تميم البرغوثي.. بقايا المتنبي في هذا الزمن

25/11/2019

كل شيء في هذا العالم يتطور يوماً بعد يوم، وأغلب العلوم شهدت تحوّلات رهيبة وتقدم ملحوظ عمّا كانت عليه في السابق، إن كان في الطب أو الهندسة أو التكنولوجيا والاتصالات، لكن الشعر كان يسير عكس التيّار فكلما مرّت حقبة زمنية نجد مستوى الشعر أقل من سابقتها، ولعلّنا كعرب حقّ لنا أن نفتخر أننا أسياد هذا الكار منذ قرون كثيرة، فمن معلقات الجاهلية الزاخرة بجواهر المعاني والمفردات التي كان ينظمها فرسان الشعر في ذلك العصر كأمرؤ القيس وعنترة وزهير بن أبي سلمى وغيرهم الكثير، إلى شعراء بداية عهد الإسلام كحسان بن ثابت وكعب بن زهير وعبدالله بن رواحة.

    

وإن كان الشعر قد أخذ استراحة المحارب في صدر الإسلام لانشغال الناس بالدين وقتها إلا أنه عاد وانتفض مرة أخرى في الدولة الأموية وبرز شعراء كثر كالفرزدق وجرير وبشار بن برد، ثم تلألأ الشعر في العصر العباسي وتطور تطوراً ملحوظاً وأنجب لنا ذلك العصر كوكبة من الشعراء الأفذاذ كان على رأسهم معجزة زمانه وكل الأزمنة أبو الطيب المتنبي، الذي كان له روح شعرية خاصة، وكان ملك الكلمة والقافية بلا منازع، وبقي العرب منذ نلك الوقت يستمتعون بما نظم المتنبي حتى يومنا هذا، وقد كنتُ منذ الطفولة أقرأ أشعار المتنبي وغيره وأمني النفس كما الكثير غيري برؤية شعراء معاصرين تكون لأرواحهم الشعرية لقاءات ولو على استحياء بروح المتنبي الشعرية أو يمسّون جانباً من لغويته الفريدة، ولعلَّ شاعر الرافدين محمد مهدي الجواهري كان له بعض من ذلك نراه أحياناً بين قصائده، إلى أن جاء يوم منذ سنوات شاهدت فيه ذلك الفيديو لشاب يلقي قصيدة أمام الجمهور يتكلم بها عن القدس، كان ذلك الشاب هو تميم البرغوثي.

  

شدتني تلك الكلمات من بداية القصيدة إلى نهايتها، وقد كان ذلك العبقري الوحيد الذي جعلني أستمع لقصيدة وأحضر عرضاً مسرحياً ملحمياً في آنٍ معاً، لا بل أنني كنت أشاهد وأنا أستمع لكلماته فلمين أحدهما سينمائي درامي يتحدث عن بطولة المقدسيين وصمودهم، والآخر وثائقي تاريخي يتكلم عن جمال القدس العتيقة وتاريخها، وتعجبت كثيراً أن يكون كل ذلك في قصيدة شعرية، وقد لمست في كلمات تميم ما لم ألمسه بكلمات غيره مما تغنّى بالقدس وجمالها، وكانت تلك الأبيات تهوي على مسامعي كأنها ممزوجة بتراب القدس وتحمل في سطورها نفحة من شذاها، واعترف أنني كلما انتابني الإحباط من صمت أمتنا تجاه قضيته الأولى كنت أستمع لتلك الأبيات لآخذ جرعة من الأمل الثوري الذي نفتقده، واسافر معها إلى ربوع القدس التي لم أرها في حياتي لكنني رأيتها حقيقة في شعر تميم.

    

  

بحثتُ عن سيرة تميم الذاتية وبرغم تعجبي من بلاغته وفصاحة لسانه إلا أن بعضاً من تعجبي قد زال حين عرفتُ أنه مصبٌّ لنهرين كبيرين من أنهار الأدب العربي، فوالده هو الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ووالدته هي الروائية المصرية رضوى عاشور، وقد درس العلوم السياسية والعلاقات الدولية حتى درجة الدكتورة، وكل ذلك خلق هذا المزيج المتجانس في شعره ما بين القافية والقصة بنكهة سياسية مدروسة، اما عبقرية المفردات فأعتقد أنها إبداع شخصي منه بالإضافة لقوة لغته العربية التي يتميز بها عن غيره، أما الإلقاء والحضور فذاك أمر آخر تماماً، حيث تجد الصدق والشغف جليّا في شعره، وتشعر أنك أمام بركان هادئ حتى وإن ثار، يداعب المفردات كأنه يداعب قطعة من الصلصال يشكلّها كما يريد، ليُخرج تحفة فنية رائعة الجمال، فترى في تلك التحفة ما لا تراه في غيرها من موسيقى وصورٍ وأفكار.

  

وحديثي عن تميم ليس انتقاصا من أساتذة كبار مثل شوقي ودرويش ونزار، لكنني أراه حالة خاصة وفريدة ومرآة أرى فيها انعكاس لبعض ملامح المتنبي، وكلما قرأت شعر تميم أو سمعته أشعر بروح أبو الطيب تحوم في المكان، ولعلّ بعض المتخصصين في هذا المجال لا يوافقوني الرأي وقد يكونوا على صواب لأنهم يتحدثون من مبدأ أكاديمي وعلمي وهم أعلم مني بذلك، لكنني أتحدث من مبدأ روحي ووجداني وملامسة للمشاعر، وهذه المعايير لا تخضع لنظريات علمية بل تختلف من شخص لآخر، وإنني أرى في تميم حالة فريدة تستحق الإشادة لأنه اختلف عن الجميع وجعل للشعر روحاً تتحرك وتحرك فينا كل ما فينا، جعلنا نسافر معه إلى حيث يريد أن نرى ما يراه، وقد تنوعت افكاره وصوره وإبداعاته حتى بات القارئ والمستمع يعيش حالة من المشاعر المختلطة بين الفرح والحزن والانتماء والفخر في آن معاً، لترى نفسك تصفق لكلماته حتى ولو كنت تسمعها وحيداً.

  

حظي تميم بشيء من الشهرة ووجد منابر عدة لنثر جواهره الفريدة، لكنني أعتقد أن مثل هذه النماذج بحاجة إلى أكثر من ذلك، بحاجة إلى الدخول في تفاصيله أكثر وإتاحة المجال له لتعليم غيره من المبدعين الصغار، حتى يبقى نهر الشعر العربي متدفقاً بما هو جيد وحتى لا يضطر مبتدئي الشعر أن يتجهوا لسخافات الكلام لقلة من يعلمّهم أو لضعف إمكانيات معلميهم، وبرغم أن شهادات تميم الأكاديمية في العلوم السياسية وهو ما يعمل به حاليا إلا أنني على يقين بأنه لو وجد المكان الصحيح والمناسب لإبراز طاقاته اللامحدودة في معشوقه وأقصد هنا الشعر، فإنه لن يتوانى لحظة عن ترك كل شيء لأجل ذلك، وسيبدع معلماً كما أبدع تلميذاً، وكما خلق من نفسه أيقونة شعرية بحالة فريده سيجد من الشباب العربي من يستحق أن يعطيه كلمة السر للإبداع، ومفتاح الدخول إلى عالم تميم الخاص، وقد نجد بعد ذلك نماذج مشابهة تثري الساحة الشعرية وترفع مستوى الكلمات ليرقى لمن يتذوق الشعر بروحه، وينقي الشوائب التي تشوب مسامعنا من كم ليس بالقليل من سخافات الكلام.

  

لستُ هنا بصدد مدح تميم البرغوثي_ وإن كان يستحق_ بقدر ما أن المراد هو تسليط الضوء على ضرورة استغلال المبدعين أمثاله في خلق مبدعين غيرهم والمساعدة على رفد الشعر العربي بين الحين والآخر بأحفادٍ للمتنبي وغيره، من أجل استدامة نبراس الشعر في تألقه، وضمان عدم مغيب شمس الإبداع في هذا المجال، ولعلّ تميم الأنسب والأفضل لمثل هذه المهمّات، ولكي أكون منصفاً فهناك شعراء بيننا لديهم الفصاحة والبلاغة والتفوق، ويملكون من فنون الشعر الكثير، لكنني أعتقد أن المتنبي لو كان بيننا اليوم وأراد أن يختار تلميذاً له من بينهم، فحتماً سيختار تميم.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

693
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة