حمزة العبد الله
حمزة العبد الله
71

اللاجيئوفوبيا

9/10/2019

لم تعد حوادث متفرقة تلك التي تعصف باللاجئين نحو الموت الذي هربوا منه قصفاً وحرقاً وتعذيباً ليلاقوه في بلاد اللجوء كراهيةً وحقداً وتنكيلاً لا يقل عن ذلك الذي فروا منه، وفي كثير من الأحيان أعمال عدائية تستهدف اللاجئين بشكل مباشر؛ فما يحدث من حملات ممنهجة لاستهداف اللاجئين واستضعافهم في بلاد اللجوء باتت تطال كل ما بقي من كرامة وحياة اللاجيء وحتى مماته؛ فاللاجيء لم يعد بإمكانه أن يحصل رفاهية الحياة علاوة أن يحصل على رفاهية الممات في قبر يواري رفاته؛ ففي بعض البلدان أغلقت المقابر أبوابها في وجه اللاجئين ووضعت لافتات عنصرية ترفض استقبال رفات اللاجئين الذين تحررت أرواحهم من السجن الكبير الذي يعيشون فيه (البلدان المستضيفة).

  

لا يكد يمر يوم إلا ونسمع حملات تقودها الجهات الرسمية والجهات الغير رسمية ووسائل الإعلام ضد اللاجئين تبرر فيها تلك الأطراف مشاكل معقدة لم يكن اللاجئون جزءاً أصيلاً منها بتسبب اللاجئين فيها؛ كارتفاع معدلات البطالة، وانتشار الجريمة، وحتى الفشل السياسي، وفي بعض الأحيان الجرائم الأخلاقية ولو شئت الاحتباس الحراري! وعادة ما ترتفع الموجات العدائية ضد اللاجئين وتزداد قبيل الانتخابات وعند الإخفاقات السياسية الحادة في الدول المستضيفة للاجئين.

 

مؤخراً كلما تصفحت وسائل التواصل الإجتماعي أو تابعت الأخبار المحلية لدول جوار سوريا أقرأ عنفاً يتعرض له لاجئون، لاجيء قُتل لاشتباهه بالقيام بجريمة معينة يبرأه منها القضاء بعد أن يكون قد قضي عليه، وحملات تكسير لممتلكات اللاجئين ومحالهم على خلفية نزاع ما بين لاجيء ومواطن، أو بلدية هنا أو هناك تدعوا لطرد اللادجئين من حدودها، ومنع اللاجئين من التجوال أو الدفن في المقابر!.

   

  

البارحة انتشر خبر عن طفل لاجيء سوري لم يتجاوز التاسعة انتحر بعد تعرضه لحملة توبيخ وإزدراء واضطهاد مسعورة من زملائه في المدرسة ومن مدرسيه لأنه سوري، وهدده أقرانه بالقتل ونعتوه بأوصاف عنصرية وطلبوا منه العودة إلى سوريا بزعم أنه غير مرحب به، فما كان منه إلا وجد منتحراً بعد ساعات على باب أحد مقابر المدينة!

 

ومنذ أسابيع ليست بالبعيدة حملات ترحيل لآلاف اللاجئين إلى سوريا لا تزال مستمرة بالرغم من أن القوانين والمواثيق الدولية تمنع إعادة اللاجئين إن كانت عودتهم ستعرض حياتهم للخطر، وبالرغم من توثيق حالات تم إعادتها من قبل المنظمات الحقوقية ولجان حقوق الإنسان، إلا أن الترحيل لا يزال مستمر!

  

ظاهرة اللاجئوفوبيا أو ظاهرة رهاب اللاجئين تحتاج مواجهة حقيقية وصادقة من المجتمعات المضيفة والمجتمعات اللاجئة ممثلة بمنظمات المجتمع المدني وصانعي الرأي العام والعقلاء؛ مواجهة شجاعة تدرس مسبباتها وتسعى لعلاجها

لا يفتأ الساسة يستخدمون اللاجئين كورقة ضغط وفزاعة للحصول على مكاسب أكبر والحصول على تمويل إضافي من الضفة الأخرى من العالم؛ ولو راقبنا خطابات زعماء وساسة دول الجوار لدولة كسوريا يشكل اللاجئون منها نصف عدد سكانها لوجدنا معظم الخطابات الخارجية لا يخلو من ذكر اللاجئين وتهديدات مبطنة وصريحة بإفلات قيود "اللاجئين" ودفعهم إلى البحر أو البر نحو الغرب، ولوجدنا معظم الخطابات الداخلية تستخدم اللاجئين كورقة كسب شعبية وأسهم بالحديث عن ميزات وهمية يحصل عليها اللاجئين أو دعوات لإضطهادهم في بعض الأحيان!

 

إن ما يحدث اليوم من تكريس وإذكاء للكراهية ضد اللاجئين من وسائل إعلام ومؤثرين وحتى ساسة لا يمكن توصيفه وتصنيفه إلا تحت مسمى (ظاهرة) ويحدث بأسلوب ممنهج يدفع باللاجئين إلى الهاوية؛ الانتحار أو البحر أو الانفجار!، ظاهرة اللاجئوفوبيا لن تكون أقل تهديداً من ظواهر سبقتها مثل الإسلاموفوبيا وغيرها من الظواهر المهددة للسلم المجتمعي إن استمرت حملات صنع الكراهية والحقد تجتاح المجتمعات وتضرب بها يمنة ويسرة، وعلى مرأى ومسمع من عقلاء وحكماء هذه المجتمعات وساستها وصانعي الرأي العام فيها بل وبمشاركتهم في كثير من الأحيان.

 

إن الآثار المترتبة على هذه الحملات كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالمجتمع بسلوكه هذا المسار يصنع قنابل موقوتة تنفجر بأي لحظة، ويشوه كثيراً من النسيج المجتمعي والديموغرافي القائم على التنوع، والذي كان منذ قديم الأزل اللاجئون أحد مكوناته الرئيسية ورافداً مهماً من روافد الحضارة الإنسانية.

 

إن ظاهرة اللاجئوفوبيا أو ظاهرة رهاب اللاجئين تحتاج مواجهة حقيقية وصادقة من المجتمعات المضيفة والمجتمعات اللاجئة ممثلة بمنظمات المجتمع المدني وصانعي الرأي العام والعقلاء؛ مواجهة شجاعة تدرس مسبباتها وتسعى لعلاجها وإيجاد أدوات تحمي اللاجئين وضعفهم، ولا تتركهم فرسية للإقصاء والتهميش والعداء.

 

كنت كتبت منذ سنوات مقال تحت عنوان (رحلة النزوح والموت) وصفت فيه حالة اللاجيء الذي يترك بلاده وراء ظهره ليقطع ذلك الشريط الحدودي الذي يفصل ما بين جنة محترقة يغادرها، ومجهول يستقبله، وكنت ولا أزال أؤمن أن اللاجيء لا يفقد من حياته أكثر مما يفقده على حدود الوطن، فالغريب غريب مهما كان.. والغريب بطبعه ضعيف لكسر بداخله وضعيف لما يشاهد من تنكيل بوطنه وأهله وهو بعيد، وضعيف لأنه فاقد لجُلِّ أدوات التأثير، فهل نتركه للمجهول ليلتهمه؟ أم نتركه لكراهية تقضي على حياته؟

 

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المجتمعات أن ترعى وتحمي اللاجيء فالحريق إن استشرى لن يعرف حدوداً برية أو تقسيمات جغرافية ولكنه سيلتهم الجميع. صحيح أنه سيلتهم اللاجئين بشكل أكبر وسيدفع أجزاء منهم ليست بالقليلة إلى البحر أو الانتحار ولكن ذلك جانب من الصورة، وتتمة الصورة هي مجتمع مشوه يحمل كثيراً من الثغرات الداخلية والخارجية التي قد تنفجر أو يتم استغلالها في أي لحظة!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة