سعيد أبوزينة
سعيد أبوزينة
1.1 k

الجوكر وفانديتا.. حوار فلسفي بين ثورتين

20/10/2019

"وما الإنسان الجمهور الحالي، في الواقع، سوى بدائي انزلق من هياكل الديكور إلى مسرح الحضارة القديم"

(تمرد الجماهير - خوسيه أورتيغا غاسيت)

  

"فليست المدينة العالمية ملكا لشعب، بل ملك لجمهور، إن عدائها الذي لأسبب لجميع التقاليد الممثلة للحضارة.. تدل على خاتمة الحضارة"

(أوزوالد شبنغلر - تدهور الحضارة الغربية)

 

مقارنات كثيرة وإحالات بدت ظاهرة بين فيلم تود فيليبس الأخير "جوكر" وبين أفلام سابقة مثل "سائق التاكسي" و"ملك الكوميديا" و"فارس الظلام الجزء الثاني" وفيلم "النكتة القاتلة" وغير ذلك من أفلام وشخصيات، وقد بدت هذه الإحالات صريحة واضحة. لكنني سأبحث هنا في إحالة مختلفة تجعل فيلم "جوكر" قرينا لفيلم "V for Vandetta” في ثيمته وهيكله وبعض مشاهده، والأهم من ذلك وبمستوى أعمق تجعل هذا الفيلم يحاور ذاك حوارا فلسفيا عميقا يقفنا على جدلية فلسفية مثيرة.

 

ولا تبدو هذه المقارنة بعيدة إذا ما عرفنا أن فيلم الجوكر تأثر كثيرا بتصوير الكاتب الشهير "آلان مور" في قصصه المصورة لشخصية الجوكر وأصوله، وهو الكاتب نفسه الذي قدّم لنا قصة "V for Vandetta".، نرى الفيلمين يتحدثان عن رجلين كانا ضحية شكل من أشكال السلطة، ويسردان قصة الانتقام من هذه السلطة بالثورة عليها، فنرى "في" ضحية لسلطة سياسية شمولية تعكس بوضوح صورة الاضطهاد الذي مارسته الأنظمة الفاشية ضد الأقليات العرقية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين، ونرى "في" يرتدي قناع جاي فوكس الضاحك ويبدأ رحلته الانتقامية من النظام عن طريق استثارة الناس ضده وخلق نوع من الفوضى الخلاقة التي تنتهي إلى ثورة، بينما نجد الجوكر ضحية لسلطة ثقافية اجتماعية أكثر خفاء ولعلها هي نفسها السلطة التي تحدث عنها ميشيل فوكو.

  

كلا الفيلمين يبدآن بالمشهد نفسه تقريبا، ارتداء القناع أمام المرآة مع صوت ينبعث في الخلفية ليحدد الظرف الزماني والمكاني لهاتين الشخصيتين، كذلك يبدو مشهد قتل "في" للضباط الثلاثة العاملين مع المستشار الطاغية والمتحرشين ب "إيفي" مطابقا لمشهد قتل آرثر للشبان الثلاثة الذين يعملون في شركة توماس واين بعد تحرشهم بفتاة جالسة في القطار. ويعدّ هذان المشهدان فاتحة لثورتي هاتين الشخصيتين.

   

  

وكما أن "في" يختفي خلف قناع جاي فوكس ولا يرى له وجودا حقيقيا إلا من خلاله، نجد آرثر الذي لم يكن يحس بوجوده قبل حادثة القطار، وقد غدا يحس به بعد أن تحول قناع المهرج الذي كان يرتديه إلى رمز للغضب الاجتماعي ضد الأثرياء والمتنفذين، ويبدو أصل آرثر غامضا ملتبسا مثل أصل "في"، فنحن لا نعلم عن آرثر في النهاية شيئا سوى المعاناة التي خرج منها، مثله في ذلك مثل "في" الذي لا نعلم عنه سوى أنه خرج محترقا من سجون النظام الفاشي.

 

كذلك نرى الشخصيتين تجدان في الرقص تعبيرا عن تحقيق الذات، فنرى "في" يرقص مع "إيفي" عشية الثورة التي سيطلقها، كذلك نرى آرثر يرقص في حمام عام بعد أن قتل الثلاثة وفر هاربا، وقبل أن تُفتح الستارة على ثورته التي أذكاها بقتل موراي الكوميدي الشهير على الهواء مباشرة ثم بعد أن تحرره الجماهير الغاضبة وترفعه رمزا لثورتها، ولهذا كله لا يخفى أن الجوكر يتم تقديمه كرمز للثورة مَثَلُه في ذلك مَثَل "في"، إلا أن بين هذين الرمزين فارقا فلسفيا عميقا، يجعل الجوكر معبرا عن شكل من الثورة لعله أقرب إلى الواقع وأكثر سوداوية من ثورة "في" المثالية التي يسير كل شيء فيها بسلاسة وحسب الخطة المرسومة في أجواء فانتازيا رومانسية واضحة.

 

فإن كان "في" قد صنع ثورته بنفسه من الألف إلى الياء مدركا لمراحلها وما يعترضها من عوائق ومخططا ومدبرا لها قبل الشروع فيها، فإن آرثر يبدو لنا وكأن الفوضى هي التي صنعته بغير تخطيط منه ولا تدبير، بل إن المناخ الاجتماعي المتفجر هو الذي حوّله إلى رمز، فنرى لحظة انفجار آرثر في وجه السلطة الثقافية وافقت لحظة انفجار الجماهير في وجه السلطة الاجتماعية، وقد امتزجت الثورتان في النهاية.

 

وإن كانت ثورة "في" قائمة على إحياء الذاكرة وتحفيزها ضد الاضطهاد السياسي، فإن ثورة الجوكر هي وليدة النسيان، فنحن لا نرى خلف ثورة الجوكر أي ذاكرة حاضرة تذكيها، بل هي ثورة شخصية وسط فوضى عارمة من الضغط الاقتصادي والاجتماعي، فلا وجود لتاريخ واضح لمدينة غوثام، ولا حتى إطار زمني يضع الحاضر قبالة الماضي، وهناك مشهد معبر عن هذا التناظر الزماني عديم الأبعاد يظهر حين تُذكّر الطبيبة النفسية آرثر بماضيه حيث كان محجوزا في المصحة ويبدو مشهد سريع له وهو يضرب رأسه بالباب وبجانبه ساعة تشير إلى الوقت نفسه الذي تشير إليه الساعة في مكتب الطبيبة النفسية، دلالة على نفي الزمان والذاكرة كإطار حقيقي لهذه الثورة.

   

  

لهذا نرى الجوكر من هذه الناحية النقيض التام لـ "في" وثورته، فالجوكر رمز للفوضى التي تمارسها الجماهير في "المدينة العالمية" التي وصفها شبنغلر في كتابه "تدهور الحضارة الغربية" باعتبارها الشكل النهائي لحضارة في طور الأفول، هذه المدينة التي وسمت الحضارة الغربية الحديثة، فهي مدينة تتركز فيها الحضارة وتضم جحافل من البشر مكتظين فيها، وسمة هذه المدينة هي أنها تخلو من تاريخ، وأن جماهيرها يعيشون في نسيان تام لماضيهم وتقاليدهم، هذه الجماهير التي لا تجتمع على مبادئ وتقاليد عامة، وإنما هي تعيش في لحظتها الراهنة، ولذا فهي تعيش في شكل من أشكال البربرية، وهي إن ثارت في وقت الانهيار الاجتماعي، فإن ثورتها لا تقف عند الخروج على الاضطهاد السياسي بل تتمادى وتتعداه إلى كل أشكال السلطة مهما كانت، فثورة الجوكر هي ثورة على تقاليد وأعراف وثقافة لا يجد نفسه منسجما معها، فهو رمز للثورة في أكثر أشكالها تطرفا وفوضوية.

 

لهذا السبب أرى أن الفيلم لم يعجب كثيرا من الجماعات المطالبة بالعدالة الاجتماعية (SJW) في أمريكا وأوروبا، لأنه ببساطة يذهب بمفهوم الثورة في "المدينة العالمية" إلى نهايتها المنطقية، فالمفهوم الفوكوي للسلطة الثقافية وشمولها لكل مناحي الحياة حتى اللغة، هذا الشكل من السلطة الذي تستبطنه هذه الجماعات لا يجعل للثورة حدودا تقف عندها، فكل أقلية تعاني من ضغط ثقافي اجتماعي لها الحق في أن تسعى لتحقيق العدالة لنفسها بالثورة، ولذا فإن النهاية المنطقية لهذا النموذج هي الفوضى العارمة. وهذا هو بالضبط ما عبّر عنه خوسيه اورتيغا غاسيت في كتابه "تمرد الجماهير" ب "الثورة البربرية عموديا".

 

ولهذا يبدو فيلم الجوكر أبلغ في تصوير المآل الذي انتهت إليه الديمقراطيات الغربية، فالجوكر تعبير بليغ عن الإنسان- الجمهور المتمرد على كل سلطة والذي خرج إلى الوجود بغير ما ارتباط حقيقي بالتاريخ وبغير ما مبالاة حقيقية بما سيؤدي إليه تمرده المستمر على كل ثابت، ولا شك أن صورة الجوكر وهو ينحدر على السلم راقصا بعشوائية قبل ثورته المرتقبة صورة رمزية مرعبة لمجتمعات تنحدر راقصة إلى الفوضى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة