ماذا يعني أن تكون دافعاً للضرائب في الأردن؟

14/10/2019

يقوم النظام الذي تعتمد فيه الدولة على ضرائب المقيمين والمواطنين كمصدر رئيس للدخل على الحرية (الليبرالية) كركن ركين لتأسيس العلاقة بين دافعي الضرائب والدولة. ولا تقتصر تلك الليبرالية على حرية التعبير، كما يظن البعض، بل تتعداها لما يصل إلى منظومة من الحقوق والواجبات لكل من دافعي الضرائب والدولة. تسعى هذه المقالة إلى توضح بعض المفاهيم التي من شأنها رفع مستوى الوعي لدى دافعي الضرائب لمعرفة حقوقهم وواجباتهم من وتجاه الدولة.

اختارت الدولة الأردنية أن تتجه نحو الليبرالية الاقتصادية وما رافقها من خصخصة مقدرات الدولة، وكان ذلك بالتزامن مع تخلي الدولة عن دعم السلع الأساسية مع رفع تدريجي للضرائب طوال عقدين من الزمن حتى أصبحت الضرائب تشكل غالبية موارد الخزينة. ولست هنا بصدد انتقاد الخصخصة والنظام الضريبي، رغم ما يعتريهما من مخالفات لمبدأ الشفافية في أي نظام ليبرالي، كي يتم التركيز على حقوق دافعي الضرائب وواجبات الدولة تجاههم.

تغير العقد الاجتماعي
غياب الشفافية يفتح باب اعتبار كل شبهات الفساد على أنها حقيقة غير قابلة للنقاش، وهذا يزيد من زخم الغضب في الشارع ورفع سقوف مطالباته. ورغم أن حكومة الدكتور الرزاز أطلقت مبادرة "حقك تعرف" وأنشأت لها منصة إلكترونية

يعتبر العقد الاجتماعي بمثابة المنظم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ورغم أنه عقد إلا أنه غير موثق، بل هو معتبر عرفاً. ومن أهم الأعراف في المجتمع الأردني أن الملك خط أحمر، وأن كل الشعب يدين له بالطاعة. وأن الملك هو صاحب المكرمات، المتفضل على الشعب، والساعي لتدبير أموره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وأن الثقة في الملك تكاد تكون عمياء، فهو من نسل شريف يضمن له الطاع. كل هذه الأعراف كنت قد عايشتها في الأردن حتى غادرتها قبل عقدين من الزمن. لكن ما الذي يجعل الشباب من هذا الجيل يتجرأ على هذه الأعراف لدرجة محاكمته بتهمة "إطالة اللسان"؟ وما الذي جعل العديد من الحسابات (لأشخاص حقيقيين) على مواقع التواصل الاجتماعي توجه انتقاداً واضحاً للملك وللمكلة؟

لقد كان الأردن دولة رعوية، وكان الشعب فيها بالفعل رعايا للملك المدبر والمتكرم. لكن تخلي الدولة عن مقدراتها وعن دعمها للسلع الأساسية، وتوجهها إلى فرض الضرائب أدى إلى حراك اجتماعي لدى جيل جديد من الشباب الذي يرى أن "من يدفع هو المتفضل"، وأن من يدفع هو من يجب عليه أن يحكم. ورغم أن هذا الحراك الاجتماعي في بدايته، إلا أنه أصبح ينتشر بشكل متسارع رغم مقاومته من قبل عدد من القوى. الأولى، هي كبار السن الذين لا يزالون يؤمنون بالعقد الاجتماعي الأساس الذي أسس للعلاقة بين الملك والشعب منذ قيام الدولة. والثانية، قوى المنتفعين الذين يدركون أن أي نهضة ديموقراطية تقوم على أساس الملكية الدستورية ستطيح بمصالحهم. والثالثة، القوة الأمنية التي كانت ولاتزال أهم مرتكزات قيام الدولة، والتي تنسق مع أو تتحرك من قبل مؤسسة العرش.

بدأ الحراك الأردني مع بدايات الربيع العربي، وتذبذب في حالات من الصعود الهبوط، إلا أنه لا يزال مستمراً ومن الممكن جداً أن يستقطب المزيد من شرائح المجتمع. ولعل أبرز مطالبات ذلك الحراك تتمثل في التحول نحو الملكية الدستورية، بحيث يتخلى الملك عن الكثير من السلطات التي يتمتع بها ويمنحها لحكومة منتخبة من قبل الشعب. لكن للملك رأي آخر ليس معارضاً ولكن متحيناً للفرصة المواتية التي يرى فيها أن الشعب أصبح جاهزاً للديموقراطية. حتى تحين هذه الفرصة لابد من التنويه على أن دافعي الضرائب في الأردن لهم حقوق يجب أن يضمنها القانون ويجب أن تعمل الدولة على إنفاذها لتجنب التأزيم.

مزيد من الشفافية وقليل من الغموض

وأنا أتابع مواقع التواصل الاجتماعي أرى الكثير من اللغو المشوب بالحقائق. فالكثير من الوثائق المسربة حول شبهات فساد، والكثير من الحكايا حول ترهل القطاع العام والواسطة والمحسوبية والرواتب الفلكية. قد تكون تلك الأمور صحيحة، وقد ثبتت صحة بعضها بالفعل، وقد تحتمل الخطأ أو التضخيم. لكن الخطأ الأساس الذي ترتكبه الدولة هو عدم الشفافية. بل على العكس، تم توزيع تعميمات على المؤسسات الحكومية تحذر من عقوبات بالغة لمن يسرب أية وثائق.

إن غياب الشفافية يفتح باب اعتبار كل شبهات الفساد على أنها حقيقة غير قابلة للنقاش، وهذا يزيد من زخم الغضب في الشارع ورفع سقوف مطالباته. ورغم أن حكومة الدكتور الرزاز أطلقت مبادرة "حقك تعرف" وأنشأت لها منصة إلكترونية، إلا أنها لم تكن بالمستوى المطلوب، لأنه فيما يبدو أن الدكتور الرزاز لا يعلم كل ما يحدث حسب الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي. والشفافية هنا لا تتعلق بنشر المعلومات وحسب، بل إتاحتها لكل من يسأل عنها، واستخراجها عندما تكون هناك قضايا رأي عام.

توضيحات أكثر لمبررات وجود المؤسسات الموازية

هناك كلام كثير حول عديد المؤسسات الموازية التي نشأت خلال العقدين الفائتين من الزمن. فمنها الهيئات المستقلة ومنها مؤسسات ملكية لاسيما التي ترتبط بمؤسسة الملكة رانيا العبدالله. فعلى سبيل المثال كانت أكاديمية الملكة رانيا قرب محور النقاشات والهمهمات والانتقادات خلال إضراب المعلمين الأخير. هنا علي توضيح أمر غاية في الأهمية فيما يتعلق بشخص الملكة رانيا. فمن خلال متابعتي وجدت أن هناك انتقادات توجه لها على أساس تمييزي (Discrimination) بحت وبجهل مدقع. ما يهم دافع الضرائب في الأردن هو الشفافية بخصوص مؤسسات الملكة رانيا وليس شخصها الكريم.

فهناك اثنا عشرة مؤسسة تحمل اسم الملكة وتحمل الصفة الخيرية في نفس الوقت. إلا أن تلك المؤسسات، وحسب ما اطلعت عليه من وثائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولم أتأكد من صحتها بعد، تتمتع بمعاملة قانونية تمنحها مزايا ضريبية وتسهل أعمالها. وهنا من حق دافع الضرائب الأردني أن يطرح عديد من الأسئلة التي من شأن الإجابة عليها أن تخفف من احتقان الشارع من جهة، وتجعل الدولة تؤدي حقوق دافعي الضرائب لأصحابها من جهة أخرى. ومن تلك الأسئلة والحقوق على سبيل المثال: حق المساواة، هل تمنح المزايا التي حصلت عليها مؤسسات الملكة رانيا لأي مؤسسة خيرية أردنية؟ حق محاسبة المسؤول، إن كان الجواب على السؤال السابق "لا"، فمن هو المسؤول، وكيف ستتم محاسبته؟

كنت قد قرأت مقالاً للكاتب الأردني مالك العثامنة على موقع "الحرة" تعرض فيه لاختلاف الرؤى الملكية لتطوير الدولة والنهوض بها مع معارضي التحديث استناداً إلى وصف الملك لتلك القوى بأنها قوى منفعية تعارض التحديث لأجل مصالحها وفق تصريح سابق للملك لمجلة الأتلانتك. وقد رأى الكاتب أن الأجدى على رأس الدولة أن يوضح ماهية تلك القوى دون تركها مبهمة. وانتقد الكاتب بناء الفريق الإعلامي للملكة على تصريح الملك بوصف تلك القوى "بالديناصورات" من أجل أن يرد على كل الانتقادات الموجهة لنشاطات الملكة.

وعلني هنا أثني على رأي الكاتب وأضيف له بعدين. الأول، أن الفجوة التي بدأت تتعاظم بين الدولة ودافعي الضرائب سببها على ما يبدو غياب الحوار المبني على الشفافية بين مؤسسة العرش، بصفتها الحاكم الفعلي للبلاد، ودافعي الضرائب. فالملك والملكة يملكان رؤى ليبرالية واضحة في حين أن الشعب الأردني، دافع الضرائب، محافظ بطبيعته. والفرق بين الموقفين كبير من الناحية الفكرية، ولتقريب المواقف لا بد الموازنة بين الرؤى الملكية وتفهم العادات التقاليد الأردنية الراسخة لدى الشعب. ولعل أبرز ما يدلل على غياب التواصل بين الطرفين هو تغريدة الملك الأخيرة حول إضراب المعلمين.

أكاد أجزم أن الملك لم يصغ تلك التغريدة، رغم أنه قد أوحى بمضمونها. لكن ردود الأفعال عليها في مواقع التواصل تدل على أن هناك غياب الفهم العميق لما يحصل في الشارع من قبل من يحيطون بالملك على الأقل. أما البعد الثاني فيتعلق بحق دافعي الضرائب بالاطلاع على القيم المضافة التي تقدمها مؤسسات الملكة لدافعي الضرائب. فلو صدر تقرير اقتصادي واجتماعي من خبراء، غير متأثرين بالدولة وبعيدين عن الإعلام الحكومي المترهل والساذج جداً والفرق الإعلامية الملكية المتعالية، لتوضيح القيم المضافة لمؤسسات الملكة لكان بالإمكان تقريب وجهات النظر لدى الكثير من دافعي الضرائب.

الخلاصة

لما اختارت الدولة النهج الليبرالي في اقتصادها، أصبح لزاماً عليها أن تؤدي حقوق دافعي الضرائب، وأن تتحمل انتقاداتهم وتجيب على تساؤلاتهم. فمن يدفع ليس كمن يقبض ويصرف. ولعل أبرز ما يحتاجه أطراف العلاقة في الأردن في الوقت الحالي هو الشفافية والحوار المسؤول والنهوض بمستوى الوعي في المرحلة الانتقالية المفضية إلى الملكية الدستورية. كما أن هناك حاجة ملحة لتعديل قانون الانتخابات لاستبدال المجالس النيابية الهزيلة التي شهدها الأردن خلال العقدين الأخيرين من الزمن، يترافق ذلك من تنمية ثقافة الحوار ونزول الإعلاميين الموالين للدولة لا سيما المحيطين بالملك والملكة من أبراجهم العاجية للعمل بموجب الحقيقة القائمة: أن دافعي الضرائب يدفعون رواتبهم الكبيرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة