علي أبو مريحيل
علي أبو مريحيل
1.5 k

ما لا يراه الصينيون في سورهم العظيم

31/10/2019

لطالما ظننت حين كنت طفلاً لا يتجاوز عقده الأول، أن "سور الصين العظيم" دولة، ويرجع ذلك إلى كثرة الأسئلة التي كنت اسمعها حول موقع السور وطوله ومساحته، في مقابل قلة المعلومات والأخبار المتداولة آنذاك عن جمهورية الصين الشعبية، بعد سنوات قليلة، أدركت أن السور جدار عظيم، بناه الصينيون القدماء قبل أكثر من ألفي عام، لحماية حدودهم من الغزو الخارجي، وهو واحد من عجائب الدنيا السبع، ومصنف ضمن التراث الإنساني منذ 1987، ومصدر فخر واعتزاز للأمة الصينية.

 

قبل ثلاثة أعوام أتيحت لي فرصة زيارة السور "الدولة المتخيلة"، تزامن ذلك مع بدء عملي في العاصمة الصينية بكين، لفت نظري عندي وصولي أسفل السور من جهته الغربية، جملة قيل إن الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، كتبها على احدى الصخور بخط يده عام 1935، "بو داو تشانغ تشنغ في هاو خان" وتعني: "لست رجلاً حقيقياً ما لم تصل سور الصين العظيم". شكلت تلك الجملة دافعا بالنسبة لي، للصعود إلى السور سيراً على الأقدام عبر المدرجات والممرات الصخرية، وليس باستخدام القاطرة المعلقة "تلفريك"، التي لم تكن موجودة في زمن ماو، وقد استغرق ذلك 35 دقيقة.

 

كان المواطن الصيني آنذاك مجرد أداة بلا قيمة، يتم استخدامها في أعمال السخرة، فيقوم مقام الدواب لنقل البضائع والأحمال على ظهره

بعد أن وصلت منهكاً، لم يثر السور دهشتي، بقدر ما أثار شفقتي على من قضوا في بنائه وتحت لبناته التي لا تعد ولا تحصى. الكثير من الأسئلة دارت في مخيلتي وأنا أتأمل امتداده صعوداً وهبوطاً على قمم جبال مترامية: كم استغرق الصينيون القدماء في بنائه؟ من أمرهم بذلك؟ ولماذا؟ وكم مات منهم؟ هل حققت الجهود المبذولة غايتها، أم أنها ذهبت هباء منثورا؟

 

شاهد على العبودية

عدت إلى البيت في تلك الليلة، مثقلاً بأسئلة استدعت الإجابة عليها بحثاً عميقاً، لأجد فيما بعد أن حوالي 12 مليون عامل قُتلوا (مصادر صينية) أثناء تشييد السور الذي بدأ في عهد أسرة تشين (221 – 207 ق.م)، بني السور لأغراض عسكرية (صد الغزو الخارجي) غير أن إمبراطورية الصين التي تعرضت للعديد من الغزوات خصوصاً من المغول أثناء حكم أسرتي سونغ ويوان بين أعوام (1207 – 1368)، كان يدخلها الغزاة من بوابات السور في كل مرة، دون الحاجة إلى هدم الجدران واقتحامها، وسبب ذلك أن أباطرة الصين سعوا إلى بناء السور ولم يلتفتوا إلى بناء الإنسان.

  

فكان المواطن الصيني آنذاك مجرد أداة بلا قيمة، يتم استخدامها في أعمال السخرة، فيقوم مقام الدواب لنقل البضائع والأحمال على ظهره، وما سور الصين العظيم كبناء لايزال ماثلا حتى اليوم، سوى تجسيد لفترة العبودية التي عاشها الصينيون في ظل استبداد سلالات متعاقبة حكمت الصين على مدار أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وإلا كيف يمكن إقناع أو إجبار أناس على نقل هذا الكم من الأحجار إلى قمم الجبال، إن لم يكونوا عبيداً، ولو كان ذلك بمزاجهم ورغبتهم، فلماذا قُتل منهم حوالي 12 مليون عامل (عدد سكان تونس).

  

ما تقدم لا يجعلني كسائح أقف منتشياً بكامل ابتسامتي على لبنات السور لالتقاط صورة تذكارية، بل يدفعني للوقوف متأملاً حزيناً في حضرة شاهد على عبودية أمة لم ترتق قيمتها الإنسانية إلى حد ينجيها من مقصلة الأشغال الشاقة، ولو كان الصينيون القدماء كتابيين لقرأت على أرواحهم الفاتحة، ولو كنت صينياً، لما تحدثت بفخر أمام الملأ عن أجدادي بناة السور، بل كنت سأشعر بالأسى، وأتحدث بخشوع ومرارة عن تلك الحقبة، تماماً كما يفعل الصينيون اليوم حين يتذكرون الأهوال التي حلت بهم أثناء الاستعمار الياباني، والمجاعة أثناء القفزة الكبرى، والثورة الثقافية التي اندلعت في ستينيات القرن الماضي.

 

لو كنت مصرياً لما رضيت أن تكنى بلادي بـ "مصر الفرعونية"، لأن تلك الحقبة لا ينبغي لها أن تكون مصدر فخر واعتزاز، وإنما صورة تعكس مدى الظلم
مصر الفرعونية

رغم الفارق الزمني الكبير بين بناء سور الصين العظيم، وبناء أهرام الجيزة في مصر، فإن ظروف العمل والعبودية في كلا المشروعين تتشابه إلى حد كبير، فالفراعنة الذين لم يكونوا من سكان البلاد التي أقاموا فيها (دراسة بريطانية)، عمدوا إلى استخدام المصريين القدماء في أعمال السخرة، وكان من ضمن هذه الأعمال بناء الأهرام الثلاثة، الذي استغرق عشرات السنين.

 

وبغض النظر عن الغاية من البناء، سواء كان لإقامة مقابر ملكية، أو للاطلاع على الأسباب، فإن الوسيلة التي امتهنت فيها آدمية الإنسان، عامل مشترك بين المشهدين، والنتيجة واحدة أيضاً، عشرات الآلاف من الضحايا (حسب مؤرخين)، قضوا تحت حر الشمس، وثقل أوزان الأحجار، وسياط الجنود الأتباع.

 

وتلك أيضاً أسباب كافية تجعلني أقف بخشوع في حضرة الأهرام، باعتبارها تجسيداً لاستبداد الفراعنة بحق المصريين القدماء، ولو كنت مصرياً لما رضيت أن تكنى بلادي بـ "مصر الفرعونية"، لأن تلك الحقبة لا ينبغي لها أن تكون مصدر فخر واعتزاز، وإنما صورة تعكس مدى الظلم الذي تجسد في أحجار لا يرى فيها السياح سوى ابتساماتهم في إطار صورة تذكارية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة