حكومة حمدوك وحصاد مائة يوم!

10/12/2019

أكملت الحكومة الانتقالية في السودان مائة يوم وسط ظروف محلية، إقليمية ودولية بالغة التعقيد فبعد أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدامية وتعثر التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير تدخلت كل من أثيوبيا والاتحاد الأفريقي عبر وساطة ساهمت بشكل كبير في توقيع اتفاق على تقاسم السلطة بين العسكر وقوى التغيير في السابع عشر من شهر أغسطس المنصرم أبرز بنود هذا الاتفاق هي تشكيل هياكل السلطة الانتقالية من مجلس سيادة مختلط بأغلبية مدنية وتعيين مجلس وزراء انتقالي وتشكيل مجلس تشريعي تختار قوى التغيير 67٪ منه كما نصت الاتفاقية على رئاسة دورية لمجلس السيادة بين العسكر والمدنيين في الفترة الانتقالية المحددة بي 39 شهر بدأت فعلياً منتصف أغسطس.

 

طوال هذه الثلاثة أشهر شهد الشارع السوداني انقسام حاد في نظرته لأداء حكومة الدكتور عبد الله حمدوك بين محبط من مردود الوزراء وبين متحمس يرى منح الحكومة بعض الوقت لمعالجة أمراض النظام البائد لكن بين هذا وذاك يرى أغلب السودانيون أن بعض مسؤولين حكومة الحرية والتغيير بعيدين عن هموم وقضايا الشعب السوداني وأولويات الفترة الانتقالية، فيما يختص بقضايا تحقيق السلام والوصول لاتفاق مع الحركات المسلحة لا تزال المفاوضات التي انطلقت في جوبا وقبل ذلك في أديس أبابا في مرحلة تحديد الأجندة ولم تتجاوز ذلك لمرحلة التفاوض المباشر مع العلم أن الوثيقة الدستورية حددت فترة ستة أشهر كسقف زمن لتوقيع السلام انقضى نصفها والأمر الذي يُثير الاستغراب هو أن الجبهة الثورية وتكتل نداء السودان هما جزءان من كتلة الحرية والتغيير الموقعة على الاتفاق.

  

ينظر السودانيون بقلق بالغ لتوجهات حكومة حمدوك المتمثلة في تغيير المناهج والعمل على استهداف قيم وعادات المجتمع ويرونها محاولة لتصفية حسابات أيدولجية مع الإسلاميين

أما في جانب المشاركة السياسية وبناء التوافق الوطني فإن البلاد لا زالت تشهد احتقان سياسي كبير متمثل في إقصاء قوى الحرية والتغيير لمكونان سياسية كبيرة وعريقة من الحياة السياسية مثل "الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل" الذي يترأسه السيد محمد عثمان الميرغني وهو حزب ذو نفوذ كبير في مناطق واسعة من شمال وشرق ووسط السودان كما عزلت الحرية والتغير أحزاب جبهة الشرق بقيادة الزعيم القبلي "موسى محمد أحمد" والذي كان مساعداً للرئيس المخلوع وفقاً لاتفاقية دولية وغير بعيد منهم الزعيم الديني "سليمان علي بيتاي" في ولاية كسلا الذي خرج عن صمته في لقاء حاشد وسط أنصاره متحدياً الحكومة الانتقالية "بأن السودان لن يُحكم من صوالين الخرطوم" وفي غرب السودان فإن كل الحركات المتمردة الموقعة على إتفاقية سلام الدوحة تم استبعادها تماماً من المشهد الانتقالي نذكر منهم حركة العدل والمساواة جناح السلام بقيادة "دبجو" وحركات أخرى بقيادة "بحر إدريس أبو قردة" و"التجاني السيسي" وعزلت أيضاً قوى التغيير قيادات بارزة في ثورة ديسمبر حتى أن بعضهم تم إطلاق سراحه في يوم إعلان "الفريق إبن عوف" عزل البشير أبرزهم "الدكتور محمد علي الجزولي" مؤسس ورئيس حزب دولة القانون كما رفضت الحرية والتغيير مشاركة تحالف عريض من الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية بقيادة "الدكتور غازي صلاح الدين" رئيس حركة الإصلاح الآن ورئيس الجبهة الوطنية للتغيير حيث كان ذلك في وقت مبكر قبل سقوط البشير حتى في خطوة عدها مراقبون تعميقاً للانقسام السياسي في البلاد.

 

كما شهد السودان تراجع مخيف في سجل حقوق الإنسان بصورة أسوء من عهد البشير حيث لا زالت السلطات تعتقل 28 شخص من رموز النظام البائد بدون توجيه أي إتهام والشروع في إجراءات محاكمة عادلة كما يوجد معتقلين سياسيين معارضين لنظام البشير لا يزالون في سجون مجهولة مثل الزعيم القبلي "موسى هلال" الذي تم اعتقاله منذ العام 2018 وقد ناشدت عدة منظمات دولية حقوقية حكومة عبد الله حمدوك أكثر من مرة لإطلاق سراح "هلال"، والمخيف أكثر في قضايا الحريات تصريحات وكيل وزارة الإعلام المتكررة "الرشيد سعيد يعقوب" الذي هدد الصحف بإجراءات استثنائية في الأيام القادمة حال استمرارها في انتقاد حكومة حمدوك، أما أكثر القضايا إلحاحاً هي إجازة قانون تفكيك نظام البشير الذي يعتقد مراقبون أنه يحتوي على إجراءات تعسفية سيتم استخدامها بصورة سلبية لتصفية الخصوم السياسيين من قبل حكومة حمدوك حيث يتيح القانون حل كل النقابات والاتحادات العمالية كما حلت مفوضية العون الإنساني في الخرطوم أكثر من 30 منظمة تطوعية بتهمة تبعيتها للنظام البائد.

 

اقتصادياً تشهد البلاد تردٍ مريع وارتفاع غير مسبوق في الأسعار وانعدام للمواصلات وندرة في المحروقات والخبز، كما واصل الجنيه السوداني انخفاضه مقابل الدولار وسط قرارات وصفها متابعين بالكارثية تمثلت في منع صادر "الفول السوداني" وتصريحات وزير الصحة "د. أكرم التوم" بوجود وباء الكوليرا في البلاد التي تسببت في نفوق الآلاف من الماشية السودانية في ميناء بورتسودان وقرار وزير التجارة "مدني عباس" الذي قضى بمنع الأجانب من ممارسة التجارة في قرار عشوائي سيساهم في انسحاب رأس المال الأجنبي من البلاد وسيجد حمدوك نفسه في ورطة كبيرة في نهاية هذا الشهر حيث سيكون مضطراً لإجازة موارنة العام 2020م والتي تحتاج حكومته لمبلغ خمسة مليارات دولار للحفاظ على هذا الوضع المتردي أو رفع الدعم عن السلع حينها فإن سعر قطعة الخبز الواحدة سيرتفع الى جنيهان كما سيصبح جالون البنزين بمبلغ 98 جنيه أكثر بمرتان من السعر الحالي فهل سيصمد المواطن السوداني حينها؟!

 

ينظر السودانيون بقلق بالغ لتوجهات حكومة حمدوك المتمثلة في تغيير المناهج والعمل على استهداف قيم وعادات المجتمع ويرونها محاولة لتصفية حسابات أيدولجية مع الإسلاميين هذا ليس محلها كما أن هذا الأمر ليس من أولويات الفترة الانتقالية حيث انتقد أئمة وخطباء مساجد مدير المركز القومي للمناهج "عمر القراي" الذي صرح في أكثر من لقاء برغبته في حذف آيات قرآنية في بعض المقررات الدراسية واعتبروها محاولة لاستفزاز المجتمع السوداني وطالبوا حمدوك بإقالته فوراً، خارجياً يرى مراقبون أن الموقف السوداني الخارجي لا زال يعبر عن النظام القديم حيث يتمترس السودان في نفس المحور القديم في استمراره بحرب اليمن كما أن خطوات حمدوك لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب قد مُنيت بالفشل بعد زيارته الأخيرة لواشنطن والتي وعد فيها بتعويض أسر ضحايا المدمرة "كول" بدفع 3 مليارات دولار تعويض في قضية برأت المحكمة العليا السودان منها!

   

لكن يبقى السؤال المُلح هل ستصمد الحكومة الانتقالية في ظل هذا الواقع المعقد سياساً، اجتماعيا واقتصاديا؟! أم سنشهد تغيير سياسي جديد يعيد ترتيبات المشهد في السودان والمنطقة ككل؟! هذا ما سنتابعه في مقبل الأيام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة