لماذا لا يثق الأردنيون بحكوماتهم؟

8/11/2019

يدرك المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي أن هناك انعدام للثقة بين غالبية الأردنيين وحكوماتهم. فأي طرح لأي وزير أو رئيس للوزراء يتم تداوله بعواصف من السخرية التي إن كانت تؤدي إلى الضحك المؤقت، إلا أنها تعكس فجوة عميقة بين الشارع وصانع القرار. تلك الفجوة آخذة بالتعاظم يوم بعد يوم لأسباب تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء عليها.

مجالس نيابية لا تمثل الشارع

الأصل أن الثقة تمنح من قبل مجلس النواب للحكومة التي يعينها الملك، وأن المجالس النيابية هي التي تمثل الشارع الأردني، إلا أن إضراب المعلمين الأخير أثبت أن مجلس النواب بعيد كل البعد عن الشارع، وقريب كل القرب من مصالح أفراده الشخصية وقواه النفعية. فقبل إضراب المعلمين كان بعض النواب يطالبون بتقاعد مدى الحياة، حتى أن أحد النواب خرج على الإعلام مصرحاً بما يعني أنه لا يرضى أن يعمل "سائق تكسي" لو انتهت عهدته البرلمانية! ربما تلخص تلك الحادثة كل شيء عن ذلك المجلس الذي استاء نوابه من التفاف الشارع حول نقابة المعلمين وانتقد الدور الذي اضطلعت به للحصول على حقوقها. لكن ما الذي يجعل النواب المنتخبين غير ممثلين للشارع في عين الشارع؟

رغم وضوح الأمر للقاصي والداني كانت الدولة، ولا تزال، تصر على أن هناك أجندات عبثية وراء إضراب المعلمين، مع العلم أنه كان جلياً أن الحكومة كانت غير فاعلة ومكبلة وتنتظر قراراً يأتيها من فوقها في كيفية تعاملها مع الأزمة

عمدت الدولة الأردنية على تقويض مجلس النواب من خلال قانون الانتخاب لا سيما بعد مجلس عام ١٩٨٩ الذي كان يعد من أقوى المجالس النيابية في تاريخ الأردن. وابتكرت الدولة قانون الصوت الواحد بالتزامن مع تهميش الوعي السياسي رغم وجود وزارة تعنى بالتنمية السياسية! وقد عمدت الدولة على تشجيع التصويت على الأساس العشائري والجهوي وتأجيج التنافس العشائري والجهوي حتى أصبحت العشيرة أو الجهة صاحبة الولاء الأول لغالبية الأردنيين. كما عمدت الدولة على دعم المطالب الخدمية والوساطات للمنتخبين عشائرياً أو جهوياً من أجل مقايضة ذلك بمواقفهم السياسية إن كان لهم مواقف سياسية أصلاً. وقد عملت الدولة على الترويج لمفهوم النائب الخدمي الذي ينتخبه أقاربه ومن حوله من أجل أن يلبي مطالبهم الضيقة من توظيف، وإالغاء للمخالفات، وتعد على القانون وبتعد صارخ على مبادئ سيادة القانون والمساواة اللذين ينص عليهما الدستور الأردني.

لقد أدت ظاهرة النائب العشائري الجهوي أو الخدمي إلى تقويض الحياة السياسية في الأردن، ونشر الظلم وانعدام تكافؤ الفرص، وتعاقب نواب يدروكون أصول لعبة المقايضة النفعية فيجيرون الأمر لمنافعهم الشخصية، ما أدى إلى تفاقم الفساد واستشراء الجهل السياسي وتعاظم دور مجلس النواب في حماية الفاسدين وتحالفهم مع رجال المال والأعمال للعبث في الدولة ومقدراتها. ومع مرور الوقت، أصبح الشارع الأردني يدرك مفاصل تلك اللعبة وتبعاتها عليه، وأصبح أكثر إيماناً من ذي قبل أن تلك المجالس النيابية لا تمثل الشارع الأردني ولا تلبي طموحاته، وعليه فإن تصويتها بالثقة لأي حكومة ما هو إلا محض مسرحية أريد لها أن تظهر بشكل ديموقراطي.

حكومات بلا صلاحيات

هناك طروحات كثيرة عبر عنها في مواقع التواصل الاجتماعي حول صلاحيات الحكومات. فالمادة ٣٥ من الدستور تمنح صلاحيات للملك بتعيين الوزراء ورئيسهم، وهذا ما يراه عديد النشطاء على أنه غير ملائم لمرحلة التغير في العقد الاجتماعي في عصر النيوليبرالية الاقتصادية التي اختارتها الدولة كنهج لها، كما أنه مخالف لنهج الليبرالية الذي تتبناه الدولة. ورغم أن المادة ٤٥ من الدستور تعطي صلاحيات لمجلس الوزراء إلا أن الشق الثاني من تلك المادة يقيد تلك الصلاحيات بمصادقة الملك عليها. كما أن المادة ٤٧ (٢) من الدستور تمنح رئيس الوزراء التصرف ضمن صلاحياته، إلا أن تلك الصلاحيات غير معلومة بل تبدو عائمة. ويبدو أن المادة ٤٩ من الدستور قد تشي ببعض العوائق التي تواجه الوزراء ورئيسهم. فالمادة تنص على أن "أوامر الملك الشفوية او الخطية لا تخلي الوزراء من مسؤوليتهم".
 
يدرك المطلع على السيرة الذاتية للدكتور عمر الرزاز أنه يحمل من المؤهلات ما يمكنه من أن يكون رئيس وزارء بجدارة. رجل حاصل على بكالوريوس من جامعة بيروت العربية، والماجستير من معهد مساسوشتس للتكنولوجيا، والدكتوراه من جماعة هارفارد في التخطيط والاقتصاد، كما أنه أجرى دراسات ما بعد الدكتوراه في كلية القانون في جامعة هارفارد. وقد عمل في البنك الدولي مدة من الزمن. فما الذي يجعل شرائح واسعة من الشعب الأردني تحكم على شخص بتلك المؤهلات "النيوليبرالية" بالفشل؟ لو تتبعنا سلوكيات الحكومة خلال إضراب المعلمين لوجدنا أنها كانت محجمة ومحكومة بقرار يأتي من فوقها. أكاد أجزم أن الدكتور الرزاز لديه كفاءة عالية في إدارة حوار للأطراف ذات العلاقة (Stakeholder Dialogue) ولديه ما يأهله كي يدير عملية تفاوض ناجحة مع نقابة المعلمين. لكن الرجل بدا مكبلاً تائهاً لا يعرف كيف يوظف ما لديه من إمكانيات. فهل كان الإخفاق في ملف إضراب المعلمين إخفاقاً حكومياً؟

يرى العديد من النشاطين أن الدولة انتهجت الحل الأمني كخيار أول لكبح المعلمين في مسيرتهم. فقد تم كبح الاعتصام، ثم اعتقل بعض المعلمين وتم التنكيل بهم في المراكز الأمنية ما أدى إلى تفاقم الأزمة ووصولها إلى الإضراب الذي أيده غالبية الشارع الأردني وأسفر في النهاية عن اعتذار الحكومة للمعلمين ومنحهم أكثر مما طلبوا. وخلال الإضراب مورس الحول الأمني الناعم من خلال العمل على عزل المعلمين عن الشارع، وربطهم بشماعة "الإخوان"، ثم ظهر تيار لحسابات وهمية على مواقع التواصل يروج (لهاشتاج) "مع الطالب" في محاولة لاستمالة الشارع. إلا أن الكثير من الناشطين كان مدركاً لما يحصل. وقد وصفت بعض الحسابات الحقيقية على مواقع التواصل أن الدولة تدار بعقلية أمنية من زمن خمسينيات القرن المنصرم في الوقت الذي تعطيك نظارة "جوجل" أو "ميكروسوفت" كل ما تريده كي لا تضل الطريق!

"الأجندات العبثية"

رغم وضوح الأمر للقاصي والداني كانت الدولة، ولا تزال، تصر على أن هناك أجندات عبثية وراء إضراب المعلمين، مع العلم أنه كان جلياً أن الحكومة كانت غير فاعلة ومكبلة وتنتظر قراراً يأتيها من فوقها في كيفية تعاملها مع الأزمة. وظل الشارع الأردني بحالة من الترقب والخشية من الانفلات إلى أن أوعز الملك بما أوعز. اللافت في الأمر أن الملك غرد منتقداً "الأجندات العبثية" ووقف "مع الطالب" وأوعز بالحل الذي كان من الممكن أن يكون أسهل بكثير لو أعطي المعلمون قدرهم كمؤسسة مجتمع مدني ولو كانت الحكومة بصلاحيات أكبر منذ البداية. وقد رأت عديد الحسابات الأردنية على مواقع التواصل بأن تعامل الحكومة مع الأزمة كان عبثياً وليس إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم الموعودين بها منذ سنوات، في الوقت الذي تستنزف فيه المؤسسات الموازية مئات الملايين من أموال دافعي الضرائب. المحصلة النهائية أن حكومة الرزاز كانت هي الملومة في أعين الناس وكانت هي العبثية في سلوكياتها.

الخلاصة

يتزايد انعدام ثقة الأردنيين بحكوماتهم بسبب ضعف الصلاحيات الممنوحة لتلك الحكومات، وبسبب أنها حكومات غير منتخبة ولا تمثل إرادة الشعب في الوقت الذي تمنح المجالس النيابية النفعية الثقة لتلك الحكومات. قدمت هذه المقالة توصيفاً لبعض الأسباب التي تزيد من انعدام ثقة الأردنيين في حكوماتهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة