نعم بشرط مشرط جرّاح خبير أو مضادّ حيويّ فعّال يطهّر الجسم من فيروس خطير قاتل كان ولا يزال سببا في ما نشهده من خراب ودمار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة