د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
3.5 k

الموسيقار عبد الوهاب الذي لم يخطئ في الجندول

30/11/2019

ذات صباح حضرت جلسة لجنة المعجم الكبير في مجمع اللغة العربية، وهي أعظم لجان المجمع حفاوة بالمناقشات اللغوية الدقيقة بحكم مرجعية أعضائها وبحكم ميدان نشاط اللجنة، وقد نالت هذه اللجنة في صمت وتواضع جائزة الملك فيصل في الأدب العربي منذ سنوات، فوجئت بأن معظم أعضاء اللجنة قد شاهدوني الليلة السابقة وأنا أتحدث على شاشة التلفزيون وأقول إن الموسيقار محمد عبد الوهاب مثله مثل السيدة أم كلثوم لم يكن يخطئ في اللغة العربية بسبب معرفتهما الوثيقة بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتعلما، وبدا أنهم يستنكرون على أن أكون لم أدْرِ بأخطاء الموسيقار عبد الوهاب المشهورة في اللغة العربية.

  

ضحكَ واحد من شيوخنا الأجلاء، وقال: إنه لم يُشاهد حلقة الأمس لكنه سمع مني هذا المعنى من قبل ذلك بسنوات في حديث إذاعي فكان مُعجبا بالإفاضة في شرحه على نحو ما شرحته ولم يكن الموضوع نفسه يعنيه، أما اليوم فإنه يهمه أن يعرف الحقيقة من رءوس الأشهاد، وكان أستاذنا هذا من العبقرية بحيث يستخدم الأقوال المأثورات استخداماً جديدا بتغيير حرف واحد كما فعل في هذا التعبير المأثور حيث وضع من بدلا من على . كنت أتوقع بنسبة كبيرة أن يكون المثل الأول في أذهان أساتذتنا هو ما عرف بأنه أخطاء الموسيقار عبد الوهاب في أغنيته «الجندول»، وصدق حدسي عندما طلبت إليهم أن يُحدّدوا مثلاً نبدأ منه مناقشتنا، وبدأت أسأل عن الخطأ لأجيب وكان باديا أنني مُتسلّح بفكرة مُسبقة.

 

قال أساتذتنا: ما تقول فيما فعله عبد الوهاب حين حرك فتحة الشين في كلمة الشَعر من أعلى حرف الشين إلى أسفله فجعلها الشِعر، فجعل وصف المحبوب بأنه ذهبي الشِعر بدلاً من أن يكون ذا شعر ذهبي "بلوند"، فأجبت بأن هذا يُمكن أن يُنظر إليه على أنه معنى بعيد وعميق، فالشعر الذي يُقال إطراء لهذا المحبوب يستحقُّ أن يكون مثقاله بالذهب.. أغرق الأساتذة في الضحك، وسألوني: كيف اخترعت هذا المعنى البديع فأجبتهم بما يروى من أن عبد الوهاب أُعجب بالقصيدة لما قرأها في الصحافة فاتصل بمؤلفها الشاعر على محمود طه يُبشّره بأنه لحّنها وسيُغنّيها ففوجئ بالشاعر حريصا على حقوقه المادية، وهكذا أراد عبد الوهاب أن يُثبت أنه دفع مقابلاً ذهبيا لهذا الكلام الذي يُغنّيه وهو الذي كان يظن الشاعر سيكتفي بأن يطير فرحاً بالشُهرة التي حقّقها له الموسيقار محمد عبد الوهاب على غير توقُع.

  

  

قال أستاذنا الذي ندب نفسه للقيام بدور الادعاء، وما تقول في ذلك الخطأ الذي صحّحه رئيسنا الدكتور طه حسين بنفسه حين حضر تسجيل الأغنية في الاستوديو ووجد عبد الوهاب يقول قابلته ويضع الفتحة على التاء فجزع وهو يسمع فانتبه عبد الوهاب وصحّح اللفظ ووضع الضمّة على التاء بدلاً من الفتحة.. وعقب أصغر الأساتذة بما يعرفه الجمهور من أن التسجيل يحوي قابلته بالفتح وقابلته بالضم بعدها، فأجبتهم بهدوء شديد بأن سليقة عبد الوهاب قادته إلى أسلوب قرآني أكثر بلاغة من النص [النحوي]التقليدي الذي دار في ذهن الدكتور طه حسين وهو أسلوب الالتفاف فتحول من الحديث بضمير المنزم المتكلّم بنفسه المخاطب للناس إلى ضمير المخاطب لنفسه وهو يذكر نفسه بهذا الشأن شديد الخصوصية، وأردفت إنني لو قرأت النص ما قرأته بالضم أبداً فليس في الضم بلاغة، والبلاغة كلها في الالتفاف الذي يعبر عنه وضع الفتحة على التاء.. ومن الاعتراف بالحق والفضل لذويه أنني وجدت من أساتذتنا إعجابا لا حدود له بهذا التفسير حتى إن أحد أساتذتنا قال: ليت طه حسين ما حضر التسجيل، ولا تسبب لعبد الوهاب في هذا الرعب الذي جعله يعدل عن المعنى الأجمل إلى المعنى الجميل/ فعقّبت بأن الغناء بالفتح ثم بالضم هو أيضا في حد ذاته إعجاز مفيد للبلاغة العربية وبخاصة حين نقرر هذه القصيدة في مناهج الأدب، ونفتح الباب لمثل هذه المناقشة المبنية على واقع حدث بالفعل.

  

قال أستاذنا الذي تولّى مهمة الادعاء: فما قولُك في خلطه الذي لا يغتفر بين ساقه هو، وبين الساقي الذي يسقي الناس ما يشربون، ألا تراه وهو يخطئ فيُصوّر الأمر كما لو أن المحبوب مرّ قرب ساقه هو لا قرب الساقي؟ قلت يا أستاذنا لقد كان عبد الوهاب في تلك الفترة مشهوراً بجلسته في شرفة فندق المتروبول في محطة الرمل واضعاً ساقاً على ساق! وله صور كثيرة لهذه الجلسة الشهيرة فهل نحرم المُتلقي للغناء من أن يتصور مطربه المفضل في جلسته المفضلة وصورته الشهيرة المطبوعة في الذهن جالسا بساق على ساق، لتجعله يلعب الدور الذي أراد الشاعر من أحد أبطال قصيدته أن يلعبه؟ هل تتخيّل يا استاذنا الفتاة التي تُريد لفت نظر هذا المطرب الشهير تهتم بأن تكون قرب الساقي؟ أم أن الأولى بها أن تكون بالقرب من صاحب الساقين، أي بالقرب من ساقه العليا التي وضعها على ساقه الأخرى؟ لم يتمالك أحد أساتذتنا نفسه إلا أن قال: فتح الله عليك يا محمد فتوح العارفين، مع أني متأكد من أن هذا المعنى لم يدُر بخلد على محمود طه، ولا بخلد محمد عبد الوهاب، ولا أريد أن أقول إنه: لم يكن يليق أن يدور بخلدهما؟ فضحكت وقلت: وأنا أيضا متأكد.

  

نظر إلي أكثر الأساتذة شبابا، وهو أقلّهم أيضا عناية بالفن، كما أنه أقلّهم احتفاء بي وقال: هل تجد لفظاً يصف هذا الذي تفعله؟ أنا أُقرُّ لك بأنك محب للنقد الذاتي فقل لي بالله عليك ما هذا الذي تفعله؟ فنظرت في استكانة المستغيث بأساتذتنا كي يُنصفوني بما لا أستحق، فقال أستاذنا الفقيه: هذا هو التخريج، وقال أستاذنا الفيلسوف هذا هو: التأويل، وقال أستاذنا الناقد: هذه هي القراءة، نظر الأستاذ الأكثر شبابا الذي هو أقلّهم عناية بالفن وسألني: وأنت ماذا تقول ؟ فأجبته بثقة المسنود، وهي ثقة لو تعلمون عظيمة، هل أجيبك من العلم الذي أنت أستاذه، قال تجيبني من علم اللغة؟ قلت نعم، قال: تفضل! فقلت هذا هو التسليق! أي البحث للقول عما يُبرره من السليقة.. فأخذ يرمقني ويقول: كأني سأتحول إلى الإعجاب بك رغم أنفي.. ثم نظر إلينا رئيسنا الفقيه الفيلسوف مدّ الله في عمره وقال قولته التي لا يكفّ عنها: ادع لأبيك بالرحمة، علّمك ما لم يُعلّمه أحد لأحد، وأجاد التعليم، في وقت قبض الله فيه العلم قبضاً، فانهمرت بالبكاء كما لا أزال أفعل لأني فعلا لم أعرف لوالدي حتى الآن حقه، رحمه الله رحمة واسعة

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة