محمد سالم
محمد سالم
184

العراق في مهب انتفاضة تشرين

8/10/2019

مرحلة ما بعد صدام لم تنتهي، وما أعنيه هنا، أن الاستقرار السياسي للديمقراطية، لم يترسخ، وأن مسألة التداول السلمي للسُلطة لم تُحسَم، ولأنها لم تَمنح العراقيّين طوق النجاة من مغبّة الانزلاق للعُنف وسفكِ الدماء في الشوارع، ما زال العراقيون يطلبون حلولًا لأزمات المعيشة الأساسية والحريات والعدالة الاجتماعية والمُساواة والحدّ من المعاناة، لم نخرج بعد من معركة الاستبداد، والنضال ضد القمع والفساد والمحسوبية، ما حدثَ بعد 2003 هو تجريف لمعنى "الدولة" الديكتاتورية، لتحّل محلها "اللادولة"، بالمعنى الواسع للفوضى وانفلات السلاح داخل المُدن، أما الطبقة السياسية وما تقدّمه من تعايش شكليّ كان قابلًا للانفجار في أي لحظة، وتداعى أمام الاختبارات الكبرى، ولأنها لا تملك السيادة الكاملة على قرار الحرب والسلم الأهليين.

اعتدنا على مشاهدة الأحداث الدامية والصدامات بالقبضات العارية والرصاص الحيّ، في شوارعِ بغداد وغيرها من المدن المنتفضة التي تدمي مشاهدُها الأرواح والقلوب، ويومًا نعاصرُ حروبًا أهلية ونزوحًا قسريًا، ومعارك تسقطُ فيها المدن بيد الإرهاب، ثم معارك لتحريرها بالدماء والدموع وسنوات العمر. ما يدفعُ بالمشهد في العراق إلى التصاعد هو الرغبة في حياةٍ أفضل، فقد صوّت العراقيون مرةً تلو المرة خلال الـ16 سنة الماضية في انتخاباتٍ ديمقراطية، وكأن بألسنتهم تلبي نداء الحاجة والأمل، ولكن لـ"الصبر حدود"، فأيُ مرحلةٍ تلك هي التي وصلوا إليها من انعدام الفرصة وفقدان الأمل تجعلُ الشباب وليس غيرهم، لا يهابون الموت ويخرجون بالصدور العارية ليرفعوا شعاراتٍ "بالروح بالدم نفديك يا عراق" وليس لأن الشباب المحتجون "مندسون" و"عملاء" أو "دواعش" و"بعثيون" بنظريات المؤامرة المتهافتة، كما تبررُ أحزاب السلطة الشيعية الكبرى، والتي تضمنُ نفوذًا لإيران وتعبرُ عن نوابضها العميقة؛ ولأنه من المُلفت أن التظاهرات شابّة، وأنها جاءت من بيئة الأحزاب الشيعية الحاكمة ذاتها وأنها بلا قيادة سياسية، وبالتالي ليس بالإمكان اتهامهم بأنهم صدّاميون أو دواعش، وهذه الأحزاب تُقفص بشكلٍ تام على قرار الحكومة العراقية عبر تمثيلٍ موسع في مجلسي النواب والوزراء من جهة وعلى أجهزة العُنف والمليشيات الإجرامية التي تقمعُ حركة المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، وتعتدي على الصحافيين والنشطاء وتغتال وتعتقل أصحاب الرأي من جهة أخرى.

لقد توّسع الفقر والبطالة والعوز، ومظاهر التنمية مغيّبة عن أعينِ الناس وتطلعاتهم، ولتتصاعد مطالبات الانتفاضة خارج سقف الدستور عن غير قناعة بفاعلية إجراءات الحكم، إلى تغيّير النظام السياسي

من الصعوبة التنبؤ بمصير حركة الاحتجاج، الإصلاحية الغاضبة والمحدودة، والتي تحوّلت ساعةً تلو الأخرى لتصل إلى ذروتها مع الإجراءات الحكومية الصارمة من استخدام الرصاص المطاطيّ والغاز المثوّر للمدامع، وفرض حظر التجوال وقطع الإنترنت لتُثبط عملية الإتصال ونقل المعلومات والصور والتسجيلات المصورة والدعوة للتظاهرات على مواقع التواصل، ومع القمع الوحشيّ وعبث "القناصين مجهولي الهُويَة" بأرواحِ المتظاهرين وسقوط الآلاف من الشهداء والجرحى التي تغصّ بآلامهم البيوت والمشافي، ووفق المتحدث بإسم الداخلية فإن «أيادٍ خبيثة تقفُ وراء استهداف المتظاهرين.. فُتح تحقيقٌ لمعرفة الجهة التي تقف وراء الاستهداف».

تصاعدت مطالباتٌ بتعديل الدستور وتشكيل مجلس إنقاذ وطنيّ من علماء وأكاديميين عراقيين مع تحويل الدولة إلى نظامٍ رئاسي بعد فترة انتقالٍ ديمقراطي تتم خلالها كتابة دستور جديد للبلاد وتنتهي بإعلان انتخابات رئاسية. فهل تحوّلت حركةُ الإحتجاج إلى ثورةٍ شعبية تطالب بما لا يمكنُ احتواءه عبر حزم ووعود البيروقراطية، والتي طاولت الحزمة الأولى منها الفئات المتباينة اجتماعيًا، من تأمين الدرجات الوظيفية والأراضي والمنازل لأصحاب الدخل المحدود، ومنح القروض الميسّرة لإطلاق المشاريع الصغيرة، إضافةً للدعوة الفوريّة إلى وقف إستخدام العُنف المفرط مع المتظاهرين ومعالجة الجرحى وعدّ من سقطوا «شهداء» قانونيًا تتكفل الدولة بتعويض أسرّهم، لكنها ذات النُخب السياسية التي أضاعت على مدى السنوات الماضية مليارات الدولارات بفسادٍ مفجع، ولم تفيّ بوعودها الزائفة عن إصلاح الحالة الاقتصادية وتحقيق الرفاه.

لقد توّسع الفقر والبطالة والعوز، ومظاهر التنمية مغيّبة عن أعينِ الناس وتطلعاتهم، ولتتصاعد مطالبات الانتفاضة خارج سقف الدستور عن غير قناعة بفاعلية إجراءات الحكم، إلى تغيّير النظام السياسي، فهل تهدأ بإسقاطِ حكومة عبدالمهدي؟ أو بحلّ مجلس النواب؟ وإعلان انتخاباتٍ مبكرة بإشرافٍ أممي كما دعا السيد مقتدى الصدر، زعيم تحالف سائرون، والتي أيدها مضمونًا رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي والسيد عمار الحكيم، هل بقيّ للنظام السياسي العراقي رصيدٌ يمكنهُ إنقاذه من الإفلاس أم أن سقوطه مسألة وقت؟ المرجعيّة الدينية العُليا أعطّت إشارةً بمنح الحكومة "ولشخص عادل عبد المهدي كما يبدو" فرصةً جديدة للإصلاح والتغيير، واحتواء التظاهرات مع تفهُمها، لإعتبار "الحكومة ضرورةً وأمرٌ واقع" لابد منه، وحمّلت القضاء ومجلس النواب المسؤولية في التحرّر من الضغوط والقيود الحزبية والطائفية. مَن يمكنه احتواء الأزمة؟ وكم ستستمر؟ وهل تتصاعد أم تخبو؟ الأسئلة مفتوحة لإجابات الزمن

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة