محمد أمين
محمد أمين
325

العراق الذي تحرر!

9/10/2019

أهم ما في حراك العراق أنه أثبت من جديد أن الطائفية والمذهبية ما هي إلا أدوات للتستر على الفساد وتوفير غطاء شرعي له باسم الدين، وهو بالمحصلة استبداد ديني مذهبي يعادل الاستبداد القمعي للنظم الديكتاتورية، فالمستبد العلماني يسوق مبررات وطنية لقبضته الحديدية، فيما رجال الدين يسوقون مبررات دينية لتبرير استبدادهم.

 

سيقول قارئ أن من يحكم اليوم في العراق لا يصح وصفهم بالتيار الديني، لكن حقيقة المشهد أن حكومة العمائم الثيوقراطية التي حكمت العراق بعد 2003 أقامت شرعيتها على "الدوغمائية" والحكم باسم الله، والطائفة، وباسم المخلص المنتظر، وبالمحصلة لا الاستبداد زال، ولا المخلص أتى ولا الخلاص قريب. فعوضا عن إصلاح النظام السياسي وإنهاء استبداد النظام البعثي، أقامت تلك القوى نظاما استبداديا طائفيا بمحاصصة زادته عفنا، ألغت "الشرعية الاستبدادية الصدامية" وأحلت مكانه "شرعية استبدادية دينية" تطالب المواطنين بالطاعة العمياء لرجال الدين، الذين يوظفون سياسيين لجباية أموال الدولة، بدلا من بناء دولة.

 

لقد رسخ النظام الثيوقراطي الذي جاء بعد نظام البعث نظاما أكثر فسادا، وأشد تطرفا، وأعمق فشلا وترهلا، وإن انتفاضة العراقيين اليوم هي تأكيد على المعلوم من السياسة بالضرورة بأن الاستبداد هو أصل الفساد

هتافات شباب بغداد بأنهم ليسوا "تياريين" ولا "حكماويين" ولا غير ذلك بل عراقيين تختزل في مكنونها العديد من المعان الوطنية، ونضج التجربة الوطنية الجامعة لهم، والعابرة للتيارات والاصطفافات والمذاهب، فلم يعد هؤلاء الشباب يؤمنون بتسليم أو تخدير عقولهم وتأجيرها لرجال الدين، كما أنهم لم يعودوا أسرى لروايات الخصومة بين السنة والشيعة، وهذا الجدل المتخيل حول عداء هذا المواطن لأخيه فقط بسبب رواية شيخه المزيفة بالضرورة عن حتمية العداء، وحتمية الكراهية للآخر، وأن حبل النجاة يكمن في الاصطفاف الطائفي.

 

لدينا في فلسطين تسمية سالبة "الفلسطيني الجديد" اطلقها الجنرال دايتون على مشروعه لتمييع القضية الفلسطينية وتحويل الفلسطيني لشخص يبحث عن الرفاة والوظيفة، ولا تهمه قضيته، أما في العراق فيصح إطلاق "العراقي الجديد" على شباب الحراك الجاري، عراقي جديد بمعنى إيجابي تماما وهو المواطن الذي كفر بالخطابات العنصرية الطائفية، وحتمية التبعية لإيران أو لأي من دول الجوار الأخرى، كما مل العراقي الجديد من الفساد الذي نخر البلاد طولا وعرضا، ومن سرقة مقدرات بلاده النفطية والسطو على ثرواتها تارة باسم الطائفة، وتارة باسم السيد، وتارات باسم الغرب المسؤول الأول عن تحول العراق لبلد فاشل.

 

بغداد والجنوب والوسط خرجت للتظاهر، في حراك عنوانه الثورة على الفساد، والانتفاض من أجل استرداد الوطن، المسلوب والمسروق، فبلد يقول البنك الدولي أن 13 مليون فيه فقراء وبحاجة للمساعدات، هذا البلد ذاته اختفى فيه في العهد الجديد بعد سقوط نظام صدام حسين قرابة 450 مليار دولار وفقا لتقارير رسمية، بلد يبلغ حجم احتياطي النفط فيه 112 مليار برميل يعيش مواطنوه فقراء، بلد تحول فيه "العهد الجديد" من ثورة على استبداد البعث، لنظام استبداد باسم مكافحة البعث، ثم باسم امضاء إرادة السيد، الذي بالضرورة لا ينطق عن الهوى ليحل أخيرا في المرتبة 12  في لائحة الدول الأكثر فسادا في العالم وفقا لمنظمة الشفافية الدولية.

 

باختصار، لقد رسخ النظام الثيوقراطي الذي جاء بعد نظام البعث نظاما أكثر فسادا، وأشد تطرفا، وأعمق فشلا وترهلا، وإن انتفاضة العراقيين اليوم هي تأكيد على المعلوم من السياسة بالضرورة بأن الاستبداد هو أصل الفساد، وبأن الفساد لا له ولا عقيدة، ولا انتماء.

#يتصدر_الآن

الدراسات العليا.. علمٌ يُنتَفع به أم شهادات فخرية؟

ساهمَ التعليم العالي في إثراء الأبحاث العلميّة كما الأدبيّة وصقْلِ أساليبها ومناهجها وتطوير العقليّة الإبداعيّة للقائمين عليها. ونجدُ اليوم إقبالاً ملحوظاً على التسجيل في حقول الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه.

380
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة