د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1 k

مجانية التعليم وحدها هي التي تنتصر للجودة على الرداءة

7/10/2019

كررت كثيرا القول بأن الحياة علمتني كما علمني التاريخ أن الصمام الأول للتقدم هو مجانية التعليم الجيد، وفي الحقيقة فإن التعليم هو التعليم، وليس هناك شيء اسمه التعليم غير الجيد. فالتعليم غير الجيد ليس تعليما لا هو ولا التعليم الصوري ولا التعليم الزائف ولا التعليم المظهري ولا التعليم الشكلي.. الخ فكل هذه صور من تشويه التعليم (ولا نقول من التعليم المشوه) الذي تتباهى به الدول الخادعة لنفسها وقد تسد به الخانات دون أن تستفيد منه. التعليم كيان معنوي له مدخلات ومخرجات وأسلوب ونسق ومعايير وجودة، وهو يعبر عن نفسه بوضوح في شخصيات من حصلوا عليه واجتهدوا فيه. ونحن قد نعرف من خبراتنا المباشرة أن بعض الدول الشمولية التي عنيت بصورتها أكثر مما عنيت بشعوبها كانت قد صورت للناس ولرعاياها أنها حققت مجانية التعليم أو حققت انتشاراً للتعليم ومحوا للأمية، بينما هي فعلت ذلك على الورق فقط، فلم تنفع أبناءها في واقع الأمر وإنما ضيعت أوقاتهم وآذت شخصياتهم.

 

وما بالك بهذا الخريج الجامعي الذي لا يكاد يعرف كتابة اسمه، وقد تدرج في الانتقال مما يسمى: أولى ابتدائي إلى ما يسمى: رابعة جامعة بطريقة التنقل الجماعي الآلي التي تنقل "الجماهير" من السنة الأولى الجامعية إلى السنة الثانية لأن هناك "جماهير" أخرى قادمة لاحتلال مقاعدهم في السنة الأولى ولأنهم لو بقوا في السنة الأولى عاماً دراسياً آخر فلن يتحسن مستواهم عما هو عليه الآن بل إنه ربما يزداد سوءاً بحكم الاستكانة إلى تضييع الوقت. هل تعتقد أن مثل هذا التعليم قد أفاد صاحبه؟ أوقد أفاد مجتمعه؟ أو قد أفاد دولته؟ يقول لك هؤلاء جميعا: وماذا نفعل في الأعداد الكبيرة؟ والإجابة: هل ستظل شماعة الأعداد الكبيرة جزءاً من المنظومة التعليمية؟

 

شماعة الأعداد الكبيرة وكيف نشأت؟
أصبح هذا الجيل الذي فرض عليه هذا النمط من الضياع لا يثق بأية شهادة دراسية وبالتالي فإنه لا يثق بأية شهادة تعليمية أو غير تعليمية وكيف له أن يثق بمثل تلك الشهادة وقد حصل عليها بالتقادم فقط

نشأت هذه الشماعة قبل حرب 1967 بدعوى القصور الذي انتاب الخطط الشاملة لأسباب كثيرة كانت معظمها تتعلق بالخطة وعدم التوفيق في قدرتها على الاستمرار، وذلك في ظل عنايتها بالمظهرية، ثم سرعان ما كرستها حرب 1967 وخلدتها حرب الاستنزاف، حيث توقفت خطط التنمية الاجتماعية الشاملة والمؤقتة معا فكفت الدولة تماماً عن بناء المدارس وبناء مباني الخدمات، فقد كانت بالطبع مشغولة في أن تبني قواعد الصواريخ، والمواقع الهيكلية التي تنقذ سلاحنا الجوي بأن تتظاهر للعدو بأنها تضم الطائرات! بينما هي لا تضمها.

 

انتهت حالة الحرب مع اقتصاد منهك، ومع ارتفاع في الأسعار نتيجة زيادة الدخول والتحويلات القادمة من الخليج، وبينما كان الاقتصاد لا يزال منهكاً كانت الحياة تتسارع، وقد تعود المواطنون على الإهمال والتقصير في واجباتهم نحو أنفسهم كمجتمع، بل إنهم بنوا حالة من التوافق المستمر ثم إعادة التوافق مع الأوضاع الاستثنائية، حتى أصبحت الأوضاع الاستثنائية نفسها بمثابة استثمار بتوفير الموارد.

 

وعلى سبيل المثال فإن طريقة اللجوء إلى المدارس ذات الفترتين أصبحت تبدو وكأنها ذات فائدة كبيرة ومباشرة، لأنها تقلل العمل من على عاتق المدرسين والمديرين، فالحصص تختصر مبدئيا إلى 80% من وقتها، وعدد الحصص المقررة لكل مادة في الأسبوع ينخفض تحت الشعار الذي تحمله ظروف الطوارئ، وهكذا فانه في محور/ مورد واحد وهو محور أو مورد الساعات التعليمية المتاحة للتلميذ ليتلقى تعليم مادة دراسية كاللغة العربية تنخفض ساعات الدراسة من مائتي ساعة في العام الدراسي إلى مائة فقط.

 

انتشار التدني في الموارد والمعايير التعليمية

وتبعاً لهذا المتغير الجديد، كان لا بد من أن يصيب التدني كل الموارد والمعايير التعليمية فتختصر المناهج وتختصر متطلبات النجاح، وتختصر مستويات الحضور والاستيعاب والتحصيل والاجادة والتفوق ويصل الحال تلقائيا في النهاية أي عند "التخريج" إلى أن ما أنتجته هذه العملية التعليمية لم يكن تعليما ولا تربية ولا تخريجا ولا تخرجا بأية حال، وإنما كان درجة قريبة من "تخزين" موسمي للطلبة في الفصول المبنية التي يحركون إليها ومنها تحت شعار التعليم فحسب. وهكذا ينتهي الحال عاماً بعد عام بهذا الجيل إلى مزاج نفسي وتعليمي مختلف ينتهي الى أن تتأسس بل تنتعش ظاهرة اللاإيمان وظاهرة اللايقين فضلاً عن الظاهرة التي يمكن تسميتها بظاهرة اللا تعليم.

 

فقدان ثقة المتعلمين بالشهادات التي حصلوا عليها

أصبح هذا الجيل الذي فرض عليه هذا النمط من الضياع لا يثق بأية شهادة دراسية وبالتالي فإنه لا يثق بأية شهادة تعليمية أو غير تعليمية وكيف له أن يثق بمثل تلك الشهادة وقد حصل عليها بالتقادم فقط، وبأدنى درجات المعرفة، وبأدنى درجات التعلم، وبأدنى درجات التعليم.

 

قد يبدأ المواطن "الصالح" الذي يحصل على العمل بشهادته هذه محاولة جادة ومجتهدة في استكمال مقومات القدرة في شخصيته باللجوء إلى السؤال أو التجربة أو الالتقاط أو الحوار المستنبط أو المحاكاة لتكنولوجيا العمل والتعامل، وينتظم في معاهد أو مراكز تربوية تجارية موازية كمراكز تعليم اللغة والكمبيوتر، وهو يفعل هذا كله مع شعور متنام بالألم لأنه لا يفعله إلا بعد فوات الأوان الذي كان قادراً فيه على أن يجيد كل شيء في وقت واسع عريض كان متاحاً له، لكن ذلك الوقت كان يضيع في شكليات تعليمية أو في عبث غير منظم، أو في لعب غير مبرمج ولا هادف إلى الاتقان.

 

المقارنة تفرض نفسها بلا رحمة

في مقابل هذا كله كان هذا المواطن يسمع الكثير ويعرف الكثير عن التجارب الأخرى الناجحة التي حققت إنجازاتها بفضل اختلاف الزمان والمكان: فهو يسمع ويرى ثمار التعليم في أوطان غير وطنه، فيراها مضت بمواطنيها في سلاسة ويسر إلى مستويات قادرة على الكسب الأوفر والأسهل والى تكوين الشخصية الأمهر والأبهر. ويسمع أيضا عن تجارب الأجيال السابقة في وطنه نفسه وفي عائلته هو نفسه، فيعجب من هذا التردي الذي انزلق بالمواطنين (المعاصرين) وهو منهم إلى هذه الوهدة التي تجعله يعاني بلا تعويض، ويتمنى بلا أمل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة