أواب المصري
أواب المصري
2.7 k

وداعاً للفشخرة اللبنانية

28/11/2019

مطالب كثيرة يرفعها المتظاهرون الغاضبون في ساحات لبنان. في الأيام الأولى كان المطلب هو استقالة الحكومة، بعد الاستقالة صار المطلب هو تشكيل حكومة (تكنوقراط) من اختصاصيين، واشترط المتظاهرون أن لايكون لهذه الحكومة علاقة بالأحزاب السياسية، سأفترض أن الأحزاب السياسية سترضخ لمطلب الشارع وستوافق على تشكيل حكومة اختصاصيين، وسأفترض كذلك أن هذه الموافقة ستمتد إلى منح الحكومة الثقة في مجلس النواب الذي تهيمن عليه الأحزاب السياسية، لكن ماذا عن اللبنانيين الذين ينتمون ويؤيدون الأحزاب السياسية، ألا يحق لهؤلاء أن يكون لهم صوت، ألا يشكلون شريحة في هذا البلد ويستحقون تمثيلهم في الحكومة وأن يكون لهم رأي فيها؟ أم أن الديمقراطية برأي المتظاهرين أن يستأثروا وحدهم بكل شيء؟!.

 

أمر آخر، من قال إن الاختصاصيين الذين لاعلاقة لهم بالأحزاب ليسوا فاسدين. فالسلطة السياسية لاتعمل وحدها، فإلى جانبها طبقة من الاختصاصيين يشكلون أدواتها لممارسة فسادها، سواء في الإدارات العامة أو في القطاع الخاص أو حتى في النقابات المختلفة. فالسياسي لايستطيع وحده أن يسرق وينهب إن لم يكن هناك منتفعون من حوله يساعدونه ويغضّون الطرف عنه. وبالتالي هناك منظومة متكاملة من الفاسدين يشكل الاختصاصيون جزءاً أساسياً منها. لذلك لا تكفي المطالبة بحكومة اختصاصيين، المطلوب هو وزراء ونواب وموظفو إدارات عامة ونقابات مهن حرة ورجال أعمال ومصرفيين من الشرفاء النزيهين سواء كانوا اختصاصيين أم لم يكونوا.

 

ينبغي أن يعي اللبنانيون أهمية صوتهم في الانتخابات، وأن الزعيم الذي ينساقون وراءه ويبيعون صوتهم له هو المسؤول عما هم فيه، وأن يدركوا بأن وجودهم ليس مرتبطاً بزعيم طائفتهم

هناك أزمة اقتصادية حقيقية يعاني منها لبنان، ولم يعد تهويلاً القول بأن الاقتصاد على شفير الانهيار، وهذا لن يمنعه تشكيل حكومة جديدة من شخصيات كفؤة ونزيهة. فالأزمة ليست فقط بسبب الفساد والسرقة والنهب والمحسوبيات، بل أيضاً بسبب سياسات خاطئة تمّ اتباعها على مدى العقود الماضية، إضافة لضعف الموارد في مقابل ارتفاع المصاريف، وهو ما يُطلق عليه عجز في ميزان المدفوعات. لذلك، على الشارع المتفائل أن يدرك بأن تشكيل حكومة من الاختصاصيين النزيهين لن يحقق المعجزات. فتشكيل الحكومة هي بداية مسار طويل من العمل الشاق والدؤوب لانتشال الاقتصاد من الوضع الذي هو عليه، وهي خطوة أولى يجب أن تُستبع بخطوات أخرى، وبالتالي استعجال النتائج لن يعود إلا بالإحباط والخيبة على الشارع.

 

ما يجب أن يدركه المتظاهرون وكل اللبنانيين، هو أن الخروج من الأزمة التي يعيشونها تستلزم اتباع نمط جديد من الحياة يختلف عما كان سائداً، وأن "الفشخرة" اللبنانية باتت جزءاً من الماضي. فلن يكون الجميع قادر أن يكون لهم سيارتين وثلاث سيارات للمنزل الواحد، ولن تعود العاملة المنزلية حاجة ضرورية، ولن يعود السفر كل عام للسياحة مقدور عليه، ولن يكون الذهاب إلى المطعم نهاية كل أسبوع أمراً متاحاً للجميع. هناك ضائقة معيشية حقيقية يعاني منها لبنان وستزدتد سوءاً في المرحلة القادمة، ولن ينفع الاكتفاء باتهام السلطة بالفساد والسرقة للخروج من هذه الضائقة، فالتعايش مع هذه الأزمة أمر أساسي، مع ما يعنيه ذلك من ربط للأحزمة.

 

يبقى أمران مهمان إذا تحققا يشكلان إنجازاً حقيقياً وفعلياً لثورة اللبنانيين يمكن البناء عليهما. الأول هو أن يعي اللبنانيون أهمية صوتهم في الانتخابات، وأن الزعيم الذي ينساقون وراءه ويبيعون صوتهم له هو المسؤول عما هم فيه، وأن يدركوا بأن وجودهم ليس مرتبطاً بزعيم طائفتهم. الأمر الآخر الذي على الشارع التمسك به هو إقرار قانون انتخابي عادل يمثّل أوسع شريحة من اللبنانيين، وهو يشكّل مدخلاً إلزامياً للخروج من الأزمة، والذي من خلاله يمكن تغيير كل الطبقة السياسية الفاسدة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة