كيف يمكن للأردن أن ينكأ المتربصين به؟

29/10/2019

يعاني الأردن من مشاكل جمة، فهر يرزح تحت شروط صندوق النقد الدولي، ويئن تحت مديونية قاربت ٩٥٪ من ناجه الإجمالي المحلي، ويواجه ضغوطات، إن لم تكن مؤامرات، من بعض دول الجوار بما فيها الكيان المحتل. كما يواجه النظام في الأردن موجات من الحراك الشعبي التي بدأت تتعاظم حتى وصلت إلى تأييد شعبي شبه كامل للمعلمين في إطرابهم الأخير الذي أسفر عنه رضوخ الحكومة لمطالب المعلمين وأكثر. في ضوء تلك الضغوطات الداخلية والخارجية المتزايدة يتوجب تغليب العقل ومناشدة الحكمة لتجنب العواقب الوخيمة. تسعى هذه المقالة إلى إعادة صياغة بعض التصورات التي تم استقراؤها من طروحات تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل مستقبل أفضل للأردن.

الضغوطات الخارجية

ليس غريباً على أحد أن الأردن منذ تأسيسه وهو يعتمد على المساعدات الخارجية التي كانت تمنح له بحكم موقعه الجغرافي المحاذي لفلسطين المحتلة. فقد كان الأردن، من وجهة نظر عربية، منطقة عازلة لأطماع المحتل عن باقي الدول العربية. وهو عازل للدول العربية عن الكيان المحتل من وجهة نظر غربية. وقد اضطلع الأردن عبر الزمن بلعب دور سياسي كبير في المنطقة رغم قلة موارده واعتماده على المساعدات. إلا أن تلك المساعدات أصبحت من أوراق الضغط عليه من أجل الخضوع لما يعرف بصفقة القرن بعد تهافتت عديد الدول العربية، لا سيما المانحة للأردن، ليس على التطبيع مع الكيان الغاصب وحسب، بل على الاستعداد من أجل تمويل تلك الصفقة وتنفيذها.

كان شعار "نجوع معاً أن نشبع معاً" من المحفزات التي أدت إلى نجاح إضراب المعلمين الأخير ووقوف الشارع الأردني إلى جانبهم رغم كل محاولات الحكومة لعزلهم عن الشارع

ربما يظن البعض أن تلك الضغوطات قد تزول بعجز نتنياهو عن تشكيل الحكومة، أو بخسارة ترمب للانتخابات، لكن الأمر قد يتعدى ذلك بكثير. فاليمين المتطرف الأمريكي الداعم لصفقة القرن آخذ في التصاعد رغم كل محاولات تثبيطه. وفوز ترمب بفترة ثانية أمر مرجح حتى اللحظة رغم كل المحاولات لتحطيمه إعلامياً في نظر الناخب الأمريكي، لأن اليمين المتطرف لا يعترف بتلك المؤسسات الإعلامية ولا يتعاطاها، بل يتعاطى مع معلومات تروج له في شبكة الإنترنت السوداء. وعليه فإن أي رهان على أن الضغوطات الخارجية قد تخف مع الزمن هو رهان خاسر على الأقل على المدى المتوسط، إن لم يكن الطويل.

المشاكل الاقتصادية

واهم من يظن أن المشاكل الاقتصادية الأردنية لم تكن مقصودة أو مخطط لها من أجل يوم ستأتي فيه صفقة القرن ويتم الضغط على الأردن بورقة الديون والاقتصاد كما هي مستخدمة في هذه الأيام. وأن حجم الضرائب الملقاة على عاتق المواطن الأردني جاءت صدفة، وأن السعي اليومي للمواطن الأردني لمدة تفوق عشر ساعات أمر غير مخطط له، وأن الفساد الذي ثبت حتى الآن جاء اعتباطاً، وأن الخصخصة التي بدأت في تسعينيات القرن المنصرم دون تجهيز الشعب للتعامل مع توابعها كانت عبثية. كل تلك المشاكل هدفها الأساس هو الوصول إلى حالة من الاستسلام لما يتم إملاؤه. وهنا يبدو أنه من العبث الخوض بحلول اقتصادية. فالاقتصاد يمكن تشبيهه بحاملة الطائرات العملاقة التي تبحر في المحيط، تلك الحاملة إن قررت أن تغير اتجاهها سيتطلب منها الأمر ساعات وربما أيام. وكذلك لن تؤتي أي حلول اقتصادية أكلها إلا بعد سنين، وهنا لا بد من حل آخر جوهري يجعل الشارع الأردني متقبلاً للصبر لسنوات من أجل الحل الاقتصادي.

إعادة الثقة لدى الشارع

عبر الملك عبدالله الثاني عدة مرات عن حجم الضغوطات الخارجية التي تمارس على الأردن من أجل الرضوخ لصفقة القرن. وقد صرح مراراً أن الأردن لن يقبل بتسليم الوصاية على الأقصى، ولن يرضى بالكونفدرالية ولا باستقبال اللاجئين الفلسطينيين في الشتات أو من أراض فلسطينية محتلة على أراضيه. هذه الضغوطات السياسية والاقتصادية على الأردن تتطلب حلاً سياسياً من الداخل الأردني يجمع كلمة الشعب مع قيادته. فلا يمكن التصدي للضغوطات والمكائد الخارجية بجبهة داخلية يشوبها الشك بكثير مما تقوم به الدولة.

أطلقت حكومة الدكتور الرزاز مؤخراً "حزمة" تحفيز للاقتصاد. لست هنا لأقيمها، ولكني سأنقل وجهات نظر استقيتها من متابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي. مع الأسف، تلك "الحزمة" لم تلق ترحيباً شعبياً. ربما تكون مخططات الرزاز سليمة وناجعة، وربما لم ترق لأن تكون حزمة تحفيزية في كثير من محتوياتها كما رآها الدكتور القطاونة في تسجيله الأخير، إلا أن هناك حلقة مفقودة سببها انعدام الثقة لدى الشارع بما تقوم به أي حكومة. فكيف يمكن إعادة كسب ثقة الشارع لذي يرى أن الفشل الإداري متراكم منذ أكثر من عقدين من الزمن، وأن الفساد متعاظم دون محاسبة جادة؟

نجوع معاً أو نشبع معاً
دولة قطر استطاعت أن تطبق نموذجاً مشابهاً إلى حد كبير للنموذج السنغافوري مع اختلاف الواقع الجيوسياسي. ربما يمكن للأردن أن يعيد توضيع علاقاته مع القوى الإقليمية وفق نموذج مشابه للنموذج السنغافوري

كان شعار "نجوع معاً أن نشبع معاً" من المحفزات التي أدت إلى نجاح إضراب المعلمين الأخير ووقوف الشارع الأردني إلى جانبهم رغم كل محاولات الحكومة لعزلهم عن الشارع. أستغرب أن القائمين على الأمر في الدولة الأردنية لم يلتقطوا هذا الشعار بعد ليبنوا عليه حواراً وطنياً شفافاً وصريحاً تشارك به شخصيات مقبولة لدى الشارع، وليست محددة من الأجهزة الأمنية أو مختارة من قبل العاملين في الديوان الملكي من أجل إنجاز الحدث إعلامياً فقط.

أجندة عريضة لحوار وطني

من أهم المشاكل التي تعيق التواصل الشفاف بين الدولة، ممثلة بمؤسسة العرش، والشعب الأردني هو الغرق في التفاصيل التي، وإن كانت مهمة، تنحى في البلاد إلى منحنيات قد تكون ذات نهايات غير سعيدة. ربما يكون تشتيت الشارع بتفاصيل جزئية أمراً مقصوداً، لكن، برأيي، أرى أنه أدى إلى تأجيج حالة انعدام الثقة، وخلق حالة من الدوغما التي تهدف للمعارضة دونما دون التعمق في الأسباب. يحتاج الحوار الوطني الأردني إلى تناول أربعة محاور أساسية. أولها، مكافحة الفساد بحزم وشفافية.

ولعل المقصود هنا محاسبة الفساد السابق ومكافحة الفساد اللاحق من خلال منظومة ترقى لطموحات الشارع الأردني الذي يبدو أنه غير راض عن أداء هيئة مكافحة الفساد ولا عن تقارير ديوان المحاسبة ولا عن الصفقات التي تتم داخل أروقة المجالس النيابية الهزيلة والمنفعية. وثانيها، معالجة أوضاع المؤسسات الموازية التي أصبحت بمثابة دولة داخل دولة إضافة إلى العبء المالي الذي تشكله على الخزينة. وثالثها، تشكيل لجنة من الفقهاء الدستوريين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة من أجل أعادة النظر بالدستور الأردني ليتناسب مع متطلبات مرحلة تغير العقد الاجتماعي التي يشهدها الأردن منذ أن اختار النهج الليبرالي كمعتقد سياسي للدولة. ورابعها وأهمها، التشاور من أجل تشكيل حكومة واسعة الصلاحيات تشرف على وتنفذ كل ما سلف.

تحصين الجبهة الخارجية

من المعلوم أن الأردن تموضع ضمن محور إقليمي يدور حول الفلك الأمريكي بشكل أساس. إلا أن هذا المحور بات يشكل ضغطاً كبيراً على الأردن من حيث صفقة القرن، من جهة، ومن حيث معارضته لتطلعات الشعوب العربية بالتحرر من جهة أخرى. ولست هنا لأنتقد وجود الأردن في هذا المحور، لكن لألفت الانتباه إلى السياسة السنغافورية المحنكة في التعامل مع المتناقضات من أجل حماية مصالحها. فسنغافورة لا ترقى لأن تكون دولة من الناحية الجغرافية، إلا أن وزنها الإقليمي كبير مقارنة بمساحتها.

فهي تتمتع بعلاقات اقتصادية قوية جداً مع الصين حتى أنها تعتبر إحدى أهم البوابات للتعامل مع الصين، لكنها في ذات الوقت تتمتع بتحالف أمني مع أمريكا، وتحالف عسكري مع الهند، كما تربطها معاهدات مع كل من نيوزيلاندا وأستراليا. ولعل أبرز مقومات صمودها أنها دائماً تحاول اللجوء إلى القانون الدولي والشرعية الدولية من أجل حماية مصالحها وتبرير قراراتها المخالفة لتحالفاتها. وبرأيي، أن دولة قطر استطاعت أن تطبق نموذجاً مشابهاً إلى حد كبير للنموذج السنغافوري مع اختلاف الواقع الجيوسياسي. ربما يمكن للأردن أن يعيد توضيع علاقاته مع القوى الإقليمية وفق نموذج مشابه للنموذج السنغافوري الذي يدرس في كليات العلوم السياسية في عديد من جامعات العالم.

الخلاصة

يتمتع الشعب الأردني، كأي شعب عربي، بصفات الشهامة والكرامة والصبر. لكنه يحتاج إلى مبررات من أجل أن يستدعي تلك الصفات ويعمل بها. قدمت هذه المقالة مقترحات أولية، يؤخذ منها ويرد عليها، قد تسهم في استدعاء الأردنيين لصفاتهم الأصيلة إذا ما أرادت الدولة أن تنكأ المتربصين بها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة