نجيب بُحاجة
نجيب بُحاجة
155

في المغرب.. إحلال الأمن على حساب تحقيق التنمية!

10/10/2019

قد يبدو الأمر أكثر اتزانا حين يكون الأمن والتنمية في خط أفقي يضعهما بالتساوي، لكن على العكس من ذلك يحدث الاختلال والاضطراب الكبير حين يكون إحلال الأمن على حساب تحقيق التنمية أو العكس، فلا فرق إن كانت هناك تنمية دون أن ننعم بالأمن إن لم نقل أنها لن تكون بدون ذلك إطلاقاً،
وسعياً وراء تحقيق هذا التوازن قام المغرب بعدة مبادرات كما دبّر استراتجيات عديدة كان الهدف منها تعزيز البنية الأمنية بالبلاد وكذا تحقيق التنمية بمختلف تجلياتها. لكن هل بلغنا هذا التوازن أم أن هناك اختلال بين مطلبي الأمن والتنمية؟

لقد قطع المغرب أشواطا كبيرة في مجال إحقاق الأمن لا يمكن بأي وجه نكرانها، تشير إلى ذلك مجموعة من التقارير وهذا الأمر يعترف به المجتمع الدولي ككل، ففي ظل أزمة الأمن التي تعرفها المجتمعات العربية وكذا بعض دور أوروبا وأمريكا، كان المغرب ولا يزال بلداً ينعم بقدر من الأمن يجعله في مصاف الدول الأكثر أمنا بالمنطقة وبالعالم ككل، هذا طبعاً لا ينفي وجود بعض الحوادث المعزولة التي تحاول الضرب في الحصن الأمني المنيع للمغرب، لكن تبقى التدخلات الأمنية الاستباقية أكثر سرعة في مواجهة هذه الحوادث التي غالبا ما يتم إحباطها في مرحلة التخطيط.

لا يزال المغرب يحاول صياغة خطة تنموية ناجعة تحقق الأمن الاجتماعي وتحسن الدخل الفردي للمواطن وتخرج التعليم والصحة من أزمتهما وتجعلهما طموحاً وطنياً لا مجرد ورقة سياسية يتلاعب بها الفرقاء السياسيون

وحتى على المستوى المؤسساتي فإن المغرب عمل على إحداث  المجلس الأعلى للأمن كمؤسسة أمنية أسمى تسند إليها مهمة أعمق بوضع استراتيجية أنجع قوامها الحكامة الأمنية الشاملة ذات الامتداد والاهتمام الوطني والدولي، وتبعا للفصل 54 من الدستور المغربي فإن هذا المجلس يرأسه الملك ويضم مدنيين وعسكريين ووزير المالية...، ويتولى وضع الاستراتيجيات الأمنية وتدبير الملفات الأمنية الكبرى بجمع المعلومات وتبادلها بين مختلف مكونات الحقل الأمني والعسكري، هذه المؤسسة رغم ما يعترض تنزيلها الفعلي على أرض الواقع من إشكالات فإن لها مكانة اعتبارية مهمة تستمدها من كونها أول مؤسسة أمنية يتم التنصيص عليها دستورياً، وتعد فاعلا أساسيا في سبيل تعزيز المنظومة الأمنية في أفق وضع قانون تنظيمي يبين كيفية عملها.

انطلاقاً مما سابق ومن معطيات أخرى كثيرة لا يمكن إلا أن ننوّه ونؤكد على فاعلية القطاع الأمني بالمغرب ونجاحه في جعل المغرب البلد الاستثنائي على المستوى الأمني بالمنطقة، وحتى لا نخرج عن مقاربتنا الأساسية في هذا النقاش نعود ونتسائل، هل حققنا التنمية بالموازات مع ما تم تحقيقه في المجال الأمني. إن قرائتها للوضع التنموي بالمغرب تعتبر إجابة صريحة لا لبس فيها على التسائل المطروح أعلاه. وهذه القراءة تجرنا إلى خلاصة أساسية تشير إلى أننا فقدنا بوصلة التنمية بين نموذج تنموي فاشل وآخر لم يجب على تطلعات كل الفئات المجتمعية. وبين نموذج أتى أكله على المستوى الاقتصادي ولم يحقق شيئاً يذكر على المستوى الاجتماعي.

لا يزال المغرب يحاول صياغة خطة تنموية ناجعة تحقق الأمن الاجتماعي وتحسن الدخل الفردي للمواطن وتخرج التعليم والصحة من أزمتهما وتجعلهما طموحاً وطنياً لا مجرد ورقة سياسية يتلاعب بها الفرقاء السياسيون وفق مصالحهم، وكذا الرفع من جودة الخدمات الإدارية المقدمة والعمل على توفير مناصب شغل تتلاءم والكفاءات الموجودة في الساحة، إلى غير ذلك من أوجه الإصلاح التنموي...، بالإضافة إلى العمل على تكريس  العدالتين الإجتماعية والمجالية اللتان تعدا عمودي أي نموذج تنموي ناجح.

حتى لا نكون ممن يساهم في تخمة التشخيص -تشخيص الواقع الاجتماعي بالمغرب- الغني عن البيان، فإننا نؤكد مرة أخرى على أن النموذج التنموي المزمع صياغته وتنزيله يجب أن يكون نموذجا تنمويا اجتماعياً بالدرجة الأولى، وهذا لا يعني أن الخطة التنموية  يجب أن تتغاضى عن الجوانب الأخرى، لكن الأولوية القصوى يجب أن تمنح للشأن الاجتماعي ذلك أن هذا الأخير لا يزال ضعيفاً بالمقارنة مع الجوانب الأخرى كالاقتصادية والبيئة وغيرهما والتي على الأقل لمسنا فيها التغيير الإيجابي. يبدو إذن الاختلال جلياً بين كل من الأمن والتنمية، ففي الوقت الذي حققنا فيه مكاسب كبيرة في القطاع الأمني يشهد لنا بها العالم، لا زلنا لم نحقق التنمية المنشودة التي يتطلع إليها المواطنون، التنمية التي لا تستثني أي مواطن ولا تضع  فوارق بين منطقة وأخرى على أسس مجالية أو على أساس النفع العائد منها ففي الأخير لا حاجة بالأمن لأفواه جائعة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة