د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.3 k

يوسف إدريس الذي عاش السياسة في معطف الفنان الأزرق

15/10/2019

كان الدكتور يوسف إدريس أديباً موهوباً مبدعا وصاحب قدرات بيانية رائعة، ما في ذلك من شك، وكان فناناً قادراً على تقديم أروع صور البناء القصصي والمسرحي على حد سواء، لكنه شأنه شأن كل المثقفين والمهنيين المصريين من جيله، عانى من كل ما عانى منه جيل كامل من ظروف لم تكن قاسية وقاهرة فحسب، بل كانت أيضاً سريعة التقلب والتبدل، وقد أصابته هذه الظروف بحزمة من الأمراض العضوية وحزمة أخرى من الأمراض النفسية، ومن الحق أنه صارع هذه الأمراض بكل قدرة له على المجاهدة وبكل رغبة له في الحياة.

   

بدأ الدكتور يوسف إدريس نشاطه الأدبي والسياسي معاً، أي في وقت واحد وببدايات متزامنة، وكانت هذه عادة كثيرين من الموهوبين من أبناء جيله من الذين قُدر لهم أن يدرسوا الطب ويعيشوا حياته الحافلة في القاهرة العامرة المزدهرة بعد الحرب العالمية الثانية،وذلك مع اختلاف انتماءاتهم السياسية، وباختصار شديد يقرب الصورة من دون أن يزعم أنه يُدققها أو يحققها، فقد كان الدكتور يوسف إدريس على سبيل المثال (الموحي والجائز الحدوث ) واحداً من الذين حضروا اغتيال حكمدار القاهرة اللواء سليم زكي بقنبلة أودت بحياته ألقيت من فوق سطح قصر العيني الذي هو مستشفى كلية طب القاهرة، ربما كان الذي ألقاها هو الدكتور سالم نجم وكيل نقابة الأطباء في عهد الرئيس مبارك نفسه وعضو الإخوان، وربما كان الذي ألقاها هو الدكتور يوسف إدريس نفسه، الذي قُدر له أن يمارس النشاط السياسي والعمل الوطني من خلال التنظيمات الشيوعية، وربما كان زميل لهما هو الذي ألقاها، بيد أن الأمر لا يخرج بالفاعل عن أن يكون من طلبة الطب ذوي الاتجاه الوطني أياً ما كان انتماؤهم السياسي والفكري.

 

الدكتور يوسف إدريس فقد بالتبعية ثقة كل ذوي السلطة بمن فيهم الرئيس عبد الناصر، وأصبح مطالبا إذا أراد القرب من أيِّ من هؤلاء الضباط أن يبالغ في المديح وفي تصوير العظمة

قامت ثورة 23 يوليو 1952، فظنها الدكتور يوسف إدريس على نحو ما ظنها أنداده في جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الممارسين للسياسة والوطنية ثورة لهم، فإذا بها ثورة عليهم، كان الدكتور يوسف إدريس بحكم معاناته المبكرة مع تقييد الحرية ومع قيود الوظيفة ومع القيود الاختيارية التي يصطنعها الأطباء من زملائه لمهنة الطب، قد أصبح أكثر وعيا من زملائه الآخرين من الشباب الطاهر البريء أو المتزمت، وهكذا فإنه لم يجد ما يحول بينه وبين أن يكون مرتبطاً عضويا بالنظام الجديد، كان من الطبيعي أن يتجه الدكتور يوسف إدريس بموهبته إلى الصاغ صلاح سالم الذي بدا خطيباً مفكراً متفاعلاً مع الأحداث أو إلى القائمقام أنور السادات الذي بدا هو الآخر خطيباً مفكراً صانعاً للأحداث من وراء ستار أكثر منه منفعلاً بها، واستقر الدكتور يوسف إدريس بعد تفكير مستند إلى حسن التقدير، على أن يعمل مع القائمقام أنور السادات، وكان الدكتور يوسف إدريس بهذا الاختيار يدلل للزمن على قدرته على تقييم الأشخاص، ومن ثم فقد اختار الدكتور يوسف إدريس لنفسه ما وافق عليه الرئيس السادات من أن يكون هو يد الرئيس السادات الكاتبة أو أن يكون بمثابة قلم الرئيس السادات.

 

ومن الإنصاف للدكتور يوسف إدريس أن نعترف بأنه أخلص في أداء هذه الوظيفة للسادات، وإن لم يستمر أداؤه بالدهاء الكافي الذي كان من المفترض أن يسول له أن يحتفظ بمهمته [الثورية] هذه بعيداً عن العلن، فما هي إلا فترة قصيرة وأعلن الدكتور يوسف إدريس من دون مبرر ظاهر أنه هو الذي كتب للسادات كتابه الذي ترجم بالإنجليزية ووُزّع في الأقطار الأجنبية التي كانت ترحب بأي كتاب لضابط مصري من قادة ثورة 1952، وبالطبع فإن الدكتور يوسف إدريس لم يكن يعرف أنه يُنهي بهذا الإعلان علاقته بأي دور صحفي لا يليق به إلا الكتمان.

 

وهكذا فإن الدكتور يوسف إدريس فقد أنور الرئيس السادات مُبكراً جداً، وبسبب الدكتور يوسف إدريس نفسه، وبأدنى تدخل من الرئيس السادات، بل إن الدكتور يوسف إدريس فقد بالتبعية ثقة كل ذوي السلطة بمن فيهم الرئيس عبد الناصر، وأصبح مطالبا إذا أراد القرب من أيِّ من هؤلاء الضباط أن يبالغ في المديح وفي تصوير العظمة، وهو جهد نفسي أكثر مشقة بكثير من الجهد الذي كان سيبذله لو أنه اكتفى بصياغة كتابات روتينية لا تكلفه شيئاً ولا تهدر موهبته ونفسيته معها أو لو أنه صمت، وأصبح الدكتور يوسف إدريس، شأنه شأن أي موهوب في عصر شمولي، في حاجة إلى موقف صارخ أو زاعق ليصعد به إلى سطح الحياة الثقافية، التي كانت لا تزال تحفل بأسماء عملاقة، وبذكائه الشديد، بذل الدكتور يوسف إدريس جهوداً متكررة حتى نجحت إحدى محاولاته الذكية الصادرة عن حب للوطن، حين رفض جائزة مؤسسة حوار، فلم يكن من بدِ أمام النظام الناصري يومها إلا أن يكافئه ببعض ما يستحقه.

 

أصبح الدكتور يوسف إدريس في سنواته الأخيرة نموذجا رائداً ومشرفاً وناصعا للبرجوازي المثقف أو المثقف البرجوازي الذي يقضي الصيف على البحر كي يحيط به محبوه، ويرمقه معجبوه

جاء عصر الرئيس السادات، فأخذ أنداد الدكتور يوسف إدريس يستفزونه في هدوء بأن القرب اللصيق من القمة كان مُيسراً لولا أنه تسرع، وهكذا أصبح الدكتور يوسف إدريس مستفَزاً بأكثر مما يحتمل الإنسان الطبيعي، ومن طرائف استفزازه المتصل، أنه فكر ذات مرة في خطوة كبيرة فقرّر الترشح نقيباً للصحفيين أمام يوسف السباعي، مع علمه بأن فرصته في الفوز ضعيفة جدا، لكنه خاض المعركة بجدية شديدة، بيد أنه أضاع فرصة جيدة أتيحت له بعد فترة قصيرة، حين اغتيل يوسف السباعي وخلا ذلك المنصب، فكان من الممكن له أن يترشح له مرة ثانية أمام علي حمدي الجمال، لكنه فيما يبدو لم يكن في مزاج معنوي يسمح له بتكرار تلك المخاطرة التي كان يحبذها، وهكذا فإنه، من حيث لم يعرف، كرّس ما أشيع عنه من أنه أُمر بالترشيح لمشاكسة يوسف السباعي فحسب، وأنه ليس صاحب مشروع نقابي ولا صحفي ولا سياسي.. الخ.

 

 ثم جاءت المرحلة التي وصفناها في مقام آخر بأنها دور يوسف إدريس في استئصال الانتصارات الساداتية (وبخاصة نصر أكتوبر) بالمنظار. ولما جاءت جائزة نوبل للأستاذ نجيب محفوظ، فإنها لم تكشف الستار عن طموحات الدكتور يوسف إدريس التي لم تكن مخفية ولا مستورة، لكنها أظهرت الدكتور يوسف إدريس في صورة لا يحبها أحد لنفسه، فأصبح عصبيا مرتبكا متهماً شكاكاً مفتقداً للمنطق، متحدثاً بما لا يُحسن الحديث به، ومع هذا، فإن معجبيه لم يجدوا ما يمنعهم من أن يزعموا أنه كان أحق بالجائزة من نجيب محفوظ بينما النقاد يبتسمون في صمت، والادباء المبدعون يضحكون بصوت عال، والصحفيون يسخرون في جلبة.

  

وقبل نهاية حياة الدكتور يوسف إدريس جاءت مفاجأة لم تكن في الحسبان، وكان صاحبها هو أنشط مهندسي عصر الثورة المهندس حسب الله الكفراوي الذي زامل الدكتور يوسف إدريس في إحدى مراحل حياته، فلما بدأ توزيع وحدات الساحل الشمالي، رأى المهندس حسب الله الكفراوي بثاقب فكره أن الدكتور يوسف إدريس بأسرته كفيل بأن يكون أيقونة بارزة في مارينا. وهكذا خصص الكفراوي للدكتور يوسف إدريس فيلا متميزة من مارينا، حين لم تكن الأسعار في مارينا قد تحركت حركتها الأولى، أي مبكرا بكثير عما قبل قفزاتها المتتالية، وهكذا أصبح الدكتور يوسف إدريس في سنواته الأخيرة نموذجا رائداً ومشرفاً وناصعا للبرجوازي المثقف أو المثقف البرجوازي الذي يقضي الصيف على البحر كي يحيط به محبوه، ويرمقه معجبوه، وهو يعيش في شارع يحمل اسمه، بل يُصبح هو نفسه رمزاً مبكرا لهذه المدينة الساحلية التي أصبح لها شأن في الحياة الاجتماعية، وأصبح هذا الشأن هو النقيض التام لكل ما عاش الدكتور يوسف إدريس من أجل التبشير به أو تصوره.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة