زكية الحناوي
زكية الحناوي
2.2 k

"الجوكر" ليس بطلا!

5/12/2019

الجميع تعاطف مع "جوكر" ونسي أنه في الأصل لص مجرم!، ونسينا تماما وقوفه في بادئ الأمر ضد قوى الخير "باتمان"، غياب هذا الأخير من فيلم "جوكر"، أظهره كشخص بريء مستهان وبدأ الجمهور يتقبل أن هذه الشخصية الشريرة الماكرة -فيما مضى- تستحق التعاطف والمآزرة أكثر، وهذا بإدراج خطابات عميقة ومقاطع درامية محزنة وحَبك قصة حياة مأساوية للبطل ليقنعونا أنه لم يفعل شيئا خطأ اتجاه المجتمع أو القانون، بل كل جرائمه في "دارك نايت" وفي نهاية "جوكر" هي ردود أفعال عادية جدا، من شخص سحقه القانون والمجتمع!

هذا النوع من الشخصيات ليست في فيلم جوكر فقط، بل وجدناها في "راغنار" بطل سلسلة "فايكنغ" الذي هو في الأصل لص قاتل يغزو المدن ويسطو ويقتل الناس عنوة، لكن المسلسل صوره وأظهره بطلا أسطوريا، وكذلك سلسلة "لا كاسا دي بابل" وغيرها من السلسلات كـ "بريكينج باد" و"بيكي بلايندرز" وغيرها.. كلها ببطولة شخصيات بمبدأ خاطئ من الأساس، لكن حبكة الفيلم جعلت منهم أبطالا بملامح جميلة وموقف قوي. في المقابل نجد انهيارا تسلسليا للأبطال الفعليين الذين عهدنا منهم المواقف التي تؤيد الخير دائما، كَموت "ميغان" من فيلم "ولفرين" واندثار أبطال مارفل مؤخرا كموت "آيرون مان" تقاعس "ثور" وشيخوخة "كابتن أمريكا"..!



أظن أن الفُرجة مستقبلا ستعتمد على الشخصيات الشريرة -ذات المواقف البطولية المبررة- كأبطال للشاشات، فتعريف البطل لم يعد يتمحور حول شخص ينشر الخير ويدافع عن الضعفاء ويضمن حقوقهم، بل أصبح يتركز في شخصية شريرة مجرمة أو مريضة نفسيا ويزينها شيء من الكاريزما وقوة الشخصية، مما يجذب المتفرج إليها لفهم أغوارها فيجد نفسه في الأخير منحازا لها ويوافقها كل تحركاتها وكأنه طرف منها. ويمكنكم تصور ما مدى تأثير ذلك على النفسيات والنشئ الصاعد. وحتى دون الحديث عن هذا النشئ الصاعد، يمكننا جيدا ملاحظة هذا في حياتنا ومجتمعنا اليوم، حيث صار الإفتخار بالجُرم والأفعال الشنيعة شيئا محمودا يجعل صاحبه في مراتب عالية عن باقي أقرانه -ممن يشاطرونه نفس التفكير طبعا-، صارت جرائم القتل واستباحة الأرواح وتقطيع الجثث الآدمية أمرا يكاد يكون أسهل من رشفة ما بعد عطش شديد، أصبحت السرقة في وضح النهار وأمام العامة شيئا روتينيا وبطوليا خاصة لو تمت العملية بطريقة ذكية أو تم خلالها إحداث ثقب في الجدار كما حدث في بعض المدن العربية مؤخرا، تأسيا بسلسلة "لا كاسا دي بابل" كقدوة يحتدى بها في "عِلم السرقة".


وصار الإغتصاب حقا مشروعا في مُخيلة بعض الذكور طالما أن أنثى متبرجة مرّت من قبالته، تماما كما كان يفعل "راغنار" ورفاقه. أو ذاك الذي ضيع سنوات دراسته بين لهو وتفاهة وإدمان، ونجده اليوم يلوم حكومته لِما لم توفر له منصب شغل وسيارة وبيت محترم بداخله زوجة مصون!، وجلس ينذب حظه وهُوةُ الإدمان والسلبية تزداد عمقا يوما بعد يوم، فيقود إضرابات بعناوين ضخمة رنانة ضاربة في عمق السخط والكراهية اتجاه وطنه، إبتداء من الحكومة حتى آخر حبة تراب تحت السياج الحدودي.. كما فعل "جوكر" تماما.

«أنا هنا لا أُبرئُ ذمة الحكومات هي فعلا فاسدة وغالبيتها وإن لم نقل جميعها تجد مصلحتها في جعل الشعب في حالة تناحر جماعي، لكن الذي أقصده أن لكل إنسان بصمة خاصة مباشرة على حياته، ويستطيع بموجبها تغيير شخصيته ومحيطه أو الجو الذي يعيش فيه لو كان ذا إرادة قوية وشخصية صحية بعيدة عن السلبية وتعي جيدا ما يجب عليها القيام به، والدليل أن هناك شخصيات لامعة في مجالات مهمة استطاعت شق طريقها وتحقيق ذاتها ببلدان تقبع بحضيض العالم». "جوكر"، ليس بطلا، هو فقط نموذج مصغّر مُسبق لِما يمكن أن تؤول إليه أدمغة الشباب ونظرتهم للمواقف، هو أيقونة الثائر "المجرم" الذي يبحث عن شماعة لأخطائه، فيُحمِّلُها في الأخير للمجتمع والنظام. "جوكر" ليس فيلما، هو رسالة من المستقبل سيفهمها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة