حسام ممدوح
حسام ممدوح
669

متظاهرون من عالم افتراضي

2/12/2019

أندفع المتظاهرون في صولة جديدة لهم على الحاجز الأمني الذي تنصبه قوات مكافحة الشغب على جسر الجمهورية مستخدمين الحجارة وآلات صيد الطيور المخصصة للأطفال (المصيادة). شاحذين هممهم بالصياح والهتاف غير المنتظم، على الجانب الآخر لم تجد قوات مكافحة الشغب غير استخدام العبوات المسيّلة للدموع مستهدفةً الجموع المهاجمة.. فجأة امتلأت المنطقة القريبة مما يسمى بـ(حاجز الصد) بالغازات المسيّلة للدموع التي أصابت إحداها رأس أحد المتظاهرين الذي ما لبث أن اندفع يركض والدخان يتصاعد من رأسه في مشهد مرعب، المتظاهرون الآخرون لاسيما ممن لم يرتدِ القناع الواقي دخل في نوبة من الاختناق وضيق التنفس فتدخل الفريق الطبي المعالج لإسعاف الحالات الحرجة بغسل وجوههم بالمشروب الغازي (البيبسي) أو بعبوات الماء المخلوطة بمادة الخميرة.

     

وسط هذه الأجواء المأساوية من وجهة نظر الزائر الجديد للساحة تجد أحد المتظاهرين وهو يحمل مضرباً للتنس يرد به العبوات المسيّلة للدموع على قاذفيها، فيما يلتقطها آخر ليعيدها بضربة فنيّة (الدبل كيك) على طريقة كبار لاعبي كرة القدم وسط تشجيع المحيطين به وضحكاتهم، هذا المشهد الدامي المفجع تكرر يومياً لأكثر من مرة منذ الخامس والعشرين من تشرين الأول دون أن نرى تراجعاً من قبل المعتصمين المتواجدين في ساحة التحرير بل على العكس.. العدد يزداد رقمياً والاعتصام يزداد تماسكاً.

    

حالة الصمود التي يواجه بها المعتصمون الأجهزة الأمنية الحكومية والجهات المسلحة غير النظامية والمجهولة لغاية الآن بدأت تثير لدينا تساؤلات عدة عن طبيعة أولئك المعتصمون في ساحة التحرير.. لأي طبقة ينتمون؟ ما هي مطالبهم؟ ما هي خصائصهم التي تميزهم عن غيرهم من الفئات المجتمعية المكونة للمجتمع العراقي؟ وكيف يمكن التعامل معهم واستيعاب مطالبهم؟

      

    

جيل افتراضي

ربما يفاجأ من يزور ساحة الاعتصام المفتوح وسط بغداد (ساحة التحرير) بكم بشري كبير جلّه من فئة عمرية معينة يمكن تقديرها بين الـ(15-22)، وعلى الرغم من وجود أشخاص أكبر من هذا العمر وبكثير ومن كلا الجنسين إلاّ أنهم لا يشكلون أكثر من (10%) من جملة ما موجود في ساحة الاعتصام، جزء رئيس من عامل التميّز لهذه الفئة يعود إلى ارتباطها الوثيق بشبكات التواصل الاجتماعي وتحديداً الفيسبوك، عليه فإن كثير من سمات هذه الفئة يتماثل مع سمات شبكات التواصل الاجتماعي من حيث سرعة التعاطي مع المعلومة.. السطحية.. الترفيه في الجزء الأكبر من نشاطها.

  

كذلك فإن عامل الخوف الذي قد يعيشه أبناء هذا الجيل أثناء ممارستهم للألعاب الالكترونية لا يحتل في أنفسهم إلاّ مساحة ضيقة فتشعر أنه يتعامل مع عناصر الأمن الحكومي وكأنهم خصومه في إحدى تلك الألعاب فيبادرهم الضربة بالضربة والشتيمة بمثلها. حتى أننا لاحظنا أن بعضهم وبعد أن ينجح بمواجهة عناصر الأجهزة الأمنية يرقص بطريقة مماثلة لرقصة لاعبي لعبة (البوبجي)، كذلك يمتاز جمهور التظاهرات اليوم بانفتاح ذهنه على الأفكار جميلها وقبيحها صالحها وطالحها، فالأعم الأغلب من المتواجدين في ساحات الاعتصام يستخدم الهاتف الذي ولديه حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بالتالي فهو يعيش حالة من التفاعل غير المحدود مع العالم أجمع.

  

هذه الميزة –إن صحت التسمية- قد تكون مثلبة على الجمهور المتظاهر اليوم، ففي الوقت الذي يتفاعل فيه مع العالم وما يطرح من أفكار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يمتاز بدرجة عالية من السطحية. وهي سمة من سمات مواقع التواصل الاجتماعي التي تمتاز بتناول المواضيع بسرعة ودون خوض في التفاصيل، فمن الطبيعي جداً أن تجد بين المتظاهرين من لا يميز بين النظام السياسي والدولة والحكومة.

 

لا خطوط حمراء

حالة الانفتاح العالية التي عاشها الجيل الذي يشكّل النسبة الغالبة من التظاهرات اليوم جعلته لا يحمل تقديساً لكثير من الشخصيات والرموز التي من المفترض أنها تتمتع بذلك، هذا الأمر مرده أن سمت الحياة التي يعيشها هؤلاء الفتية قائم على السخرية والاستهزاء وهذا واضح جداً من خلال متابعة الشعارات التي رفعت في المظاهرات أو حتى الطرق المتبعة في التعبير عن الاحتجاج على النظام السياسي القائم، بل إنك قد تفاجأ بلفظ خادش مرفوع على إحدى لافتات المتظاهرين أو بشعار غير لائق يردده المتظاهرون دون خوف أو حياء.

    

  

جزء رئيس من تكوين شخصية المتظاهر اليوم قائم على الاعتداد بالنفس والرأي وإن كان هذا الرأي غير واضحاً بشكل كبير بالنسبة له فلكل منهم رأيه وموقفه الذي يعتد به بغض النظر عن موقف المحيط منه.. وهذا الأمر ينعكس على ردة فعلهم إزاء أي استهزاء أو محاولة لتجاوز مواقفهم أو حتى الالتفاف عليها، ميزة إضافية يمكن تسجيلها هنا هي أن الفئة العمرية التي تشكّل النسبة الأكبر من المتظاهرين لم تعش مرحلة ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بالتالي فهي لا تحمل صورة ذهنية عن النظام السابق وطريقة إدارته للبلاد أكثر من القصص التي يرويها الأهل لهم أو مقاطع الفيديو التي يظهرها لهم موقع اليوتيوب.

  

عليه، فحالة المقارنة بين الحاضر والمستقبل غير قائمة في أذهان هؤلاء الفتية حتى أنهم قد لا يحملون الكثير من الضغينة تجاه شخوص ورموز النظام السابق، بل إنهم قد يعمدون لمدحهم أو التفاخر بمواقفهم إزاء كثير من القضايا التي تعد من التحديات للنظام الحالي كالعلاقة مع دول الجوار، هذا الأمر أضعف موقف الأحزاب المشاركة في العملية السياسية كونها كانت تعتمد بنسبة كبيرة من مكانتها وثقلها في الحياة السياسية على إرثها في مواجهة النظام السابق، وهذا ليس له وقع في نفوس الطبقة التي نتحدث عنها.

  

إزاء ما سبق من الخصائص المميزة لهذه الفئة المجتمعية التي تكاد تكون اليوم هي الجهة المسئولة عن المظاهرات في العراق اليوم فإن التعاطي والتعامل معها يحتاج لخارطة طريق جديدة مختلفة تماماً، فالعنف والقمع أدوات قد تجدي نفعاً في كبت الحريّات ولكن ليس لجيل بلا حدود كحال الجيل الحالي ولزمن لا يشهد ثورة إعلامية كالتي نعيش، بالتالي فالجهات المسئولة اليوم بحاجة لدراسة عقلية تلك الفئة والبحث عن طرق فاعلة للتعامل معهم قوامها استيعاب وتفهّم ما هو مرفوع من مطالب وليس المواجهة والتحدي وإلاّ فإن تحدي هذه الفئة سيكون أكبر وأكبر.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

720
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة