هشام بوريشة
هشام بوريشة
1.2 k

البريكست شق للصف الأوروبي أم خطة للمد العنصري؟

7/12/2019

لقد أصبح البريكست القضية المهيمنة والاستقطابية المهيمنة على السياسة الأوروبية. فقبل ثلاث سنوات، ربما كان قرار المملكة المتحدة بالتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو الإجابة على سؤال بسيط: ندخل او نخرج من الاتحاد الأوروبي؟ لكن ومنذ ذلك الحين، أصبحت مسألة كيفية مغادرة الاتحاد الأوروبي أكثر تعقيدًا وتبين مدى صعوبتها. والحقيقة المحزنة هي أن الفراغ السياسي الناشئ عن استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قلل من جودة الخطاب السياسي، وخلق مساحة للحركات السياسية الشعبوية الجديدة، التي هي أكثر قوة حاليا من الأحزاب السائدة. المثال الأكثر وضوحا على هذا هو الصعود الأخير لشعبية نايجل فاراج، حيث تنعكس نقطة انطلاقها في فوز UKIP في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014، مما أدى إلى عرض حزب المحافظين للاستفتاء الذي أدى في نهاية المطاف إلى التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتبين أن هذه الاستراتيجية الديماغوجية فعالة، حيث جعلت من جدول أعمالها العنصرية بداية بالبريكست.

 

وتعد العنصرية هي النقطة المركزية الأولى في حجج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتبين أنه لا يمكن التقليل من قبضة العنصريين في بريطانيا بعد التصويت على البريكست. حيث يعكس الملصق المعاد للهجرة من قبل فارج هذه العنصرية المقيتة. وبعيدًا عن اعاقته الفكرية، أصبحت العنصرية علامته التجارية المنطقة، حيث جعلت من فوبيا الاجانب تذكرة النجاح. وهكذا شجع استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العنصريين على زيادة العنف ضد المهاجرين. وأصبح مفهوم السيطرة على الهجرة هو التعبير الملطف لكراهية الأجانب والعنصرية.

 

وعرفت بريطانيا زيادة في حدوث جرائم الكراهية بعد التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد نتج عن هذه الحملة العنصرية خلق رابط بين المفاهيم الأوروبية والعدوانية والتعصب العرقي. وكذلك ارتفاع جرائم الكراهية ضد الفئات المهمة. رغم عدم وجود علاقة بين هذه الفئات وبين البريكست. حيث ينبغي أن يكون التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي طريقة سلمية لممارسة حق تقرير مصير علاقة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي. ولكن اتضح بعد ذلك انه جاء تفويضًا لسلوك البغض وإعطاء صبغة الشرعية على فوبيا الأجانب.

 

التاريخ الطويل والوحشي للاحتلال البريطاني لازال يكمن في ذاكرة الكثير من العنصريين البريطانيين. ومن المرجح أن تؤثر الجذور العميقة لهذه العنصرية على سياسات الغد

وهكذا، وفي السياق الحالي، يشعر العنصريون بثقة متزايدة في نشر الإيذاء العلني أو التمييز. وينعكس هذا في استطلاع للرأي أجرته صحيفة Opinium، نقلته الجارديان. حيث أفاد ان 7 من كل 10 أفراد من الأقليات العرقية واجهوا تمييزًا عنصريًا، مقارنة بـ 58٪ قبل التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو 2016. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في "تطبيع الكراهية وتزايد الانقسام". وليس هذا فقط، فالكراهية التي كانت لا يعبر عنها الا بكلمات أصبحت تتفجر من خلال اعتداءات مادية من أهم ضحاياها النساء الاجنبيات وخصوصا المسلمات. واصبحت العديد من الهجمات تحدث في العالم الحقيقي بدل التعبير عنها في الفضاء السحابي. وأصبحت القضية الاجتماعية والسياسية الأولى في المملكة المتحدة هي ما يصطلح عليه بهتانا الإرهاب " الاسلامي" لشحن البغض والكراهية.

 

وتظل العنصرية أو كره الأجانب الدافع الرئيسي لبعض الناس في استفتاء عام 2016. وشكلت بذلك حقيقة لا جدال فيها في الحياة اليومية في المملكة المتحدة. ومع ذلك، فالفكر العنصري متجدر، تمامًا كما كانت العنصرية في الولايات المتحدة دائمًا متجدرة وليست مرتبطة بالدورات الانتخابية أو حملة ترامب الرئاسية المثيرة للانقسام. وقد يبدو أن العنصرية متجذرة بعمق في التفكير الغربي عموما، عندما يُفترض أن تكون الفلسفة الليبرالية الديمقراطية الحديثة قائمة على قيم الأخلاق والمساواة. وبالتالي فإن العنصرية هي إنكار هذه القيمة للناس من "الأعراق" غير البيضاء أو، على حد تعبير كانط، يتم معاملتهم "مجرد وسيلة".

 

الحقيقة هي أن التاريخ الطويل والوحشي للاحتلال البريطاني لازال يكمن في ذاكرة الكثير من العنصريين البريطانيين. ومن المرجح أن تؤثر الجذور العميقة لهذه العنصرية على سياسات الغد، كما فعلت بالفعل في الأمس واليوم. وفي السياق المعاصر، يقترح غولدبرغ : "لم تختف العنصرية التقليدية بل انتشرت العنصرية، من حيث النوعية والكمية. تشير العنصرية الجديدة إلى أشكال التمييز الناشئة التي حلت محل العنصرية القديمة القائمة على أساس بيولوجي. من الأمثلة المعاصرة على مثل هذه العنصرية الجديدة: الإسلاموفوبيا والعداء "للمهاجرين"، حيث يعتمدون على القلق الأكبر حول الهوية و"العرق" والمكان والجنسية ... في سياق "خروج بريطانيا"، يجب أن ندرك أن المخاوف حول الهوية والمكان والمواطنة عرقية إلى حد كبير"

 

وبالتالي، فإن الحركة الشعوبية العنصرية التي نشهدها حاليًا في بريطانيا وأروبا عموما ليست انحرافًا مؤقتًا. وهناك مصدر قلق آخر هو أن الزيادة في الخطاب العنصري على وسائل التواصل الاجتماعي تثير مخاوف بشأن ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت تعمل على تطبيع الكراهية وتزيد الانقسام، وفي مقابلة مع الفاينانشيال تايمز في يوليو 2019، قال تنداي أتشيوم، المقرر الخاص للأمم المتحدة للمساواة العرقية، إن سياسة "البيئة العدائية" لحكومة المملكة المتحدة، والمصممة لمعالجة الهجرة غير الموثقة. شجعت العنصرية. وأضاف أتشيوم أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد زاد من الصراعات العرقية وكراهية الأجانب. ووصف أتشيوم "الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي الهيكلي" للأقليات العرقية بأنه "ملفت للنظر" ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سياسة الحكومة.

 

غالبًا ما يبدو أن العنصرية والشعبوية تحدد عصرنا السياسي الحالي. لا ينحصر تنمي ظاهرة اليمينيين أو القوميين في المملكة المتحدة وأوروبا فقط، بل أصبحت ظاهرة عالمية. وعلى الرغم من الاتفاقيات والإعلانات الدولية، فقد أدت العنصرية إلى تجريد الأفراد والمجتمعات من إنسانيتهم. ليس فقط من خلال حرمانهم من المساواة والكرامة، ولكن من خلال قوانين مصممة لغرض فصل البشر إلى تسلسل هرمي يهدف إلى الارتقاء ببعضهم وقمع الكثير. ومع ذلك، فإن استجابة المجتمع القانوني الدولي للعنصرية لم تكن كافية. حتى عندما تتفق الدول على لعب دور في تفكيك العنصرية، فإنه يشخص الداء ويتيه المشرع والاجتماعي في إعطاء الدواء.

 

قال مارتن لوثر كينج جونيور ذات مرة: "قد يكون صحيحًا أن الأخلاق لا يمكن تشريعها، لكن يمكن تنظيم السلوك. قد لا يغير القانون القلب، لكنه يمكن أن يكبح جماح القلوب "، ويبقى السبيل الناجع السلمي الوحيد لمواجهة هذا المد الغير انساني، هو التعبئة الجماهيرية. وعلى الناشطين العموميين إجبار القادة السياسيين على ضمان شعور الأقليات العرقية بالأمن والأمان. وإلا، فإن السياسة الشعبية القائمة على القومية والمرتبطة بالعاطفة العنصرية ومعاداة المهاجرين سوف تستمر في تحدي مفهوم الاندماج الثقافي، بل ومما سيزيد تعقد الأمر التمويل الخارجي للحركات العنصرية من الخارج ومدى استقلالية القرار الداخلي. وكمثال على ذلك القرض المفترض للامارات للتجمع الوطني العنصري اليميني المتطرف بفرنسا.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

720
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة