لحبيب آيت أ صالح
لحبيب آيت أ صالح
1.2 k

ما معنى أن يتذكّرنا الآخرون بعد أن نموت؟

27/11/2019

بعد أن نموت، ونصير مجرد ذكرى بالنسبة لمن تركنا لهم نصيبا من تذكرنا، قد لا يستمر هذا التذكر كثيرا، وقد يتلاشى مع الغياب الأكبر، والذي لا مفر منه في النهاية، لكن لو قررنا أن نترك الآخرون يتذكروننا بعد أن نمضي إلى العدم، وأن نترك على رصيف الحياة شيئا خالدا؛ ككتاب أو أغنية أو شيئا من هذا القبيل، ماذا لو تركنا ابنا يمرر ما تبقى من جيناتنا للجيل الذي يليه؟ هل سيكون لكل ذلك معنى بالنسبة لمن سيخلف ذلك؟ أم أن المعنى لا يكون إلا لمن يضع هذا المعنى؟ أم أن كل ذلك ليس له أي معنى بالنسبة لمن ترك حتى أكبر الذكريات؟ وما نفع التذكر بعد أن نصير مجرد ذكرى على عتبات الحياة؟ كل ذلك قد لا يمثل أي شيء إذا لم نتلذذ به أثناء وجودنا الأكبر، وبعد ذلك نمضي ونترك الآخرين يفعلوا بهذه الذكريات ما يشتهون.

  

نشتهي أن يظل وجودنا خالدا حتى بعد أن نموت، لكن ذلك قد يبدو فاقدا للمعنى، ما دمنا لن نستشعر ما يمكن أن يؤثر علينا بعد أن نغيب، فقد تصير صورتنا أكبر من تلك التي كانت لما قررنا أن نخلقها بوعي، وبما أننا لن نوجد عندما سنصير في نظر الآخرين أكبر مما كنا، فإن ذلك لن نستشعره ولن نتلذذ به أبدا، ولذلك ينبغي أن نبحث عن المعنى من كل ما قررنا أن نخلفه بعد أن ننعدم، قد نخلف أكثر مما نتوقع، وقد نصير أفضل مما نحن بعد أن نموت، في نظر أولئك الذين يحبوننا، وقد نصير لا شيء، ونمضي إلى أن تنتهي صلاحيات التذكر في قلوب المقربين.

 

من الجميل أن نترك وجودنا مرغوبا فيه، رغم أننا لن نستمتع بذلك، ورغم أن ذلك قد يبدو خاليا من المعنى بالنسبة لنا، الآخرون هم من يضعون لوجودنا معنى عندما نغيب

لو قررنا أن نترك وجودنا موجودا بعد أن نموت، وذلك عن طريق ما نخلده من أفكار وكتب وأغنيات وإبداعات بشتى أنواعها، تلك التي يتم التفاعل معها بشكل أكبر وبتقدير أكبر بعد أن يغيب صاحبها، فلن نأخذ نصيبنا مما تركناه بالشكل الذي كنا نطمح إليه لما قررنا أن نخلده، سيفتخر المقربون منا بذلك، سنلتصق بذكرياتهم أكثر، لكن ذلك لن يكون له أي تأثير علينا ونحن في غياهب العدم، وفي غياب هذا التأثير، هل ينبغي أن نترك كل ما نستطيع دون أن نكون براغماتيين في الحصول على هذا التأثير بعد أن نمضي قدما صوب العدم.

 

ماذا سنستفيد بعد أن نصير مجرد ذكرى على حافة الحياة؟ ما دمنا لن نستفيد شيئا، هل يمكن أن يمنعنا ذلك من أن نترك شيئا؟ أم أننا ونحن على عتبات الحياة، ننسى أننا قد نُنسى، وننسى كذلك أننا قد نظل أحياء بشكل أكبر مما نحن فيه، لعلنا لا نكترث لذلك المستقبل المجهول، كل ما يهمنا هو أن نعيش حاضرا قد نصنع من خلاله أمجادا قد لا تعني أي شيء إلا بعد أن نصير مجرد ذكرى، لا نفكر كثيرا في التأثير الذي قد نخلفه بعد أن نمضي صوب النهاية، أو أن هذه النهاية بداية لحياة لم نكن نتوقعها، ولم يكن من نصيبنا أن نأخذ منها ما نشتهي بعد أن قررنا أن نخلقها بكل ما ملكنا من طموح وإرادة.

 

معظم الذين تركونا وذهبوا صوب العدم، صاروا أكبر مما يتوقعون، صار تأثيرهم أقوى مما كان، وصرنا نتمنى أن نكون مثلهم، ولما لا أفضل منهم، وصار وجودهم أقوى مما كانوا يتوقعون، لقد باتوا يشكلون جزء من الحياة بعد أن حرمتهم الحياة من الحياة، وصنعوا لأنفسهم حياة لم تسعفهم في عيشها كما كانوا يشتهون، هل يستشعرون الآن تأثيرهم المبالغ فيه، أم أننا نحن من وضعناهم في هذا المعنى الأكبر، ونحن من صنع لهم هذا المكان الذي حُرموا منه بعد أن كان بإمكانهم أن يتلذذوا به.

   

ربما نحن من يجعل الأمور تبدو على الشكل الذي هي عليه، وبالنسبة لمن تركوا لنا بعض معاني الحياة، بعد أن صاروا ذكرى، لم يعد لكل ذلك أي معنى بالنسبة لهم، المهم أنهم لم يمروا مرور الكرام في جانبه الإيجابي، لقد مروا من هنا، وقد نمر أيضا من هنا، وسنترك ذكرياتنا تدفع الآخرين لينظروا إليها كما يشتهون، ستصير بالنسبة إليهم معنى، وقد لا تعني لهم أي شيء، وقد نُنسى بسهولة أكبر مما نتوقع، وقد يندم أولئك الذين فرطوا فينا على كل ما فعلوه بنا، وسنموت ولن نتأثر بكل ذلك.

   

من الجميل أن نترك وجودنا مرغوبا فيه، رغم أننا لن نستمتع بذلك، ورغم أن ذلك قد يبدو خاليا من المعنى بالنسبة لنا، الآخرون هم من يضعون لوجودنا معنى عندما نغيب، وعندما سنترك لهم ما يمكن أن يدفعنا للحياة بعد أن نموت، لن نموت إذا تركنا ذكريات جميلة مع الآخرين، ولن نموت إذا خلفنا أثرا يستمتع به الآخرون، ولن نموت إذا صرنا ضمن طموحات الآخرين، ولن نموت إذا عرفنا كيف نؤثر في الآخرين بأفكارنا، لكن الحقيقة أننا نموت فعلا، وكل ما نتركه خلفنا لن يؤثر فينا ولن نتأثر به، سنموت فعلا رغم أننا قد نبقى، لكن بقائنا لن يكون له أيم معنى إذا لم يكن بوسعنا أن نشهده ونحن على قيد الحياة.

كلمات مفتاحية: موت، حياة، مجتمع، علاقات، حزن،

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

719
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة