طالب الدغيم
طالب الدغيم
301

الدستور في سورية.. ميلاد بلا ميعاد

13/11/2019

راهنت النخبة في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية على نتائج الحركة الدستورية العثمانية، واستخدمت تعابير "الوطن العثماني" و"الأمة العثمانية"، وكان من أبرز أعلام هذه النخب سليمان البستاني والشيخ رشيد رضا. فالبستاني وصف دستور 1908 العثماني بأنه "أعجوبة القرن العشرين"، وأشاد بالمبادئ التي ضَمِنها لمواطني الدولة من الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية[1]. وشاركه في رأيه رشيد رضا، الذي كان من أكثر النخب العربية التي أشادت في ذلك الدستور، وقد اعتبر يوم صدوره يوماً تساوى فيه معظم سكان الدولة العثمانية، وشعروا بأن لهم هوية جامعة على اختلاف لغاتهم وتباين مذاهبهم[2]. وفي الواقع، مثلت الإصلاحات الدستورية العثمانية (1839 - 1908) إنجازاً تأسيسياً للحركة الدستورية العربية التي تَبنتها النُّخب في العشرينيات من القرن الماضي، فقد نقلت تلك النخب مفاهيم جديدة إلى الثقافة السياسية العربية، كالدولة/الأمة، والمواطنة، والتمثيل النيابي، والاقتراع، وتوازن السلطات، وغير ذلك.

  

وبعد انهيار الدولة العثمانية، أعلن فيصل بن الحسين قائد الجيوش العربية الشمالية في قوات الحلفاء الأوروبيين تشكيل حكومة مستقلة في دمشق باسم والده الشريف حسين، وشاملة جميع البلاد السورية في أكتوبر 1918[3].ففي البداية، أراد فيصل تنظيم البلاد دستورياً، فدعا السوريين إلى عقد مؤتمرٍ يمثل بلاد سورية الطبيعية[4].وجرى انتخاب المؤتمر على أساس القانون الانتخابي العثماني على درجتين، من الشعب أولاً ومن النواب ثانياً، فكانت أول انتخابات نيابية شعبية في تاريخ سورية الحديثة[5].

 

وبعد ذلك، عقد المؤتمر ثلاث جلسات رئيسية بين حزيران/يونيو 1919 وتموز/يوليو 1920، وقد وضعت خلالها لجنة الدستور مشروعاً مؤلفاً من 148 مادة لـ المملكة العربية السورية .فاختارت اللجنة الشكل النيابي الدستوري في حكومة ملكيةٍ نيابية(المادة1)، والحكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي (المادة 29)[6].وكانت الملكية في مشروع الدستور مُقيدة، والسلطة التشريعية موزعة على مجلسين "النواب والشيوخ"، واقتبستها من نموذج الملكيات الدستورية الأوروبية[7].كذلك صاغ دستور المؤتمر السوري الأول مفهوم المواطن بغض النظر عن أي تحديد ديني أو اثني له، فهو أطلق على جميع أفراد المملكة السورية العربية(المادة10)، فالمواطن السوري هو كل فرد من أهل المملكة السورية العربية، وليس من يتكلم العربية فقط(المادة10)[8].

   

 (فيصل بن الحسين)

  

كان الدستور السوري الأول دستوراً علمانياً، حدد دين الملك بالإسلام، وتجلت فيه الهوية العربية أكثر من الإسلامية، واستوعبت مواده التغيرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على البلاد بعد خروج الأتراك العثمانيين منها. وقد شكلت قضاياه منطلقاً للجدل والنقاش الشعبي والنخبوي الذي استمر بعد الاستقلال الوطني[9].واعتبر جمال باروت الدستور السوري الأول، وثيقةً مبكرة عن بُنية قضايا الخلاف التي ستظهر في الحياة الدستورية، وفي علاقات النخب، وصراعاتها في سورية طوال القرن العشرين[10].

 

وانتهت التجربة الدستورية التي عاشها السوريون في مرحلة الحكم الفيصلي، بدخول القوات الفرنسية بقيادة غورو دمشق في 1920، ففرضت فرنسا ـ وفق معاهدة سان ريمو وقرار عصبة الأمم المتحدة ـ الانتداب على سورية ولبنان[11].ومنذ البداية عمل الفرنسيون على التأسيس لبناءات سياسية متعددة الإدارات الذاتية[12]، وعملوا على تجزئة البلاد إلى دويلات اثنية واقليمية، وهي حلب ودمشق والزور وجبل الدروز وجبال العلويين ودولة لبنان الكبير. وحتى يسهل السيطرة عليها أصدر الجنرال الفرنسي ويغان مرسوماً في 1924 بإنشاء دولة اتحادية في سورية، يستثنى منها لبنان الكبير وبلاد العلويين والدروز[13].فنتج عن تلك السياسة الفرنسية العنصرية، تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وبلغت أوجها في اندلاع الثورة السورية عام 1925.ولأجل أن تحتوي فرنسا الموقف، وافق المفوض الفرنسي على عقد انتخابات لجمعية تأسيسية سورية تضع دستوراً جديداً للبلاد[14].

 

بعد انتخاب الجمعية التأسيسية عام 1928، عقدت الجمعية خمسة عشر اجتماعاً، وفي مدة شهرٍ واحد أعدت الدراسات داخل اللجنة التحضيرية، وفي لجنة الدستور. وقَدم فوزي الغزي، مقرر اللجنة، بيانه حول الخلفيات التي أوجبت وضع الدستور، بالقول: "كان للنهضات السياسية والاجتماعية التي غذت روح الحضارة الأوروبية أثرها البارز في حياة المشرق العربي". فاللجنة درست المشروع دراسة مستفيضة، واستعانت بأرقى الدساتير العالمية[15].وقد ركزت مواد الدستور في مجملها على قضايا الاستقلال والسيادة الوطنية، ووحدة سورية الطبيعية. وآثرت الجمعية شكل الحكم الجمهوري على الملكي(م3)، لأن معظم الأمم الحديثة اعتمدت عليه بعد الحرب العالمية الأولى[16].

 

رغم ازدهار الحركة الدستورية في سورية، إلا انها افتقرت منذ البداية، إلى وجود قيادة سياسية قوية وموحدة، تساهم في ردم الفوارق الطبقية،

كان دستور 1928 دستوراً تقدمياً، حيث وسع من صلاحيات البرلمان، ولكنه، جاء ليعبر عن إرادة النخبة التي وضعته، والتي تبنت مفهوماً ديمقراطياً فيه، واستجابت للمزاج الاجتماعي العام، وخاصة فيما يتعلق بكون دين رئيس الجمهورية الاسلام، فلم يكن بالإمكان تغيير المادة رغم اعتراض المسيحيين على تعيين الدين في الدستور، وذلك بسبب شدة تأثير الأوساط الدينية والتجارية المدنية في قرارات الكتلة الوطنية، والتي كان لها الدور البارز في إنجاز دستور 1928[17].

  

سعت الكتلة الوطنية لتكثيف جهودها لنيل التأييد الشعبي للدستور من خلال المهرجانات، واللقاءات الوطنية في دمشق وحلب وغيرها[18].إلا أن المفوض الفرنسي علَّقَ الدستور، لأنه رآه مخالفاً لبنود نص الانتداب، وأصدر في مايو 1930 قراراً بنشر دستورٍ سوري"مُعدل". حيث دخل الدستور إلى وزارة الخارجية الفرنسية، وخرج معلقاً في ذيله دساتير للواء الاسكندرون واللاذقية وجبل الدروز[19].وتضمن الدستور الجديد على مواد دستور 1928 نفسها، وأضاف له المادة 116، إذ أنه "عدل وحوَّر" المواد كما يوافق مصالح فرنسا، وجعل الحكم في سورية "تحت رحمته" و"طوع مشيئته"[20]. ومع ذلك، فإن مواده كانت أكثر متانة من دستور 1928، والسبب أن مشرعي دستور 1928 كانوا متحفزين لوضعه بسرعة كبيرة، وهو ما سبب ركاكة في عدد من مواده[21].وهذا لا يعني أن منح فرنسا دستوراً لسورية، جعلها تتخلى عن النهج الأقلوي لتفريق السكان المحليين، وهو ما أكدته الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1931 بموجب مرسوم المفوض الفرنسي. فتَكوَّن البرلمان السوري من سبعين عضواً، وعلى أساس اثني ومناطقي، بينهم اثنان وخمسون نائباً سُنياً، وأربعةَ عشر نائباً من جميع الأقليات[22].

 

ولم يتوقف الكفاح البرلماني في سورية ضد المراسيم والقوانين الفرنسية، وذلك عبرت عنه كلمة جميل مردم، وزير خارجية سورية، في تعليقه على المادة 116 من دستور 1930 خلال جلسة برلمان 1943 بالقول: "أما فيما يتعلق بالمادة 116 فإن البلاد لم تعترف فيها في يوم من الأيام... ولقد مارسنا الحياة الدستورية في عام 1932 و1933، فاعتبرنا هذه المادة في حكم التحفظ. ولقد مارسنا الحياة الدستورية في عام 1936، فاعتبرنا هذه المادة في حكم التحفظ أيضاً. ولقد أقدمنا على مُمارسة الحقوق الدستورية في عهد الرئيس شكري القوتلي، واعتبرنا هذه المادة لا علاقة لها بالدستور السوري مطلقاً"[23]. فأظهرت كلمته تنامي شدة الكفاح السياسي في سورية، لإثبات حقوق السوريين في بناء دولة دستورية مستقلة، والتأكيد على المبادئ التي جاء بها دستور 1928، والذي وضعته جمعية سورية منتخبة من الشعب بطريقة حرة وديموقراطية.

 

في تلك المرحلة، تشكلت نخبة سورية برجوازية زراعية/تجارية، وحصلت على ثقافة غربية، فأدار أبناءها المهن الحديثة، والمناصب العُليا في ظل المؤسسات البيروقراطية الجديدة التي شيدها الفرنسيون. حيث ابتكروا الهيئات الرسمية للدولة الليبرالية الحديثة، ومنها البرلمان السوري، والمؤسسات الأخرى[24].وتولى البرلمان دوره الريادي في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى أن فارس الخوري، رئيس البرلمان السوري، أشاد إثر عودته من سان فرانسيسكو الأمريكية بالدور الذي لعبه البرلمان في خوض معركة الاستقلال، وذلك في 24 نيسان/أبريل 1946، قائلاً:"... وهذه ضبوط مجلس النواب حافلة كلها بصفحات نيرة وخطب فياضة بالحماسة الوطنية والعزة القومية"[25].

  

وهكذا نجد أنه، ورغم ازدهار الحركة الدستورية في سورية، وأن سورية كانت سباقة إلى تطوير ثقافة دستورية وطنية، واستفادت من تجارب غربية وشرقية متعددة، إلا انها افتقرت منذ البداية، إلى وجود قيادة سياسية قوية وموحدة، تساهم في ردم الفوارق الطبقية، وتسعى لترسيخ القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولذا بقيت عاجزةً عن تأمين الاستقرار الداخلي. واستمر الخلاف والنقاشات السياسية والدستورية التي شغلت الساحة السورية خلال العهد الانتدابي الفرنسي والاستقلال الوطني، ومن ثم في عهد البعث وتتكرر ذات الإشكالات في المرحلة الراهنة؛ مثل النقاشات التي دارت حول علاقة الدين بالدولة، وحقوق الأقليات، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، والحيلولة دون أي تدخلات خارجية في شؤونها، ولكن هل تحقق ذلك فعلياً!؟



[1]سليمان البستاني، عبرى وذكرى"الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده"، تحقيق خالد زيادة، (بيروت، دار الطليعة، 1978)، 244.

[2] رشيد رضا، مختارات سياسية من مجلة المنار، تحقيق وجيه كوثراني، (بيروت، دار الطليعة، ط1 1980)، 137 ـ 138.

[3]محمد جمال باروت، المؤتمر السوري العام (1919 ــ 1920 ): الدستور السوري الأول، في: الدستور في الفكر العربي الحديث"تواريخ وقضايا"، (الدوحة)، مجلة تبين، العدد3، المجلد الأول، شتاء 2013، 23 ـ 25.

Majid Khadduri,”Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950,”Middle East Journal, Vol.5, no.2(Spring,1951), p.138 [4]

[5] محمد عزة روزة، حول الحركة العربية الحديثة:تاريخ ومذكرات وتعليقات، (صيدا، المطبعة العصرية، 1951)، مج1،  351 ــ 352.

[6] باروت، المرجع السابق، 36 ــ 37

Majid, Ibid, p.p.138 – 140. [7]

 [8]جمال  باروت، المرجع نفسه، 37 ـ 39.

[9] يتحدث الأستاذ محمد عزة دروزة عن الكيفية التي تمت بها مناقشات الدستور، فيقول:"لقد كان في المؤتمر عددٌ غير قليلٍ فيها ومثقفين وخريجي مدارس عالية وباحثين وعلماء دين.فكانت المناقشات حادة وجدية، وإن النقاشات التي بلغت أوجها كانت حول النص على مساواة المرأة بالرجل سياسياً ومدنياً وانتخابياً وتمثيلاً كما نادى بعض التقدميون، وعارضهم التقليديون، انظر في :دروزة، المرجع السابق، مج1،  461 ــ 462.

[10] جمال باروت، المرجع نفسه، 48.

 [11] نص قرار الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان في 24/7/ 1922 على الأمور الآتية:

م1: تضع الدولة المنتدبة نظاماً أساسياً لسورية ولبنان خلال ثلاث سنوات، ويعد هذا النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات الوطنية وينظر فيه بعين الاعتبار إلى حقوق الأهلين في الأراضي المذكورة، وإلى مصالحهم، وأمانيهم.

م2:اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تسهل لسورية ولبنان النمو والتقدم وتؤيد الدولة المنتدبة الاستقلال الاداري المحلي بكل ما تسمح به الأحوال.

م8:تضمن الدولة المنتدبة للجميع حرية التفكير التامة كمات تضمن حرية القيام بجيع الشعائر الدينية التي تتفق مع النظام العام والآداب.للمزيد: انظر في: يوسف إيبش ويوسف قزما خوري، البيانات الوزراية السورية ومناقشاتها في المجلس النيابي(1918 ـ 1958)، (بيروت، دار بيسان للنشر، ط1 2000) ، 708 ــ 709.

[12] لونغريغ، المرجع السابق، 151.

[13] لونغريغ، المرجع السابق، 167

  Majid, Ibid, p.140. [14]

[15] وجيه الحفار، الدستور الجديد في الجمهورية السورية، تقديم جميل مردم، (دمشق، مطبعة الإنشاء، د.ت)، 49 ــ 50.

[16]وجيه  الحفار، المرجع نفسه، 52.   

[17] فيليب خوري، سورية والانتداب الفرنسي"سياسة القومية العربية"، تر مؤسسة الأبحاث العربية، (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1 1997)، 385

[18] فيليب خوري، المرجع السابق،  389 ـ 390.

[19] لونغريغ، المرجع نفسه، 241.

[20] الجريدة الرسمية، تقرير رئيس لجنة دستور 1950، الجلسة الحادية والعشرون في 15 نيسان/أبريل 1950، العدد 22، في تاريخ 23 حزيران/يونيو1950،  4.

Majid, Ibid, p.144. [21]

 [22]تضمن القانون الانتخابي الفرنسي في سورية في 1931 على انتخاب مجلس نيابي.وتوزعت المقاعد النيابية فيه بالإضافة لمقاعد المسلمون السُنة على جميع الإثنيات، فكان هناك عضوان من الروم الأورثوذكس، وواحد من اليهود، وواحد من الاسماعيليين، وواحد من الأرمن الأورثوذكس، وواحد من الروم الكاثوليك، وواحد من السوريين الأورثوذكس، وثلاثة من الشيعة، وأربعة من القبائل البدوية، انظر:لونغريغ، المرجع نفسه، 241.  

[23]الجريدة الرسمية للجمهورية السورية، تقرير جميل مردم حول وضع المادة 116في دستور1930، الدور التشريعي الثالث، 27ديسمبر 1943،  408.

[24]رايموند هينبوش، تشكل الدولة الشمولية في سورية البعث، المرجع السابق، 61 ـ 63.

[25] أكرم الحوراني، مذكرات، (القاهرة، مكتبة مدبولى، ط1 2000)، ج1،  474.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

694
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة