هل الأكراد يؤيدون المظاهرات العراقية؟

8/11/2019

في غمار المظاهرات العراقية المستمرة لأكثر من شهر في المدن الجنوبية يلاحظ غياب مشاركة السنة في الحراك والصمت الكردي، وإن كان موقفهما (السنة والكرد) متشابهين في الغياب، ولكن لكل منهما أسباب خاصة حالت بينهم والمشاركة في المظاهرات العراقية، أما السنة فلا يلزم التفكير الطويل في موقفهم ليتضح السبب، فهم خارجون توا من "تجربة الداعش"؛ مناطقهم مدمرة، ساكنوها مشردون، ونفيستهم محطمة، بحيث لا تكاد تجد فيهم شرارة ولا حرارة، بسبب هول ما رأوه من سنوات عجاف مرت عليهم بحلول داعش في مناطقهم. لذلك فالمسألة لا تحتاج وقتا لمعرفة سبب عدم مشاركة السنة، وهم ليسوا غائبين في الحقيقة، لكن المكون الآخر الرئيسي في العراق وهم الكرد، صامتون أيضا تجاه كل ما يحدث، صمتا لا يفسر بالغائب وإنما بترقب شديد وقريب، على المستويين الشعبي والرسمي، نذكرها هنا كل على حدة.

حكومة إقليم كردستان أولى بالاحتجاج عليها

الصمت ليس بالضرورة علامة الرضا بل أحيانا علامة عدم المقدرة، المظاهرات هي وسيلة للضغط على جهة معينة وغالبا ما تكون تلك الجهة الحكومة لتحقيق مطالب محددة، بجانب أنها وسيلة للتعبيرعن وجهة نظر ما، ولو خرجت المظاهرات في مدن إقليم كردستان ضد الحكومة العراقية؛ فلن تشكل أي ضغط عليها، لأن حكومة الإقليم تقف حاجزا في الطريق، في الحقيقة الدوافع التي أدت إلى خروج الشباب العراقي بالمظاهرات على إثرها موجودة عند الأكراد في إقليم كردستان أيضا، فالوضع المعيشي في كردستان العراق ليست بأفضل بكثير من المناطق العراقية، باستثناء الأمن، أما الأسباب الأخرى لخروج المتظاهرين في مدن العراق فهي متوفرة في إقليم كردستان أيضا؛ فرواتب الموظفين دون مستوى المعيشة الكريمة، وتتأخر كل شهر، ففي أواخر نوفمبر يستلم الموظف في إقليم كردستان راتبه لشهر آب (أغسطس)، خمسة أعوام مضت (2014- 2019).

هناك مخاوف كردية من مطالبات تسمع بوضوح لإطراء تغيرات وتعديلات في الدستور العراقي، الكرد ينظرون إلى هذه المطالبات بعين الريبة، يرون أن هذه المطالبات داخلة على المحتجين العراقيين الذين يطالبون بمحاربة الفساد وتغير الوجوه

الإقليم بدون الميزانية العامة، الفساد انتشر في الإقليم، نشر السرطان في جسد المريض، لا يفيده القطع ولا العلاج، من موظف صغير إلى أكبرهم، بل تكاد لا تستطيع أن تنجز معاملة روتينية بدون واسطة، والواسطة أصبحت من مستلزمات المعاملات في الدوائر الحكومية، والروتينيات أتعبت كل مواطن فمعاملة صغيرة تلزمك أيام وأسابيع، والاستثمار في الإقليم محتكر على قلة قليلة من الدائرة الضيقة للعائلة الحاكمة وليس الحزب الحاكم، في عصر التكنولوجيا كل شيء هنا يدوي لا شيء إلكتروني، ليس لدى الإقليم البنية التحتية الصناعية، أكلها وشربها مستورد، إقليم إستهلاكي بإمتياز، المواطن الكردي مسحوق مرتين، تحت وطأة فساد حكومة الإقليم وتحت فوضى الحكومة العراقية، مع ذلك كله إن خرجت المظاهرات في إقليم كردستان لن تشكل أي ضغط على الحكومة العراقية، بل ستكون ضد حكومة الإقليم، المواطن الكردي الان يفضل إنتظار ما ستعمل الحكومة الجديدة، قد تغيرت فيهل فيها جميع التشكيلة القديمة من رئيس الحكومة الى الوزراء وإن كانوا من نفس الحزب لكن لهم توجهات مختلفة عن سابقاتهم، والمواطن الكردستاني يترقب ما ستؤول إليه سياساتة الحكومة الجديدة التي أعلن عنها مسرور البرزاني رئيس حكومة أقليم كردستان من محاربة الفساد وإصلاح الأوضاع المالية والإدارية، يترقب الكرد نتائج مرجوة بتحسن ولو كان طفيفا وإن كانوا في قرارة أنفسهم لا يثقون بأي تحسن.

تغريدات عبد المهدي وإقليم كردستان تتناغم

في الحكومات المتعاقبة في العراق قبل الغزو الأمريكي في 2003 وبعده، للكرد تجارب متكررة معهم، في البداية الحكومات العراقية تغازلهم وتعطيهم بعضاً من حقوقهم وهامشاً من الحرية والتحرك ولكن ما إن يُقَوى موقفهم، وتطأ أرجلهم الأرض، حتى يتراجعون عن كل ما قدموه، ويكشرون عن أنيابهم ضد حلفائهم الكُرد، وجميعهم بنفس المنوال. كل رئيس وزراء عراقي جديد يريد أن يوطد علاقته مع إقليم كردستان من باب إبعاد المشكلة لحين التغلب على باق المشاكل، وما إن يتمكن حتى ينقلب على الكورد. نوري المالكي حينماكان رئيساً للحكومة العراقية، في العام 2014 قطع المستحقات المالية وحصة إقليم كردستان من الميزانية العامة ليدخل الإقليم في أزمة مالية حادة تأخر على إثرها رواتب الموظفين ومن ثم خفض الرواتب لحوالي 75 بالمئة.

أتى من بعده حيدر العبادي مبشراً بعلاقات جيدة مع إقليم كردستان لكنه أضاف على المالكي بالهجوم العسكري في أواخر 2017 بسبب استفتاء إقليم كردستان للاستقلال، ونشب حرباً كبيرة بين أربيل وبغداد، وبعد مجيء عادل عبد المهدي كانت الأولوية عنده إصلاح ذات البين مع الإقليم بعد جفاء طويل بين بغداد وأربيل و خصومة وصلت لحد القتال، فكان عبد المهدي متساهلا في موضوع الميزانية وغيرها من المشاكل المعلقة بينهما، ما جعل الإقليم في إستقرار نسبي، عادت رواتب الموظفين إلى المستوى الطبيعي بعد أن كان منخفضا لأكثر من 75 بالمئة، تنفس إقليم كردستان على المستويين الشعبي والرسمي الحكومي الصعداء بعد 5 سنوات عجاف، لذلك فهم لا يرغبون في تغيير ما هو جيد نسبيا في الحاضر بمجهول الآتي.

انقلبت الموازين.. أربيل لم تعد أولوية

قبل أشهر ومع بداية تسلم عبد المهدي لمقاليد رئاسة الوزراء العراقية كانت العقبة الكبيرة الرئيسية في طريقه والمشكلة العويصة الوحيدة؛ الشرخ الكبير الذي حدث بين أربيل وبغداد، وبالتالي المهمة الرئيسية والأولوية لدى رئيس الوزراء كانت ترميم العلاقات مع أربيل وحل المشاكل المعلقة، لكن المظاهرات العراقية قلبت الموازين وأعادت ترتيب الأولويات، الآن إقليم كردستان لم يعد ذا أهمية كبيرة على قائمة الحكومة العراقية مثل الشهور التي مضت، بل إرضاء الشباب العراقي في محافظات الجنوب بات المهمة الكبرى.

حكومة إقليم كردستان تعي هذا جيدا وتتلمسه من التغيرات طرأت على خطاب الحكومة العراقية وتحركاتها، فقبل المظاهرات العراقية كان الوفود من بغداد إلى أربيل متعاقبة ولا يكاد يمر أسبوع بدون زيارة وفد من بغداد إلى أربيل، كل الجهود كانت تصب للتقارب بينهما، بعكس الآن، فمنذ الحراك العراقي لم يزر وفد رسمي ذو شأن من بغداد إلى أربيل، بل كان هناك اجتماعات مقررة بين الجانبين تم تأجيلها ولم تنعقد إلى الآن، يشعر الأكراد أن أي تغير في الحكومة العراقية ورئيسها سيكون بمثابة تهميشهم أو إعطائهم الأولوية من الدرجة الثانية إن لم يكن الثالثة، سيتفرغ رئيس الوزراء القادم لمشاكل المحافظات الجنوبية بالذات، وسيعتكف على تحقيق أدنى مطالب المحتجين ليسد الباب القريب منه، بعدها يمكن أن يولي وجهه قِبَلَ الشمال وإقليم كردستان، أما إن بقي عادل عبد المهدي؛ فهو أيضا سيولي الاهتمام الأكبر للمحتجين ومطالبهم لكن يبقى في ذهنه حل المشاكل المعلقة مع أربيل والطرفان وصلا مسبقا إلى توافق وحلول في موضوعات كثيرة، لا يحتاج أن يبدأ من مربع الصفر مثلما سيبدأ به بديله.

عجلة التغيير ستجر الدستور معها

فضلا عما ذكرنا أنفا، هناك مخاوف كردية من مطالبات تسمع بوضوح لإطراء تغيرات وتعديلات في الدستور العراقي، الكرد ينظرون إلى هذه المطالبات بعين الريبة، يرون أن هذه المطالبات داخلة على المحتجين العراقيين الذين يطالبون بمحاربة الفساد وتغير الوجوه بعد الغزو العراقي 2003، لكن ما علاقة هذه المطالبات بإجراء التعديلات على الدستور العراقي؟ يتسائل الكورد بالشك، لأنه ليس في الدستور ما يهيء للفساد ويشجع عليه أو يعرقل مكافحته أو يمنع التنمية مثلا، سلوك المسؤولين وفساد الأحزاب لا تمت صلة بالدستور، يخاف الأكراد بتعديل صلاحيات الأقاليم في العراق بإنتقاص دورهم وتقوية المركز، وهو ما تراه أربيل بموضوع وجودي وليس بعابر، فبعد سنين طويلة من الحروب مع حكومات عراقية متعاقبة وصل الكورد في العراق إلى إدارة خاصة بهم على شكل الفدرالية بعيدة عن بغداد وسطو حكامها، في الحقيقة إقليم كردستان أشبه بدولة داخل دولة من إقليم فدرالي، أنتجت هذه الدعاوى مخاوف لديهم من التغيرات الحاصلة القادمة، لهذا أربيل ليست متحمسة لتغيير رئيس الوزراء العراقي، تخاف بعدم توقف عجلة التغيرات عند رئيس الوزراء بل تجرف معها تغيرات أخرى كالدستور مثلا، الكورد مع تغيير الحال والإصلاحات في العراق، ولكن مع المحافظة على ما هو عليه من صلاحيات الإقليم، ولا تهمها أسم رئيس الوزراء كثيرا بقدر ما تهمها وجهة نظره تجاه الكورد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة