الغولي رشيد
الغولي رشيد
144

المحبوب داخليًّا.. مُهاب خارجيًّا

9/10/2019

لقد أدى التَّفكير المنبثق من نظرية أنا وبعدي الطوفان، إلى الاعتقاد الفعلي، بأنَّنَا نعيش في عالَم مُتوَحش بامتياز، لا يؤمن بالتَّشاركية، حتى وإن كانت في صالحه، ويهوى الأنانيَّة وإن كانت تُؤذيه، ولَوْ في أبسط أموره، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ نرصد ونسجِّل من صميم الواقع ونقول؛ أن المَحْبُوب داخليًّا، مُبَجَّل ومُهَاب خارجيًّا، والمنبُوذ والمكروه داخليا، ذَلِيل، مُحتقر، مُمْتَهَن، ومُهَان خارجيا. فَفِي حالة وُجُود وَجْبَة شَهِيَّة هناك مَثَلاً، وكنا جميعًا نريد جزأً وافرًا مِنها، فالمفروض والمعقول والمنطقي أن نقوم بالدراسات اللازمة لإيجاد الموارد المالية والبشريَّة التي ستمكننا من إشباع بطوننا، وتحقيق رغباتنا بالحصول على المزيد من الطعام، بكميَّة كافيَّة، حتى يَتسَنَّى لجميع الحاضرين تذوُّقه.

إذا معالجة هذه المشكلة، بطريقة عَمَلَّيَّة، تشاركيَّة، راقيَّة، ستجعل منَّا حتمًا شركاء حقيقين. لكن الواقع المعاش غالبًا ما يُضمِر لنا نتائج عكسية تمامًا، ويُضْهِر لنا حلولا مخالفة لَهُ ومختلفة مَعه جملة وتفصيلا، وَلِما كنَّا نتوقع حصوله كذلك. كقراءات رِجعيَّة، ومعالجات غير منطقيَّة، ولا حتى آدمية؛ فالبعض مِنَّا يُسَخِّرون كل طاقاتهم، ويسعَوا بكل خبث، مستعملين جميع الوسائل الدنِيئَة، مِن أجْل الاستحواذ على الجزء الأكبر، والمكان الأفضل، حتى وإن دعت الضرورة إلى ممارسات تعسفيَّة، كالتدافع الهمجي، وتحطيم كل شيء، بما في ذلك طاولة الطعام الشهيَّة، وتمريغ هذا الأخير في التُّراب، للحصول في نهاية المطاف على أشلائه، لأن الرؤيَّة السائدة داخل المجتمع تتغيَّر طبقًا للعقليَّات السائدة فيه.

الهدف الأساسي وراء الاستعانة بعلوم الأعصاب، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، واللغويات، هو البحث وراء السلوك، وضبط الآليات التي يعمل بها هذا الأخير، قصد صنع القرار المؤثر، وتفعيله بسهولة، وضمان استمراريته وفعاليته

نقول هذا لأننا هَرِمْنَا مِن تَغَلْغُلِ هذا الواقع الرَّديء، في تفاصيل الحياة اليوميَّة الاقتصاديَّة، الاجتماعيَّة، الثقافيَّة، السياسيَّة، وحتى التربويَّة والتعليميَّة. لكن الخطير في الأمر كله هو هذا التشابك الحاصل بين مختلف هذه القطاعات الحيويَّة، وأن نجاح هذه الأخيرة، رهين بمدى استعاب الجميع لفلسفة تربويَّة حاسمة وفاصلة، مبنيَّة في الأساس على ركائز متوازنة مثينة؛ مفادها أن المدرسة، المعهد، والجامعة ليست إلاَّ إنطلاقة مثاليَّة، للتعلم واكتساب الخبرة المهنيَّة والتجربة العلميَّة، لتنظيم الفكر، ورفع مستوى الذكاء. لاَ مجرد قاعات للمطالعة والقراءة والدراسة، ووسيلة لتخزين الذاكرة وتكديسها بمعرفة ظرفية، مدة صلاحيتها محدودة جدًّا قد لا تتعدى الامتحانات الأسبوعيَّة، أو الشهريَّة، أو السنويَّة، كأبعد تقدير. والتي هي في الحقيقة الدقيقة مؤشر خطير جدًّا على انهيار تدريجي حاصل للمنظومة التربويَّة والتعليميَّة، وبالتالي خراب شامل، ودمار كامل، لباقي القطاعات والمؤسسات المفصليَّة، كتحصيل حاصل، على المستويين المتوسط والبعيد.

إن الهدف الأسمى للتربية والتعليم هو النجاح الحقيقي، الكامل والمتكامل في الحياة بجميع فروعها وتفرعاتها، وليس فقط في الإمتحانات. بمعنى أدق، الفَلَاح والتفوق بناء مجتمعي حضاري، متقدم، ومزدهر، يحبه أهله وأبناؤه ومواطنيه، ويهابه أعداؤه. ولهذا فإننا نعتقد بأن أي إصلاح تربوي تعليمي يجب أن يشمل العقول والعقليات، إلى جانب القوانين والسياسات والموارد والإمكانيات، حتى نتمكن ولو متأخرين من بناء قواعد وأسس وعي جماعي مثين، وفضاءات إجتماعية محبوبة داخلياًّ، مهابة خارجيًّا، قادرة على تكوين أجيال صالحة، وعلى دراية تامة بالتحديات الحقيقية التي تشتغل عليها أغلب مراكز القرار العالمية. مستوعبة لاستراتيجيات التحكم الحديثة، في مستوى الوعي الفردي، والجماعي، على جميع المستويات، من أجل السيطرة على شرايين الحياة العامة والخاصة، تارة بالترغيب، وطورا بالترهيب، وأحيانا بخلق الفراغ، ومرة بإحداث الصدمة، في عقول الناس لشحنها وتوجيهها، بالإعتماد على وسائل وأساليب وتقنيات جد معقدة، يطول الكلام فيها.

فمنها القديم، ومنها الجديد؛ كعلوم الأعصاب التي تَمَّ إدراجها مؤخرا في جميع المجالات التي تتعلق بالتسويق بمعناه الشمولي؛ العصبي والحسي، وفي عالم الإتصال السمعي، البصري والمقروء أيضًا، لأن كل ما يتعلق بالدماغ يؤثر بطريقة أو بأخرى في مصادر المفاهيم الرئيسية المراد تسويقها، أو الدعاية لها. إذ يتم التعامل بعناية فائقة مع الطريقة، والكيفية، والضرفية المكانية والزمانية، زِدْ على ذلك ثقافة الفئة المستهدفة ومحيطها؛ كطريقة إستهلاكها، المتمثِّلة في درجة الانتباه، والعواطف، وما شابه ذلك، دون أن نَنْسَى أو نتجاهل مَا قَدْ يبقى منها في ذاكرة المتلقي أو المستهلك. كل هذه العمليات تبدو بسيطة في شكلها ومضمونها، إلا أنها تحدث مئات التغيرات داخل أدمغتنا، لدرجة تفوق الخيال؛ تقوم بهذه العملية المعقدة أعداد ضخمة من الخيوط العصبية المتشابكة.

الهدف الأساسي وراء الاستعانة بعلوم الأعصاب، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، واللغويات، هو البحث وراء السلوك، وضبط الآليات التي يعمل بها هذا الأخير، قصد صنع القرار المؤثر، وتفعيله بسهولة، وضمان استمراريته وفعاليته. وكذلك تحليل الحالة النفسية والعصبية للمتلقي، بالإضافة إلى المعرفة الدقيقة لوقت ولادة الرغبة ومستواها، أي كيف تكبر ومتى تصبح جاهزة، وقادرة على تشكيل الفروق الجوهرية المطلوبة، التي ستدفع صاحبها إلى اتخاذ القرارات، والشروع في تأسيس لغة الحوارالفعلية.

بمعنى أنه يتم تقديم المنتوج وتسويقه، بأسلوب عاطفي سَلِسْ، يسكن دماغ الإنسان مباشرة، هذا بالإضافة إلى الإستعانة بالعديد من التطبيقات التى تخص المجال المستهدف بعينه، لتدعيم ما سبق، نظرا لأن الكثير منها يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويحوي بيانات ضخمة، ويستعمل علوم اللغة الحاسوبية، التي تحول النصوص إلى لغة مع تحليلها. لن أطيل كثيرا، خصوصا وأن الكلام مقتطف صغير، من واقع كبير جدًّا، لكننا إرتأينا الإجابة من خلال ما سبق على بعض التناقضات الحاصلة. ولهذا قلنا سابقا، ونقول حالاً، وسنقول مستقبلاً، إن شاء الله تعالى، إذا كنا فعلا نطمح إلى التقدم والإزدهار، فإن الجميع مدعوا إلى الإنخراط الفعلي في التشيِيد والبناء، كُلٌّ من مكانه، بالرغبة القوية الصادقة، والتعلم المستمر المستدام، والعمل على تحصينه وزيادته بتعليمه للأخرين. مع الإلتزام الكبير بالواقعية في تفكيرنا والابتعاد قدر الإمكان عن العاطفة في إتخاذ القرارات المصيرية.

لأننا نعرف أنه أكيد، ثابت، مؤكد، ويقين أن أول ما سندركه؛ هو أن السياسة غالبا ما لا تسير وفق القانون، بل تُسَاس وِفق الصفقات والمصالح. وقتها فقط سنبدأ بمراقبة الحياة بصفة عامة، والسياسية والإجتماعية بصفة خاصة من خلال الأفكار، وليس من خلال الأشخاص أو الأحداث. إذ سيعبر الكثيرون من أمامنا، دون أي اعتبار، كما أنه لن يعود لحكم الآخرين علينا وعلى أفكارنا، سلطة أو معنى، وكأننا نقول لهم لا تبحثوا عن أفكاركم وثقافتكم في رؤوس غَيْركم. لكنا سنتقبل إختلاف وجهات نظر كل من إنتقدونا، وسنبتعد أو سننسحب بسلاسة وهدوء إذا عادونا. سنشفق بصدق على من حاربونا وحقدوا علينا. لن نتأخر كثيرا في إتخاد القرار بالابتعاد من العلاقات المؤذية، ومن الأماكن الخطأ، المحاطة بالأشخاص الخطأ، كلما دعت الضرورة لذلك، مع الإلتزام المتواصل بخيار العطاء، بمعناه الشمولي المتكامل متسلحين بالصدق، الحب والسخاء.

نعم؛ نحن غالبا لا نرغب في رؤية الأشياء التي تستحق منا المشاهدة، ولا نريد الإنصات للكلام الذي يستحق فعلا منَّا السماع، ولا نقول دائما الصواب، وإن حصل وقلنا، غالبا لا نفعل، لكننا في المقابل نريد بقوة ما نفعل وما لا نفعل، وما نرى وما لا نرى، وما نسمع، وما لا نسمع، بطريقة أو بأخرى. فنفقد على إثره الشعور بقيمة وجمال العطاء، وما نرى، لأن الشعور بالراحة ليس بالأمر الحاسم لنا. مفاده؛ أن نكون مرتاحين لعدم المعرفة، أمر حاسم للإجابات التي ستصل إلينا فيما بعد، وسنضيع جميعا في سراديبها وظلامها بالاستسلام، بعد أن نفني أعمارنا في البحث عن السراب. إذًا التصور الصحيح لذواتنا، هو أن نستطيع رؤية عيوبنا بنفس الدرجة التي نرى وسنرى بها مزايانا، وأن نكون إيجابيين قدر الإمكان، في التعامل معها، لا انفعاليين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة